المقالات

السلطوية الانتخابية:(عبد اللطيف العسلة)

مدخل

ليست كل انتخابات دليلاً على الديمقراطية، كما أن وجود صناديق الاقتراع لا يعني بالضرورة وجود إرادة شعبية حرة. ففي كثير من الأنظمة السياسية المعاصرة، تتحول الانتخابات إلى مجرد طقس شكلي يمنح الشرعية لسلطة قائمة أكثر مما يتيح التداول الحقيقي عليها. وهنا يظهر مفهوم “السلطوية الانتخابية”، باعتباره توصيفاً لأنظمة تسمح بوجود انتخابات، لكنها تعمل في العمق على التحكم في نتائجها ومساراتها عبر أدوات متعددة، أبرزها: التقطيع الانتخابي الموجّه، احتكار الإعلام الرسمي، غياب هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، وتغوّل وزارة الداخلية في تدبير العملية الانتخابية.

إن خطورة هذا النمط لا تكمن فقط في تزوير النتائج بشكل مباشر، بل في خلق بيئة انتخابية غير متكافئة تجعل المنافسة السياسية محسومة سلفاً لصالح السلطة أو القوى القريبة منها. وهكذا تصبح الانتخابات أداة لإعادة إنتاج الهيمنة بدل أن تكون وسيلة للتغيير.

التقطيع الانتخابي: هندسة سياسية للنتائج

يُفترض في التقطيع الانتخابي أن يكون إجراءً تقنياً يهدف إلى ضمان التمثيل العادل للسكان، غير أنه في الأنظمة ذات النزعة السلطوية يتحول إلى أداة سياسية دقيقة لتوجيه الخريطة الحزبية والبرلمانية.

فالسلطة التي تتحكم في رسم الدوائر الانتخابية تستطيع أن تضعف مناطق نفوذ المعارضة، وأن تشتت الكتل التصويتية غير المرغوب فيها، وأن تمنح أفضلية جغرافية وانتخابية للقوى الموالية. وهذا ما يعرف في الأدبيات السياسية بـ “الجيريمانديرينغ” (Gerrymandering)، أي التلاعب بالدوائر الانتخابية لخدمة أهداف سياسية محددة.

وقد لخّص السياسي الأمريكي إلبرجيري هذه الفكرة بشكل ساخر حين قال:

“من يرسم الدوائر الانتخابية يختار الفائزين قبل أن يصوت الناخبون.”

إن التقطيع الانتخابي غير المحايد لا يهدد فقط مبدأ المساواة بين المواطنين، بل يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها، لأن الناخب يصبح مشاركاً في لعبة صُممت نتائجها مسبقاً.

الإعلام الرسمي وصناعة الاختلال السياسي

لا يمكن الحديث عن انتخابات نزيهة في ظل إعلام عمومي منحاز أو محتكر من طرف السلطة. فالإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو فضاء لصناعة الرأي العام وتوجيه الوعي الجماعي.

حين تُحرم المعارضة ـ خصوصاً المعارضة السياسية غير المشاركة في العملية الانتخابية، من الولوج العادل إلى الإعلام الرسمي، تتحول الدولة من حكم بين المتنافسين إلى طرف سياسي في هندسة النسق السياسي وإدارة الاستحاق الانتخابي. وهنا يصبح الإعلام العمومي جهازاً لإنتاج الشرعية الرسمية وإعادة تدوير السلطوية القائمة، لا مؤسسة لخدمة التعددية السياسية والتدوال العادل على السلطة، مما يؤكد الصورة الهجينة للديمقراطية الشكلية بالأنظمة السلطوية.

وقد عبّر المفكر الفرنسي بيير بورديو عن هذه الهيمنة الرمزية بقوله:

”أخطر أشكال السيطرة هي تلك التي تجعل الناس يقبلون الواقع كما لو أنه طبيعي“.

فالهيمنة الإعلامية لا تعمل بالقمع المباشر فقط، بل عبر خلق صورة ذهنية تُظهر السلطة باعتبارها الخيار الوحيد الممكن، وأن المؤسسات الوسيطة ليست سوى وظائف لا تمتلك الإرادة السياسية لإدارة الدولة وتدبير شؤون المجتمع، وتُقدَّم المعارضة كصوت هامشي أو غير مسؤول.

وزارة الداخلية والحياد المستحيل

من أخطر مظاهر السلطوية الانتخابية أن تُوضع العملية الانتخابية برمتها تحت إشراف وزارة الداخلية، أي الجهاز التنفيذي المرتبط مباشرة بالسلطة السياسية القائمة. ففي هذه الحالة يصبح الخصم هو الحكم في الآن نفسه، وتكون الديمقراطية الشكلية نفسها أكثر انفضاحا وتشوها. فحين تغيب هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، تتآكل الثقة في النتائج حتى وإن لم يحدث تزوير مباشر.

لقد أصبحت أغلب الديمقراطيات الحديثة تتجه نحو إنشاء لجان أو هيئات مستقلة للإشراف على الانتخابات، لأن ضمان النزاهة لا يقتصر على سلامة الاقتراع، بل يشمل أيضاً الإحساس الجماعي بعدالة العملية السياسية واعتبار الإرادة الشعبية.

وفي هذا السياق يقول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي:

“الدعاية في الديمقراطيات الحديثة تقوم بالدور نفسه الذي كان يقوم به العنف في الأنظمة الشمولية.”

وهو قول يكشف كيف يمكن التحكم في المجال السياسي دون الحاجة إلى القمع التقليدي، فقط عبر التحكم في شروط اللعبة ذاتها فنكون أمام استبداد وقمع ناعم.

السلطوية الانتخابية: ديمقراطية الشكل واستبداد المضمون

لا تعتمد السلطوية المعاصرة دائماً على إلغاء الانتخابات أو منع التعددية الحزبية، بل تلجأ إلى شكل أكثر نعومة ودهاءً: الإبقاء على المؤسسات الديمقراطية شكلياً مع التحكم في وظائفها الحقيقية.

وهنا تصبح الانتخابات مجرد أداة لإضفاء الشرعية على السلطة القائمة، بينما تُفرَّغ مبادئ المنافسة الحرة والتداول السلمي من محتواها الفعلي. ولذلك يصف بعض الباحثين هذه الأنظمة بأنها “أنظمة هجينة”، تجمع بين مظاهر الديمقراطية وآليات التحكم السلطوي.

ويذهب الباحث السياسي خوان لينز إلى أن أخطر الأنظمة ليست تلك التي تمنع السياسة، بل تلك التي تسمح بها ضمن حدود مرسومة مسبقاً.

فالسلطوية الانتخابية لا تقول للمواطن: “لا تنتخب”، بل تقول له ضمنياً: “انتخب كما نشاء نحن.”

أزمة الثقة السياسية

حين يشعر المواطن أن نتائج الانتخابات تُصنع عبر التقطيع والإعلام والإدارة أكثر مما تُصنع عبر صناديق الاقتراع، تتراجع الثقة في السياسة برمتها. وهنا تظهر أخطر نتائج السلطوية الانتخابية: العزوف السياسي، فقدان الثقة في المؤسسات، واعتبار الانتخابات مجرد مسرحية متكررة.

إن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب أو صناديق الاقتراع فقط، بل بمدى تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين، وحياد الدولة، واستقلال المؤسسات المشرفة على الانتخابات.

ولهذا قال الفيلسوف مونتسكيو:

”كل من يملك السلطة يميل إلى إساءة استعمالها ما لم يجد حدوداً توقفه. “ وهو صاحب شعار: (السلطة تحد السلطة، في سياق فلسفة فصل السلط).

خاتمة

إن التقطيع الانتخابي الموجّه، واحتكار الإعلام العمومي، وغياب هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، وإخضاع العملية الانتخابية لوزارة الداخلية، ليست مجرد اختلالات تقنية معزولة، بل هي مكونات متكاملة لما يمكن تسميته بـ ” السلطوية الانتخابية “.

فالانتخابات تفقد معناها حين تتحول من فضاء للتنافس الحر إلى آلية لضبط المجال السياسي والتحكم في نتائجه مسبقاً، خاصة في الأنظمة السلطوية التي تتحكم في القرار السياسي والتوجهات الاستراتيجية للدولة، وتجعل من المؤسسات التمثيلية مجرد وظائف في غياب احترام فصل السلط . ومن هنا فإن أي انتقال ديمقراطي حقيقي لا يبدأ فقط بالسماح بالتصويت، بل بضمان حياد الدولة، وعدالة التمثيل، واستقلال المؤسسات، وحرية الإعلام، وتكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين، واحترام الإرادة الشعبية.

لأن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع… بل شروط عادلة لما قبل الصندوق وأثناءه وما بعده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق