المقالات

فنية الفن وأدبية الأدب.. أساسات في البناء(الطيب أكراض)

 توطئة

في زحمة ما يكتب عن الفن الهادف والأدب الملتزم والإبداع الرسالي، يغيب عن كثير من الناس سؤال مؤسس ينبغي أن يسبق كل وصف وكل نعت: ما الذي يجعل الفن فنا، والأدب أدبا؟ إننا نسارع إلى تقليد الإبداع أوسمة الانتماء، هذا فن إسلامي، وذاك أدب ملتزم، وهذه قصيدة رسالية، قبل أن نتثبت من أن ما بين أيدينا فن في أصله، وأدب في صميمه. وكأننا نعلق الحلي على جيد لم نتحقق بعد من وجوده.

وهذا المقال محاولة في ترتيب هذا السؤال، ورد الأمور إلى نصابها. وأول ما ينبغي تحريره التمييز بين الفن باعتباره فنا، والفن باعتباره كاملا. فالعمل يكون فنا وإبداعا متى استوفى شروط الصنعة الفنية وحدها: إحكام البناء، وبلاغة الأداء، وصدق التجربة الشعورية، وقدرة الأثر. وهذه هي فنيته، ولا يشترط فيها صحة المضمون ولا استقامته الأخلاقية؛ فتلك شرط في كمال العمل لا في فنيته: “أن يكون للفن وظيفة فهذا أمرٌ لا جدال فيه ولا سجال، لا شك في أن الفنَّ يقوم بمجموعة من الوظائف، ولكن الخلاف هو في ماهية الوظيفة وطبيعتها. والوظيفة التي يقوم بها لاحقة على العمليّة الإبداعية وليست سابقة عليها، ولا مشروطةً بها، أعني أنَّ الفنان يبدع أثره الفني من أجل تحقيق ذاته المبدعة، ويكون كل ما بَعْدَ ذلك من وظائف لاحقاً على العملية الإبداعية”[1].

ولهذا ميز القاضي الجرجاني في كتابه الوساطة بين التمكن من صناعة الشعر وبين مضامينه، وفرق صريحا بين غاية الأدب وغاية الأخلاق، حيث قال: “فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى اسم أبي نواس من الدواوين، ويحذف ذكره إذا عُدّت الطبقات، ولكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزبعري وأضرابهما ممن تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاب من أصحابه بكماً خرساً، وبكاء مفحمين؛ ولكن الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر”[2].

فتبين بهذا أن الرسالة والمضمون الصادق شرط كمال لا شرط صحة؛ بها يسمو الفن ويشرف، لا بها يوجد ويصير فنا. والصنعة وحدها كافية لتعريف الإبداع والفن وإثبات الصفة له. وفي المقابل، لا يغني المضمون الصادق شيئا إن غابت الصنعة؛ فالمعنى الشريف في نص عاجز لا يجعله فنا، إذ الفنية إنما تضفيها الصنعة لا شرف المقصد. غير أن هذا التقرير نصف الميزان في نظرة الرسالي: فإن كنا لا نطلب المضمون شرطا لوجود الفن، فإنا نطلبه شرطا لكماله وشرفه وبلوغه الغاية التي نحبها له؛ فلا يكتمل الفن الرسالي إلا بركيزتين: صنعة متمكنة يقوم بها فنا، ومضمون صادق يرقى به كمالا. فلا صنعة ناقصة يشفع لها شرف المعنى، ولا معنى شريف يغني عن إتقان الصنعة.

أولا: الفنية حقيقة سابقة على الوصف

الفنية في العمل الفني، والأدبية في النص الأدبي، حقيقتان جماليتان قائمتان في بنية العمل نفسه: في إحكام الصنعة، وصدق التجربة، وبلاغة الأداء، وقدرة العمل على أن يحدث في المتلقي ذلك الأثر الذي لا يحدثه إلا الجمال. وهذه الحقيقة لا يثبتها دين ولا فكر ولا أيديولوجيا ولا قضية؛ فليس في الانتماء إلى الحق ما يجعل الرديء جيدا، ولا في صدق العقيدة ما يحيل العجز عن البيان بيانا.

إن الله جميل يحب الجمال، أجرى سبحانه في خلقه سننا لا تحابي أحدا؛ فقوانين الجمال في الكلمة واللون والنغم تجري على المبدع الصادق عقيدة والمبدع المخطئ عقيدة بمقياس واحد. الموهبة عطاء رباني مبثوث في الخلق، والإتقان صنعة تكتسب بالمران والدربة، وكلاهما لا يستجلب بحسن النية وحدها.

بل إن الجمال نفسه مطلوب في الدين، محبوب لله؛ حيث جعله شرطا في حسن أداء الرسالة وحملها؛ قال تعالى: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” [النحل: 125]. فقيد الدعوة بالحسن في الموعظة، وبالأحسن في المجادلة؛ فرقى بأسلوب التبليغ إلى درجة الإحسان، وجعل جمال الأداء جزءا من كمال الدعوة لا فضلة عليها. فمن حمل أجمل رسالة بأقبح أسلوب، فقد أساء إليها من حيث أراد خدمتها.

فمن ظن أن صواب الوجهة يغني عن حذق الصنعة، فقد غلط على الفن وعلى الدين معا: غلط على الفن إذ حمله ما ليس فيه، وغلط على الدين إذ نسب إليه رداءة هو منها بريء. غير أن هذا التقرير، على وجاهته، نصف الحقيقة؛ فإن التمكن من المعايير الجمالية شرط لازم لا يتم الفن بدونه، لكنه لا يكفي وحده ما لم يصحبه مضمون صادق وروح رسالة. وإلى تمام هذا الميزان نعود في المحور التالي.

ثانيا: أن نوجد الفن أولا، ثم نختار له صفته

ومن هنا يتقرر الأصل الذي ينبغي أن يبنى عليه: أن نوجد فنا أولا، ثم نختار له صفته. فالوجود سابق على الوصف، والذات مقدمة على النعت. إن من يبدأ من الصفة، يريد أن ينتج فنا إسلاميا أو أدبا ملتزما، قبل أن يتقن الفن والأدب في ذاتهما، كمن يبني القصر من سقفه، أو يطلب الثمرة من غير غرس ولا سقي.

الرسالة لا تعوض نقص الموهبة، ولا تسد خلل الصنعة. والقضية العادلة إذا حملت على نص ضعيف، أضرت بنفسها من حيث أريد نفعها؛ لأن رداءة الحامل تنعكس على المحمول، فيزهد الناس في الفكرة لسوء عرضها، لا لبطلانها. فما أكثر ما شوه القضايا العظيمة مريدون مخلصون، حسنت مقاصدهم وساءت صنائعهم.

وهنا يتبين وجه من الميزان قد يغفل عنه من ينشغل بتمجيد الموهبة والصنعة: أن التمكن من المعايير الجمالية، على ضرورته، ليس غاية في نفسه، بل وسيلة لتبليغ المضمون؛ فإذا انقلب غاية تطلب لذاتها، ابتلع المضمون وأضاع الرسالة: “لا خير في أدب ينعت إسلاميا إن جرى في مضمار السباق مع الآداب الإنسانية، يلهب الأحاسيس بالتشبيهات البارعة والمبالغات الفنية، والزخارف اللفظية، والنصاعات البيانية، ثم لا تجد له مضمونا إلا خيالا دغدغ وصورا حومت لحظة في المخيلة ثم احترقت كما يحترق الفراش الهائم. لا خير في أدب يجول في عرصة الدنيا وعرسها يداعب أهواء الناس وتداعبه، يثير مشاعر الناس وتثيره، يؤجج مشاعر الناس وتؤججه غافلا مغفلا عن المآل، عاجزا مثبطا لعزمات الرجال”[3]

 فالميزان إذن ذو كفتين: كفة الموهبة والإتقان، وكفة المضمون الصادق وروح الرسالة؛ يختل الفن بنقص أيهما. فمن أتقن الصنعة وأخلاها من المعنى، صنع زخرفا بديعا فارغا؛ ومن حمل المعنى بصنعة عاجزة، أساء إلى المعنى من حيث أراد خدمته. والكمال في اجتماعهما: أن تحمل الموهبة المتمكنة مضمونا صادقا، فتكون الجمالية جناحا للرسالة لا قفصا لها.

فليكن همنا الأول أن نحسن صنعة الفن، ونتقن أداة الأدب، مع صدق في المضمون وروح في الرسالة؛ حتى إذا استوى العمل على سوقه فنا حقيقيا حاملا لمعناه، جاءت الصفة تاجا على رأسه، لا عكازا يسند عرجه.

ثالثا: الرسالية تكون بالإبداع لا بالتنظير

وإذا تقرر هذا، فليعلم أن الفن الرسالي إنما يكون رساليا باعتبار الإبداع، لا باعتبار التنظير والتفكير والاعتقاد. فالعمل لا يصير رساليا لأن صاحبه يعتقد الرسالة وينظر لها ويحسن الكلام عنها، بل لأنه هو، في ذاته، بجماله وأثره، يحمل معنى الرسالة ويبلغه إلى القلوب في ثوب من الجمال.

كم من منظر بارع في شرح النظرية الجمالية للفكرة التي يؤمن بها، عاجز عن أن ينتج بيتا واحدا يحرك وجدانا، أو لوحة تأسر نظرا. والعكس أصدق: كم من مبدع لم يكتب في فلسفة الالتزام حرفا، لكن عمله ينضح بالمعنى الرفيع نضحا، ويحمل الرسالة حمل الغصن للثمر، لا حمل اليد للافتة. فالعبرة بما اختزن في العمل من روح، لا بما قيل حوله من كلام. الرسالة تعاش في النص ولا تلصق به، وتسري فيه سريان الماء في العود، لا تعلق عليه تعليق الشعار على الجدار.

ومن هنا كان تبليغ الفكرة بأعذب الأساليب وألطفها شرطا في نفاذها إلى القلوب. فإن الفكرة الحقة إذا قدمت في قالب فج مباشر، خشن العبارة، صارت وعظا مكشوفا يثقل على السامع ويستثير نفوره، وضاع جمالها في جفاء الأداء. أما إذا سرت في العمل سريانا خفيا، تحملها الصورة الموحية والعبارة الرقيقة والإيقاع العذب، أدت وظيفتها في سلاسة وعفوية، فتسللت إلى النفس من حيث لا تشعر، ورسخت فيها من غير قسر ولا إملال. فالفن الرسالي البارع هو الذي يخفي رسالته في جمال أدائه، فيتلقاها المتلقي متعة قبل أن يتلقاها موعظة، فتعمل فيه عمل الدواء المحبب لا الدواء المر. وذلك هو الفرق بين من يصرح بالفكرة تصريحا يستفز، ومن يوحي بها إيحاء يستهوي؛ والإيحاء أبلغ في التأثير وأبقى في النفس.

رابعا: ميزان التقييم، حمل الفكرة لا الانتماء إليها

ويترتب على ذلك قاعدة في التقويم والحكم: لا يقيم الإبداع الفني أو الثقافي باعتبار الانتماء إلى المشروع أو الفكرة، بل باعتبار حمله للفكرة وخدمته لمعناها. فليست العبرة بأن يكون المبدع منا في الراية، بل بأن يكون عمله خادما للمعنى الذي ننشده، مبلغا له، مجملا لصورته في النفوس.

وهذا مقياس ينصف ويعدل؛ لأنه يزن الأعمال بما فيها، لا بأصحابها؛ وبما تثمره في القلوب، لا بالبطاقة التي يحملها كاتبها. وكم في هذا من تحرير للنظر من عصبية ضيقة تحجب عن رؤية الحق حيثما كان، والجمال حيثما وجد. فالحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها؛ والجمال الصادق الحامل لمعنى نبيل من الحكمة التي لا يزهد فيها لأجل قائلها.

خامسا: لا يشترط في حامل الرسالة أن يكون من أبناء تنظيمها

ومن أدق ما في هذا الباب، وأحوجه إلى بيان: أنه لا يشترط، بل لا يعقل، أن يحمل الرسالة والفكرة والقضية أبناء تنظيماتها وحدهم، خصوصا فيما تشترط فيه الموهبة للحامل. ذلك أن الموهبة عطاء إلهي لا يوزع حسب الانتماءات، ولا يستأذن في هبوطه أصحاب الرايات والمشاريع. فقد يؤتي الله ملكة البيان أو ريشة التصوير أو حاسة النغم من هو خارج الأسوار، ويحرمها كثيرا ممن هم داخلها.

وكذلك لا يشترط في شمولية المشروع أو الفكرة أن يوجد من داخل تنظيماته حملة لكل أبعاده الفنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية. فالمشروع الشامل يخاطب الحياة كلها، والحياة أوسع من أن يحيط بأطرافها جماعة بعينها. فمن طلب أن يكون في تنظيمه خبير الاقتصاد وفنان الريشة وشاعر القصيدة وعالم الاجتماع وكل ذي اختصاص، فقد كلف نفسه ما لا تطيق، وضيق واسعا، وأراد أن يحبس في تنظيمه أوحزبه ما جعله الله منثورا في الناس.

وإذا تقرر أن الموهبة موزعة في الناس لا محتكرة لهذا التنظيم أو ذاك التيار، تبين أن الدور الأصيل لأبناء أي مشروع ليس هو احتكار الإبداع، بل بث روح مشروعهم ورسالتهم وقيمهم في محيطهم وشبكة علاقاتهم، حتى يقنع بها طبقة المبدعين والفنانين والأدباء من مختلف المشارب. فإذا آمن هؤلاء المبدعون بالقيمة، واستوعبوا روح الرسالة، حملوها في أعمالهم عفوا وطبعا من غير تكلف؛ حينئذ تنطق اللوحة وتبوح القصيدة وتترنم الأغنية وتحكي الرواية تلك الروح وهاتيك المعاني من غير أن يكون مبدعوها منتسبين إلى أي تنظيم أو حاملين لراية تيار معين: “ولعل الله تعالى يقيض مجاهدين ومجاهدات في ميادين الكلمة والصورة واللون والتركيب والإخراج والتمثيل يلهمهم تحميل الأدب رسالة الإسلام والإيمان والإحسان، بجمالية تشف عن المقصود لا تحجبه، تنم بتلطف عما وراء الكلمة والصورة والصوت وما تحتهن، تجلو الحقيقة وتزفها للناس في حلل بهية”[4].

فمهمة أبناء المشروع أن يصنعوا المناخ، ويوقدوا القناعة، ويغرسوا القيمة في وجدان أهل الموهبة؛ ثم تتكفل مواهب هؤلاء وتكون سندا قويا وداعما معتبرا للفنانين من أبناء المشروع في بث تلك القيمة في الناس بأدواتهم الفنية وأساليبهم الإبداعية.

فالتأثير المطلوب يكون بإقناع المبدع بالمعنى حتى يصير المعنى جزءا من رؤيته، إذ الفنّ الأصيل ثمرةُ قناعةٍ ذاتية، لا يُثمر إلا إذا نبع من وجدان صاحبه.

سادسا: انتشار الفكرة بحملتها من خارج الأسوار

حقيقة لطيفة في سنن انتشار الأفكار تتجلى في أن بعض جوانب الرسالة تنجح وتنتشر إذا وجدت لها حملة من خارج أسوار تنظيماتها، خصوصا فيما يشترط فيه الموهبة والإبداع والتفرد. فإن الفكرة ما دامت حبيسة أهلها، دائرة في فلك المنتمين إليها، بقيت محدودة الأثر، مقصورة الصدى. فإذا تلقفها مبدعون من خارجها، فحملوها بمواهبهم، وبثوها في الناس بأدواتهم، اتسع مداها، بل إن حمل الغريب للفكرة أبلغ في التأثير أحيانا؛ لأنه يحملها بقناعة طرية جاءته من نظر حر مستأنف، ويخاطب بها فئات لا تصلها لغة المنتمين. وليس في هذا غض من قناعة المنتمي، وإنما هو بيان أن الفكرة إذا خرجت من أسوارها وجدت من يحملها إلى من يصعب على المنتمين الوصول إليهم، خاصة أن العامة قد تحجبها الدعاية المغرضة عن سماع الرسائل المباشرة من أبناء التنظيمات. وفي التوجيه النبوي إشارة قوية إلى هذا الملحظ حيث قال ﷺ : «نضر اللهُ امرءًا سمِعَ مِنَّا شيئًا، فبلَّغَه كما سَمِعَه، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى من سامِعٍ»[5] وقال أيضا : « فربَّ حامِلِ فِقهٍ ليس بفَقيهٍ، ورُبَّ حامِلِ فقهٍ إلى مَن هو أفقَهُ مِنه».

 والفكرة الحية كالبذرة الطيبة، تطير بها الريح فتنبت في أرض لم يغرسها أهلها؛ وما أكثر الغراس الذي أثمر في غير أرض صاحبه.

وههنا فكرة دقيقة ينبغي تحريرها حتى لا يلتبس المقصود: فإن هؤلاء المبدعين من خارج الأسوار ليس يشترط فيهم أن يقتنعوا بكل أفكار التنظيم ومواقفه، ولا سيما مواقفه السياسية الخاصة وتفاصيل رؤاه التنظيمية؛ فتلك دائرة أضيق من دائرة القيم. وإنما يكفي أن يلتقوا معه على القيم الأخلاقية والإنسانية المشتركة: من صدق، ورحمة، وعدل، وطهر، ونصرة للمظلوم، وحب للخير، وتعظيم للمقدسات. فهذه قيم جامعة يتسع لها المبدعون على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، ويعبرون عنها في أعمالهم من غير أن يحملهم ذلك على تبني أطروحة سياسية بعينها. فمن ضيق دائرة اللقاء حتى جعلها الاتفاق في كل شيء، حرم نفسه من طاقات واسعة كان يكفي أن يلتقي معها على المشترك الأخلاقي؛ ومن وسعها حتى جعلها القيم الجامعة، وجد أنصارا لرسالته حيث لا يظن.

سابعا: مقتل الفكرة حين يتولاها غير أهلها

وقبل بيان الآفة، لا بد من دفع وهم قد يتسلل إلى الأذهان: أن يظن ظان أن ما تقدم يقصي التنظيمات عن الحقل الفني، أو يوجب أن يكون كل من يتولى فيه أمرا فنانا أو أديبا أو مبدعا. وليس الأمر كذلك؛ فإن في العمل الفني نوعين من المهام يجب التمييز بينهما. مهام إبداعية في صميم الصنعة، ككتابة النص، ونظم القصيد، ورسم اللوحة، وتلحين الأغنية، وإخراج العمل؛ وهذه تشترط الموهبة والأهلية الفنية، ولا يصح أن يتصدر لها غير أهلها. ومهام تدبيرية واحتضانية تحيط بالعمل الفني وتخدمه، كرصد الكفاءات وتأطيرها، وتشجيع المواهب ورعايتها، وتمويل الإنتاج والتخطيط له، والتنسيق وفتح المنابر والمنافذ.

وهذا النوع الثاني هو الدور الأصيل المشروع للتنظيمات، بل هو من أنبل ما تنهض به؛ إذ ليس المطلوب من المدبر أن يكون هو المبدع، بل أن يعرف قيمة الإبداع فيحتضنه، وأن يحسن رعاية الموهبة فيمكن لها، وأن يهيئ لها الأسباب التي تثمر بها. فقد يكون المدبر البارع غير موهوب في الصنعة، لكنه يعرف الموهوب ويقدره ويفسح له، فيسدي إلى الفن أعظم مما يسديه كثير من أهله. فالتنظيم الذي يجمع الطاقات المبثوثة، ويؤطرها، ويشجعها، ويفتح لها أبواب النشر والوصول، إنما يؤدي دوره الطبيعي الذي لا يقوم الحقل الفني بدونه؛ ولا يشترط في القائم على هذا التدبير أن يكون مبدعا، بل يشترط فيه حسن السياسة ومعرفة مواقع الكفاءات.

فإذا تبين هذا، انكشفت الآفة على وجهها: أنه يقتل الرسالة والفكرة والقضية إذا أقحم في صميم اختصاصاتها الإبداعية من ليس من أهلها، وأوصي عليها من داخل التنظيمات من لا يفقهها. كأن ينصب على الصنعة الفنية نفسها من ليس بفنان، وعلى كتابة الأدب من ليس بأديب، فيزاحم أهل الموهبة في موضع موهبتهم، لا في تدبير شأنهم؛ لا لشيء إلا لأنه من الداخل، موثوق في انتمائه وإن لم يكن مؤهلا في صنعته. فالخلل ليس في أن يدبر غير الفنان، بل في أن يبدع غير الفنان ويصدر عن غير أهلية.

خاتمة

هذه الأصول مجتمعة تردنا إلى حقيقة واحدة جامعة: أن الجمال والإتقان والموهبة سنن إلهية مبثوثة في الخلق، لا تحابي انتماء ولا تحتكر لراية؛ وأن خدمة الحق تبدأ من احترام هذه السنن لا من تجاوزها. فإذا أردنا لقضايانا أن تحيا وتنتشر، فلنفتح لها القلوب والمواهب حيثما كانت، ولنسند كل أمر إلى أهله، ولنوجد الجمال أولا ثم نسمه بما شئنا من الأسماء.

فإن الفكرة الحقة لا يخدمها إلا الجميل من القول، والمتقن من العمل، والصادق من التجربة؛ فلا يكفي الإتقان وحده ما لم يحمل مضمونا صادقا، ولا يكفي صدق المضمون ما لم يحسن الإتقان. وما اجتمعت الركيزتان في عمل إلا حيي وأثمر وبلغ.


[1]  عزت السيد أحمد، وظيفة الفن، الطبعة 2، ص 76.

[2]  القاضي علي الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، ص 64.

[3]  عبد السلام ياسين، المنظومة الوعظية، الطبعة 1، ص 9.

[4]  عبد السلام ياسين، المنظومة الوعظية، الطبعة 1، ص 29.

[5]  أخرجه الترمذي (2657)، وابن ماجه (232)، وأحمد (4157)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق