المقالات

الفلسفة بنت العلوم وليست أمها(أبو يعرب المرزوقي)

هذه محاولة تبدو من جنس خالف تعرف. لكنها في الحقيقة محاولة لتخليص الفكر من الخرافات التي جعلت تدريس الفلسفة مادة مستقلة عن مجالات قولها المباشرة وغير المباشرة من جنس الممارسة العامية للسياسة بدعوى الفكر النقدي والتنويري والتقدمي والحداثي وكل التخريف المعهود.ويمكن تلخيص كل هذه الخرافات في عبارة “الفلسفة أم العلوم” التي كانت ولم تبق بحجة سخيفة مفادها ان العلوم استقلت عنها بالتدريج بمعنى أن العلوم صارت أبناء متنكرين لأمهم واستحوذت على الفكر لأن العلوم العاصية صارت لا تفكر بل تحولت إلى تقنية (هيدجر).ومثل هذه الرؤية يمكن تصديق قسمها الثاني حيث توجد علوم صار بعدها التقني أهم ثمراتها لكن في مجتمعات ليس فيها لا العلوم ولا ثمراتها التقنية يكون الكلام من العبث الأحمق .فمن ينقد المعدوم ليس لعدمه وليس للتحذير من طغيانه احمق حتمافهو يتخيل أنه في عصر من لهم ما ينقده وهو غير عصره . وهو لا يدري أنه بذلك يبقى تابعا دائما لمن يستعبده بما يحاول تحرير مجتمعه من الافراط وهو يريد استعباده بالتفريط فيجمع بين العيبين عيب عدم العلم وثمراته وعيب وجود الجهل وثمراته وأهمها خضوعه لصاحب العلم وثمراته.وبذلك فإنه لم يبق للفلسفة في ربوعنا إلا الثرثرة الإيديولوجية بدعوى النقد والتنوير وخاصة المابعد حداثيات التي تزعم ان الفنون والآداب والنقد الثقافي والسياسي هما مجال الكلام الفسلفي أي حصرها في كل ما يعتبر مما لم يصبح بعد قابلا للصوغ العلمي وكأنه مجال المثلجة اللامنظبطة,فتكثر الفنون الرعوانية التي من جنس رد الأدب وخاصة ذروتيه أي القص الشعري والقص الروائي المبدعين للمثلجة المتعلقة بالمقدرات الذهنية العملية والجنيسة للمقدرات الذهنية النظرية أي للمنطق والرياضيات يمكن أن تكون مجرد حديث في أحوال نفس المتشاعرين والمراوين.ولما كان نوعا التقدير المبدع للمثاليات العملية والنظرية يردان إلى “ابداع” ممكن العوالم بأدواته التي لا تكون إلا علمية فإن الجاهل بعالم الشهادة لا يمكنه إبداع شيء عدى رؤية مشوهة لهذا العالم الذي لا يرد إلى ما نعلم منه بل هو في تناسب مع علومه الفعلية المتعلق ببعده الطبيعي وببعده الإنساني وبتفاعلهما في الاتجاهين.ولهذه العلة اريد أن أبط هذا الدمل الذي قتل فعل الفكر الفلسفي في حقبتنا الحالية كما فعل في المرة الأولى حتى إن من كان فكرهم مثمرا ليسا من تبنوها بل من تجاوزوها إما بالاهتمام بعلوم اليونان وتطبيقاتها الفلكية والطبيعية والإنسانية أو بنقد فلسفتهم وهم من يهملهم تدريس الفلسفة اللاهث وراء الموضة في مجلات التقريب الجمهوري.فيترتب على الجمع بين نوعي التقدير الذهني النظري والعملي أي أداتي علوم الطبيعة وعلوم الإنسان أن العلوم الإنسانية خمسة أنواع المقدرات وتطبيقاتها وأصل الكل:

1-اثنان هما نوعا التقدير الذهني النظري مثل الرياضيات والعملي مثل الاخلاقيات فتكون هذه للإنسانيات مثل تلك للطبيعيات. وهما نوعا النظر إلى عالم الشهادة الذي يحيط بالانسان في حدود ما يدركه منهما.

2-اثنان عما هما نوعها تطبيقهما على الطبيعة على الإنسان وهما العلم الفعي لأن الاولين يشبهان الميثولوجيا المنضبطة بالمنطق حول متغيرات خالية من المضمون العيني.

3-وأصلها جميعا أي ابداع العوالم الممكنة بالقياس إلى العالم الشاهد وبصورة أدق إلى ما ندركه منه: وهو يعتبر أصلا رغم كونه بعديا لأن بعديته هي دائما ما يصبح قبليا للمراحل الموالية في تاريخ العلم:

1-فهو بعدي لما تقدم منه من الحقب

2-وقبلي لما تلاها من الحقب المواليةحتى يتم تجاوزه لما يصبح غير كاف للحفاظ على تناسق الرؤية أو البارادائم المعرفي والقيمي. وبهذا المعنى دون سواه يمكن اعتبار الفلسفة بنت العلوم لانها بعدية حتى لما تصبح قبلية لأنها بعد ما تقدم عليها من العلوم وهي تصوغ رؤية جامعة لها فتكون بهذا المعنى وكأنها قبلية لما يليها من العلوم التي تتغير لما تعجز عن تفسير ما يتولد عن العلوم في جيلها الجديد. وهكذا بلا حد. والغالب على هذه الرؤية البعدية التي تصبح قبلية أنها في الحقيقة ناتجة عن صدارة احد العلوم الذي يعتبر شرطا في ما عداه من العلوم إما لكونها أداة قولها أو لأنه مقوم مقولها. ففي نظرية أرسطو الميتافيزيقية كانت علم الطبيعة وعلم المنطق هو الأصل لأن الأول يحدد المضمون والثاني يحدد الشكل لما كانت اللغة الطبيعية هي لغة العلوم.وفي العصر الحديث بقي المضمون طبيعيا لكن الشكل صار رياضيا لأن اللغة الطبيعية لم تعد قادرة عن قول المعادلات العالية في قوانين الطبيعة ولا يزال الأمر على ما هو عليه مع نوع من تنسيب أسس القوانين دون تنسيب لغة قولها الرياضي الذي صار هو بدوره غير بعيد عن آليات المجار في اللغة الطبيعية مطبقا على صوغها الصوري.ومن هنا جاء وهم ما بعد الحداثيين, لم يفهموا التحول الذي حدث في رؤية قوانين الطبيعة التي لم تعد خاضعة لمفهوم السببية البدائي الذي نقده الغزالي وحاول ترميمه كنط بعد نقد هيوم الذي أيقظه من خفلته لكنها مع ذلك لا يمكن أن تتحرر من لغة العلم الرياضية التي هي بدورها صارت مرنة إذ يبدو أنها قد حصل فيها ما حصل في تحول وتجنشتاين من الوضعية المنطقية-في التراكتاتوس- إلى الألعاب اللسانية في كراريسه من أواخر أعماله وعلى هذا الأساس بينت بدائية الرؤية الجابرية لتطور الفكر في الحضارة العربية اذ قلبت سلمه الثلاثي واعتبرت البياني أرقى من البرهاني ومن العرفاني. والنتيجة التي أريد بيانها والتي هي علة هذه المحاولة هي أن تدريس الفلسفة ينبغي أن يكون على ضربين حتى يتحرر من التوظيف الإيديولوجي الأحمق فيكون مجرد رماية في عماية من جنس فيض الخاطر:

1-أحدهما يكون مجال انطباقه الشكلي من المقدرات الذهنية النظرية والمضموني من الواقعات الطبيعية ومن ثم فدون حصره في دارسي الطبيعيات لابد من التسليم بأنه لا يمكن تعليمها للمختصين في الإنسانيات قبل التمهيد لها بالحد الأدنى من شروط الطبيعيات أي المقدرات الذهنية النظرية.

2-الثاني يكون مجال انطباقه الإنسانيات الشكلي من المقدرات الذهنية العملية والمضموني من الواقعات التاريخية أو الانسانية ومن ثم فدون حصره في دارسي الإنسانيات لا بد من التسليم بأنه لا يمكن تعليمه في الطبيعات قبل تضمنها حدا أدنى من شروط الانسانيات أي المقدرات الذهنية العملية.والعلة بينة ففي البداية كانت الإنسانيات تريد أن تصبح علوما بانتهاج المنهج التحليلي في الطبيعيات باداة الصوغ الرياضي والكمي. لكن تقدم علوم الطبيعة وتجاوز السببية الغفلة أدى إلى أن الطبيعيات هي بدورها غير بريئة من المنهج التاويلي.إذا فهمنا هذا التحول في الممارسة العلمية سواء كانت في الطبيعيات أو في الإنسانيات وفهمنا معنى علاقة التقدير الذهني بالوجود العيني سواء كان نظريا أو عمليا أمكن أن نتجاوز خرافة الفلسفة التي تسبح في الإيديولوجيات الرعوانية التي لا تتجاوز أحوال النفس والتعبير عن مواقف قضوية لا تستند إلى علم بمضمون القضايا: وهذا هو الوجه الفاسد من الأدب والسياسة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق