المقالات

الترجمة والرقابة(إدريس مقبول)

بين منطق “الحاجة” الذي يدعو للانفتاح على الآخر، ومنطق “الخوف” الذي يستدعي الرقابة والاحتراز، عاشت الترجمة عبر تاريخها الطويل في منطقة وسيطة بينهما، تتنازعها رقابة المترجم على ذاته تارة ورقابة السلطة على أعماله تارة أخرى، وقد مارست كافة الأنساق الثقافية والأنظمة السياسية عبر التاريخ أشكالا من الرقابة على الترجمة بدون استثناء دفاعا عن “الثابت” أو عما سماه الفيلسوف الألماني إدوراد فون هارتمان رباعية (الذاكرة والإيمان والأخلاق والنظام) ، احترازا من سهم الترجمة الذي يَعبُر مخترقا الجدران الأربعة كما يقول ميشال بالاغ.

لقد كان هناك دائما موقف تمارسه “الذات” تارة  و “السلطة” و”المجتمع” تارة أخرى، إزاء “المحتوى” الجديد والمشاكس والمقلق الذي تحمله الترجمة وتسافر به من هنا إلى هناك محاولة اختراق الجدار السميك للموروث والسائد، موقف يطرح إشكالية حول إكراهات “الترجمة” وضغوطاتها كما تخبرنا كلارا فوز قبل أن تطال يد الرقابة “عمله” بالمصادرة والمنع مثلما وقع مع ترجمة رواية جورج أورويل (1984) إلى الروسية، فقد منع ستالين رواجها بسبب أنها تهديد للنظام وبحسب ما فهمه من سخريتها من زعامته ونقدها لنظامه الشمولي، ولم يُسمح بتداولها في الاتحاد السوفياتي إلا في سنة 1990م.

منطق الرقابة هو منطق مركب، لأنه في الوقت الذي يصرح فيه بالاستدلال بالحماية الأخلاقية أو السياسية أو الدينية أحيانا باعتبار “الترجمة” تتجاوز الحدود و تكسر “التابوهات” بحسب دوجلاس روبنسون، فإنه لا يعدم إيجاد الاستدلال اللازم في مواجهته “الحضارية” للترجمات التي يرى فيها “تهديدا  للإيمان” مثلما حصل مع المنع الذي طال الترجمة العربية لـ”شفرة دافنشي” لدان براون الذي تقدم به “المركز الكاثوليكي للإعلام” في بيروت، أو “يوميات آن فرانك” التي طال المنع ترجمتها العربية أيضا بسبب استهدافها للذاكرة والوعي وما تحمله من الدعاية لليهود والصهيونية وموضوع “الهولوكوست” بطريقة فنية.

         من زاوية أخرى موضوع الرقابة هو الوجه الآخر غير المباشر لعلاقة الترجمة بالإيديولوجيا الرسمية أو الخاصة للمترجم التي تدفعه للتصرف، لأن الإيديولوجيا سواء كانت أخلاقية أو سياسية أو قومية هي التي تملي نوع المراقبة “السلطوية” أو الذاتية”، ومن هنا يمكن أن نفهم على سبيل المثال كيف مارس شيخ المترجمين العرب عادل زعيتر في ترجمته لكتاب “حضارة العرب” رقابة على كتاب أستاذه غوستاف لوبون من خلال حذف عبارات وأوصاف رآها قدحية، وكيف مارس علي فهمي خشيم رقابة على ذاته فحذف مقاطع من ترجمته للجحش الذهبي عن الأصل الإنجليزي مراعاة لأخلاق وذوق القراء في البيئة العربية والإسلامية كما يقول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق