غير مصنف

النظرية البيئية الإسلامية: الأسس المنهجية والمعرفية(جمال الدين ناسك)

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على النبي الكريم وبعد..

فإن من المبادئ التي رست عليها الرؤية المعرفية الغربية ذات الطابع المركزي هو ارتكازها على مفهوم”السيطرة” و”الاستغلال الأمثل” للطبيعة، وقد كان من نواتجها أن فكرة استقرار “الحياة” ظلت دائما مقرونة بفكرة “التفوق على الآخر” وعلى “الطبيعة”، وثقافة الغرب رغم ادعائها الدفاع عن قيم “الحياة”، فإنها بفعل دافعية “السيطرة” تنشر الموت ماديا ومعنويا في كل الأرجاء، من خلال خدمة كل السياسات لجنون الربح الزائف والاستهلاك وتحويل كل الفضاءات إلى “أسواق” على حساب البيئة والطبيعة وعلى حساب”الإنسان” ذاته.

في النظرية البيئية ذات الطابع الأخلاقي نجد أن عمل المؤسسات وحده لا يكفي، فإن هناك حاجة إلى إسهام الفرد/المواطن خارج نطاقها، إذ إن للفرد دورا اجتماعيا مستقلا عن المؤسسات لا غنى عنه، وفشل أو نجاح سياسات الحفاظ على البيئة على سبيل المثال يعتمد على تعاون المواطنين.

في هذا الكتاب الذي نسعد بتقديمه ضمن منشورات مركز ابن غازي يؤكد لنا الدكتور جمال الدين ناسك  من خلال جهد معرفي متراص ومبني وفق منهجية علمية متماسكة كيف تتوقف الصحة بعامة؛ صحة الإنسان وصحة العالم، في تصالح النوع الإنساني  مع الطبيعة (مجال الحياة)، وتصالحه مع المطلق خالق الطبيعة (واهب الحياة)، وتجاوز البرنامج الانتحاري للحداثة الذي يرفع شعار: لنكن سادة الطبيعة ومُلاَّكها. لأن الرؤية المعرفية الإسلامية ترفض فكرة صراع الإنسان مع الطبيعة في محاولة لقهرها، فهما معا الإنسان والطبيعة مخلوقان مشتركان في الخضوع للنواميس التي يعبر عنها القرآن بالتسبيح لقوله تعالى:”تسبح له السماوات السبع ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لاتفقهون تسبيحهم، إنه كان حليما غفورا”(الإسراء:44).

فالمفاهيم في “النظرية البيئية الإسلامية” كما يخبرنا الباحث تنتظم في منظومة مفاهيمية متعاضدة ومتكاملة، تستمد هويتها المعرفية واختصاصها النظري من المفردة القرآنية بدلالاتها الواسعة والعميقة، بما به تشكل حقلا مفاهيميا بيئيا ثرا يعبر بدقة عن عمق وسعة الرؤية القرآنية لموضوع البيئة وقضاياه.

لقد تمكن الدكتور جمال ناسك من خلال برنامج تحليلي استقرأ فيه خصائص الرؤية الإسلامية(المعيارية، التكاملية، الاشتقاق والابداع، القيمية) لموضوع البيئة في انفتاح على الجهد الغربي في الميدان نفسه، أن يقدم خلاصات غاية في الدقة والإحاطة بما يمكن تسميته تأطيرا ابستمولوجيا للموضوع يمد القارئ بأدوات الفهم لموضوع يدخل في جملة المشترك الإنساني الذي ينادينا لحمايته كل من موقعه، كما ينادي فينا الضمير الأخلاقي من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المحيط البيئي الذي يضمن لنا العيش بأمان.

لقد نجح نقد الدكتور جمال ناسك في نزع القناع عن سوء تصرف الإنسان الغربي في تدخله المباشر وغير المباشر في قضايا العالم المشتركة، فكشف عن مجرمي البيئة ، كما نجح في نسبة كل المشاكل المحيطة بالأرض والإنسان والبيئة والعلاقات الدولية إلى شراهة الدول الغنية وبطشها وعتوها في تعاملها سواء مع الطبيعة أو مع الإنسان. وهو بذلك يراهن على كشف الغطرسة الغربية والنفاق الأوربي الذي لطالما حجب حقيقة المسؤولية عن الجرائم في عالم اليوم.

في الختام نرجو العلي القدير أن يجازي خيرا الدكتور جمال الدين ناسك على جهده المميَّز، وأن يجعل هذا العمل في ميزان حسناته، وأن يكون له ما بعده..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق