إلى الأحرار العقلاء في هذه الأمة(ميمون نكاز)
قال أبو حامد رحمه الله تعالى في معرض انتصابه لمواجهة التحدي العقائدي الوافد الدخيل على الأمة:
” لا أنتهض ذابا عن مذهب مخصوص، بل أجعل جميع الفرق إلبا واحدا عليهم(يقصد جميع فرق الكلام)، فإن سائر الفرق ربما خالفونا في التفاصيل، وهؤلاء (يقصد الفلاسفة الإغريقيين)يتعرضون لأصول الدين، فلنتظاهر عليهم، فعند الشدائد تذهب الأحقاد”.[تهافت الفلاسفة]…
على سنن هذا النظر “الفسيح” “الحكيم” أتحسس المواقف الكلية والعملية المطلوبة في سياق التحديات والابتلاءات الوجودية التي تواجهها “الأمة” بتراكيبها العقائدية والمذهبية والسياسية والطائفية المختلفة، الواردة عليها من خصومها الوجوديين الذين يستهدفون وجودها “هوية” و”ماهية”، إما بدوافع “إرادة الرد عن الدين” أو بجوالب “إرادة الانتهاب الاقتصادي”، وإن كنت أعتقد أن “الرد عن الدين” نقضا لسلطانه في قيادة الأمة، وتضييقا لآفاقه في الحياة العامة، أوتحريفا لقيمه وأحكامه بالتأويلات المبطلة لحقائقه هو المقدمة التمهيدية للهيمنة والاستحواذ والسيطرة…
هذا “التجاوز” و”التغاضي” عن “الرؤى والمذهبيات والطائفيات الضيقة” في “زحمة واجب الوقت الأكبر” من لوازن “حق التقوى” المشار إليه في سياق آيات التحذير من “الكيد اليهودي” في سورة آل عمران:{قُلۡ یَـٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِیدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ، قُلۡ یَـٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجا وَأَنتُمۡ شُهَدَاۤءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ، یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن تُطِیعُوا۟ فَرِیقا مِّنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ یَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِیمَـٰنِكُمۡ كَـٰفِرِینَ، وَكَیۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَیۡكُمۡ ءَایَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِیكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن یَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِیَ إِلَىٰ صِرَ ٰط مُّسۡتَقِیم، یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ، وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ وَٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَاۤء فَأَلَّفَ بَیۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦۤ إِخۡوَ ٰنا، وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَة مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَ ٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَایَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ، وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّة یَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَیۡرِ وَیَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُو۟لَائكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ، وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخۡتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَهُمُ ٱلۡبَیِّنَـٰتُۚ وَأُو۟لَائكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیم}[آل عمران ٩٨-١٠٥]… فقد عُلِمَ سببُ نزول هذه الآيات، حيث استهدف “الكيد اليهودي” ممثلا في “خطة شاس بن قيس” القاصدة إلى”تفكيك الاجتماع الإسلامي في المدينة” عبر “التذكير بالأحقاد” و”إحياء النعرات” و”تحفيز الولاءات الضيقة”، ذلك لاستيقانه أن لا سلطان لهم ولا قرار مع “وحدة الأمة” و”اجتماع كلمة المسلمين”، فقد روى ابن هشام في السيرة النبوية عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: (مر شاس بن قيس -وكان شيخا (يهوديا) قد بقي على جاهليته، عظيم الكفر، شديد الضغن (الحقد) على المسلمين شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم، وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة -الأوس والخزرج- بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شابا معه من يهود، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا قالوا فيه من الأشعار .. وكان يوم بعاث قبل الهجرة بثلاث سنين يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين: أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فقال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة (حربا)، وغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، السلاح السلاح .. موعدكم الحرة (مكان في المدينة)، فخرجوا إليها، وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال: (يا معشر المسلمين! الله، الله .. أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم، بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا ؟!). فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم لهم، فألقوا السلاح، وبكوا، وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عز وجل عنهم كيد عدو الله شاس، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس وما صنع قوله: {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون، قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون} (آل عمران٩٨-٩٩)، وأنزل في شأن أوس بن قيظي وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا قوله: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} (آل عمران١٠٠)، إلى قوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} (آل عمران:105)…
أقول: ما أمثل وقائع “الكيد الصهيوأمريكي” اليوم بواقعة “المكر الشاسي” في العهد النبوي، وما “أضل العقل السياسي العربي” اليوم عن تلك “المحاذير القرآنية” وما أغفله وأشرده عن “التكليف الاستثنائي” في أمثال هذه “الظروف الاستثنائية”حيث يتشخص “التحدي الاستثنائي”:{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله “جميعا” ولا تفرقوا} إلى منتهى التكليف، وقد سبق أن نقضنا في مقالة سابقة قول من زعم -من السلف والخلف- أن الآية منسوخة إذ توهم فيها “التكليف بما لايطاق”، والصواب أنها نص تكليفي ثابت دال على “وجوب استفراغ الوسع” وعلى ضرورة “بلوغ المنتهى” في “الحذر من كيد العدو” وتطلب “الذروة العملية في الاعتصام والاستجابة لتحديات الظرف والمرحلة” ….
في ذلك نداء في الأمة لجميع مكوناتها من أجل امتثال هذا التكليف القرآني، فهل من مدكر؟؟؟!!!



