تقديم كتاب: شبكة التدبر: (إدريس مقبول)
الكلام في التدبر غير الكلام في التفسير، ذلك أن التدبر سياحة قلبية وعقلية معا للبحث عن المعاني التي تتصل بالمقاصد وبحاجات خاصة بكل إنسان مقبل متدبر يختار أن يجد جوابه النفسي والروحي في تضاعيف القرآن وفي طي آياته التي تتصل ببعضها كخيوط النور في شبكة لا يراها إلا الراشدون، أو كما قال ابن عربي في فتوحاته “أنظُر وتدبَّر ترشُد”.
تاريخ تلقي التفسير هو تاريخ من التحذيرات سدا لذريعة الانحراف في القراءة، لكن تاريخ التدبر هو تاريخ من الدعوة للتعرض لهدايات القرآن وأنواره بفتح اللواقط والحواس لتلقي إشعاعات القرآن الكريم. فتاريخ التدبر هو تاريخ انشراح الصدور واستنارة القلوب يحملها القرآن على كل خير وكل فضيلة.
غاية التفسير أن نعرف ونكشف غوامض النص، لكن غاية التدبر بما هي “تفكر” عميق وفعال هو تجاوز ظاهر النصوص إلى حقائقها على حد قول الأستاذ طه عبد الرحمن، حيث يرتبط العقل والعمل، مستنداً إلى الفطرة والروحانية.
التدبر أن نعمل وأن نعالج جراحات الروح في سيرنا إلى الله وفي سعي الإنسان لعمارة الأرض وفق قيم الوحي الكبرى، أن نترجم الوحي إلى سلوك تجتمع فيه مقاصد المعرفة بمقاصد التزكية بمقاصد السلوك والعمران، غاية التدبر تقوية العقل العملي وتكميل النفس وتحقيق مضمون الاستخلاف.
في كتاب شبكة التدبر أو الوحدة المقاصدية في القرآن الكريم، يعالج الدكتور إدريس التركاوي العالم الشاب والأديب الرقيق قضية على جانب كبير من الأهمية في حركة الفرد وحركة الأمة على حد سواء، وهي قضية العلاقة مع الوحي، وكيف تكون هذه العلاقة مثمرة وليست مجرد حفظ أو مراكمة لغوية لمعلومات ومعارف لا تسعف في تقوية الصلة بين النسبي والمطلق، بين المخلوق والخالق، لا تسعف في إخراج الكائن من حيرته وقلقه، من وحشته وضعفه.

يعتبر كتاب شبكة التدبر أحد الأعمال العظيمة النفع للعقل المسلم في إعادة هندسته وترتيب أولوياته انطلاقا من دراسته المركبة والمقارنة بين عدد من المشاريع الإصلاحية التي تلتقي عند نقطة التدبر كآلية لتنسيق الفكر وانسجام العلم والعمل في التجربة الفردية والجماعية للمسلمين. ولعل من عناصر قوة هذه الدراسة التي تنضم لغيرها من دراسات الباحث إدريس التركاوي الذي أخذ على نفسه أن يفتش في مساحة قلما اعتنى بها الباحثون مع حساسيتها البالغة ودقتها في ترجمة مدى انفعال العقل المسلم بهدايات الوحي وترجمتها إلى استقامة وإبداع وانتشار ودعوة ناجحة.
في كتاب الباحث إدريس التركاوي يقف القارئ على جهد تركيبي كبير يرافقه تواضع يذكرنا بأخلاق العلماء الكبار، جهد في عرض اجتهادات من مدارس شرقية وغربية لمعالجة سؤال التدبر عبر مفهوم “الشبكة” الذي يحيل على أكثر من تقاطع بين النظر والعمل، والجمال والجلال، والنية والإقبال، والاستعداد والامتداد في مجاري الحياة بشقيها النفسي والآفاقي. إن العودة لهذا الموضوع هي عودة لسؤال الإعجاز القرآني من خلال مدخل إدراكي مختلف.
لقد نجح الدكتور إدريس التركاوي، وهو الباحث الجاد من خلال إلمامه بأدوات عمله اللغوية والأصولية في هذا المشروع النفيس في إبرازه لدينامية الشبكة التدبرية بما هي نظام كلي يتجه إلى إقامة المعنى القرآني وانسجامه داخليا وخارجيا، في النفس وفي الاجتماع، موضوعيا وجماليا.

اشتغل الباحث في كتابه على أربعة مشاريع انتقاها بعناية وذكاء لتمثيلها للنماذج التي يرى أنها في اختلافها تتكامل ولا تتعارض، وهي كلها تجتمع في أولوية النفسي والتربوي لأنه أساس كل انطلاق، فاختار أن يوقفنا على مشروع كل من سعيد النورسي وسيد قطب ومحمد دراز وفريد الأنصاري. وكلهم كان يسعى للبحث عن التكاملية والانسجام في بناء شبكته التدبرية. وإنه كما يقول الباحث “لمَرَام صعب ومطلب عسير، أن يُنْظَم المتعدد في المتحد مع الحفاظ على جوهره وحقيقته، فما أصعبها من وظيفة وما أخفاه من مورد”.
لم يحتفل الباحث بما تتفق عليه هذه المشاريع فقط، بل انتبه بحسه النقدي أيضا لما يمكن أن يكون مسارات تمييزية فارقة، فالأصول والمسالك الكاشفة عن الوحدة المقاصدية عند أصحاب هذه المشاريع تتباين بين من يراها تتوقف على نظام القرآن ونظام الكون وانتظام الإنسان معهما، وهو رأي النورسي، ومن يتكئ على نظرية التصوير الفني في القرآن وفق أهم مبدأ هو مبدأ التناسق الفني أو وحدة الرسم عند سيد قطب، ونظام السورة عند عبد الله دراز، والتوفيق بين صناعة الشخصية المسلمة وبين تشكيل النسيج الاجتماعي للأمة وفق مجالس القرآن كما عند فريد الأنصاري.



