إسبانيا الأرو-إفريقية: أو حين تصبح الجغرافيا إسبانية بمقاس سيادي إستعماري(رشيد حجيرة)
1
تصرّ إسبانيا ،بكل أطيافها، على تقديم سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين إسبانيتين، وكأن رفع العلم فوق أرضٍ مغربية يكفي لتغيير جنس الأرض وهويتها. لكن الجغرافيا لا تخضع للأعلام، والتاريخ لا يُعاد رسمه ببيانات السيادة: سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان، قائمتان على أراضٍ مغربية في أقصى شمال المغرب، وما تملكه إسبانيا فيهما هو واقع احتلالي موروث عن زمن استعماري.
فرفعُ العلم الإسباني فوق سبتة ومليلية لا يحوّل التراب المغربي إلى أرضٍ إسبانية، كما أن طول الاحتلال لا يرقّيه إلى مرتبة الملكية. فالتاريخ قد يطيل عمرَ الأمر الواقع، لكنه لا يغيّر جغرافية الأرض ولا يمحو حقيقة انتمائها. أما «صكّ الملكية» الذي يبدو أن إسبانيا تبحث عنه في خرائطها، فلن تجده في الجغرافيا؛ لأن الخرائط لا تمنح ما ليس لها، والاحتلال، مهما طال، لا يتحوّل بالتقادم إلى سند ملكية.
والسخرية أن مدريد تريد أن تقنع العالم بأن المدينتين أوروبيتان لمجرد أنهما خاضعتان لإدارتها؛ أي أن يصبح الاحتلال وسيلةً لتغيير القارة! وبمنطق كهذا، يكفي أن تحتل دولةٌ أرضًا إفريقية عقودًا طويلة حتى تستيقظ الأرض ذات صباح وقد غيّرت هويتها وأصبحت أوروبية.
2
إن سبتة ومليلية لا تسبحان في البحر حتى تُلحقهما إسبانيا بأوروبا؛ إنهما جزء من التراب المغربي، وموقعهما الإفريقي حقيقة جغرافية لا تحتاج إلى اعتراف مدريد. ولذلك، فإذا كانت إسبانيا شديدة التمسك بفكرة أن وجودها في المدينتين يجعلهما إسبانيتين، فالأجدر بها أن تطبق المنطق نفسه على الجغرافيا كلها، وأن تتقدم بطلب عضوية في الاتحاد الإفريقي، باعتبارها دولةً أورو-أفريقية تحتفظ بمدينتين مغربيتين فوق التراب الإفريقي!
المفارقة أن المستعمر حين يطالبه التاريخ بالرحيل، يغيّر قاموسه: لا يقول «احتلال»، بل «سيادة»؛ ولا يقول «أرض مغربية»، بل «مدن إسبانية»؛ ولا يتحدث عن الماضي الاستعماري، بل عن «حقيقة» يريد فرضها بالتكرار. لكن الحقيقة أبسط من كل هذا التزييف: سبتة ومليلية مغربيتان، ومغربيتُهما لا يمحوها طول الاحتلال، ولا يغيّرها علمٌ أجنبي، ولا يعيد رسمها خطابٌ رسمي مهما بلغ من التبجح.



