طوفان الأقصى: تأملات في العجز والانبعاث(إدريس مقبول)
هذه الأمة لا تموت، تضعف وتمرض، لكنها لا تموت أبدا، هو خط كما قال الراحل محمد حسنين هيكل: يصعد الخط أو يهبط، وقد يدور حول نفسه أو ينحني ولكنه لا ينقطع.
ما جرى في طوفان الأقصى هو معجزة كونية بكل المقاييس، لأنه حدث زلزل الأرض وبعث فيها الحياة من جديد، كما بعث في القضية أبعادا جديدة غير مسبوقة، وعجل إيقاع انتقال العالم من الفرجة واللامبالاة وحالة التضليل الذي عمر طويلا إلى حالة اليقظة الإنسانية، لقد شهدنا جميعا موجات الشوارع في العالم وفي ساحات وأروقة الجامعات التي ما تزال تعبر بصدق وحرارة عن حالة العودة من الشرود والتيه الذي كان نتيجة الدعاية الصهيونية طوال المرحلة الأخيرة.
لقد فجر طوفان الأقصى ينابيع الحقيقة في كل مكان، ومهما بلغ عدد الشهداء في غزة، فإن الحصيلة العالمية من الوعي الصاعد تفوق كل التوقعات. لقد أيقظت غزة كل الموتى وفضحت كل المتآمرين وقامت بتعرية كل الزيف الذي لطالما تدثرت به الحداثة الغربية في دفاعها الكاذب عن حقوق الإنسان، لم يكن بالإمكان أن تجري هذه اللحظة الفارقة بدون طوفان الأقصى الذي بدا معه تاريخ جديد، وقطع الطريق على مؤامرات التطبيع مع الشر المطلق، وانتقل بالإنسانية كلها إلى طور فيه الحقيقة عارية من كل تنميق أو غطاء إيديولوجي زائف.
هناك إصرار اليوم على تجاوز مرحلة العجز، فما عاد أحد يخشى الترهيب وسياسات التخويف تحت طائلة معاداة السامية التي كبلت الإرادات الحرة لزمن في الغرب، وكأن الإنسانية ومعها المقاومة تستحضر بيت المتنبي:
إذا لم يكن من الموت بد+++فمن العجز أن تموت جبانا
صحيح أن لحظة الحقيقة قد يرافقها العجز، لكنه عجز مؤقت وليس عجزا أبديا، لابد أن نتذكر أن العجز هو من مترتبات سيكولوجيا اللامبالاة التي هيمنت ولزمن طويل، كما أنها نتيجة الركون الطويل والمستسلم للدعاية الماكرة الكاذبة الخاطئة للصهيونية العالمية التي تمكنت في فترة سابقة من حقن العقل الغربي بما يكفي من مخدر شعب الله المختار وأسطورة أرض الميعاد وحق الشعب اليهودي في استعمار أرض غير أرضه وطرد الفلسطينيين من أراضيهم إلى الدرجة التي بات معها التطبيع مع الاستعمار ثقافة وتقليعة عالمية.
ستخرج جبهات المقاومة من هذا العجز بالإرادة والعزيمة والاتحاد والإصرار على كشف الحقيقة، فالاستعمار كالخفافيش لا يتحمل الضوء، وسوف ينهار أمام الأضواء التي تواجهه وتلاحقه وتتوسع عبر العالم.
قد يكون هناك عجز ينبت في جذوره إصرار لا نهائي، كما قال درويش:
“خذوا أرض أمي بالسّيف..لكَّنني
لن أوقع باسمي على بيع شبر من الشوك حول حقول الذرة”.
لا ننسى أنه في العجز تكمن القوة أحيانا، لأنها تدفع في اتجاه الشعور الضاغط والمُلح بالحاجة للعودة للحياة من جديد، ومادام هناك أمل يبرق فإن العجز لن يفضي للاستقالة، بل يصبح منطلقا فقط لتخطي الصعوبات والإكراهات التي تقع خارج دائرة الذات أو تلك التي صنعها تاريخ من اللامبالاة والمؤامرات.



