محمد بن العباس القباج ناقدا أدبيا برؤية إصلاحية(عبد الغني العجان)
تقديم:
يقتضي الإلمام بخطاب الإصلاح في الفكر الأدبي المغربي الحديث خلال القرن العشرين للميلاد، تتبعه من زاوية رواده وأعلامه الذين كونوا لأنفسهم، رؤية خاصة عن الشعر والأدب والنقد في علاقتها بفكرة الإصلاح. وعلى هذا الضوء، نسعى في هذه الدراسة إلى التعريف بهذا الخطاب، من منظور أحد رواده المغاربة، هو الناقد الأدبي محمد بن العباس القباج (1907م/1979م). وإذا كان جيلٌ من الكتاب المغاربة، الذين ظهروا في المشهد الثقافي أوائل القرن العشرين قد سعوا إلى إدخال الثقافة المغربية، إلى سؤال النقد والدعوة إلى الإصلاح، فإن تجربة الناقد ابن العباس القباج كانت الأكثر استقطابا للاهتمام، حتى نُعت بوسم مكتشف النقد في المغرب الحديث. لذلك يستحق أن يكون له موقع أثر ضمن رواد الإصلاح في مغرب القرن العشرين.
1- محمد بن العباس القباج: ملامح من حياته
ولد محمد بن العباس القباج عام 1326 للهجرة، الموافق لسنة 1907 للميلاد، لأسرة عُرفت بالعلم والفقه والدين. تعلم القراءة والكتابة والقرآن الكريم في محاضن الفتيان بالمسجد الذي كان وقتئذ صلب التربية والتعليم والتوجيه. ويذكر محمد بن العباس القباج في بَثٍّ سِيري خاص، أن التربية المسجدية التي تلقاها في صباه، كانت بمثابة الحصن من عملية الاستقطاب الاستعماري البراق التي تعرض لها جيله، من الشباب المغربي المسلم خلال العقود الأولى من القرن العشرين، وقد كان الهدف منها فصل الشخصية المسلمة عن روابطها. يقول القباج متحدثا عن نفسه: “لم يكن اختيار أسرتي لمتابعة دراستي بالمساجد عفوية، ولكن المسجد كان طريق المستقبل الذي ينشده الذين لم يسيطر عليهم الوجود الاستعماري البراق يومئذ، والذين كانوا يؤمنون بأن المغرب في حاجة إلى رجال غير مكيفين مع الظروف، وتلك أيضا كانت منهجية رجال المسجد يومئذ.”
وفي هذا الصدد، تذكر بعض كتب التراجم الحديثة تلمذة محمد بن العباس القباج على يد ثلة من الشيوخ والعلماء والفقهاء المغاربة، خاصة في مكان نشـأته بمدينة الرباط؛ إذ تتلمذ وأخذ العلم في مجالسه عن مشاهير علمائها وفقهائها المعاصرين له، كالشيخ أبي شعيب الدكالي، والشيخ المدني بن الحسني، والفقيه محمد السايح، والسيد محمد الشرقاوي، وغيرهم من المشايخ المغاربة. وعن بعض هؤلاء الأعلام يقول محمد بن العباس القباج: “فقد كان للشيخ أبي شعيب الدكالي رسالة تجديد الفكر، وكانت لسيدي المدني بن الحسني رسالة فتح النوافذ الجديدة على الثقافة الجديدة: الآداب-الإعلام –الفنون على اختلافها، ولم يكن يبخل علينا في بيته أو (عشاياه) بعدد من المجلات والصحف والكتب الواردة من الشرق العربي…”
ومن جانب آخر، كان الناقد بن العباس القباج من الرعيل الوطني المغربي الأول الذي أسهم في تأسيس مجال الصحافة بالمغرب، وعُد من روادها وأعلامها الكبار. فقد عمل في هذا المجال ناشرا، ومراسلا، ومحررا في مجموعة من الصحف والمجلات (كمجلة النبوغ)، (ومجلة المغرب) التي شارك في تأسيسها، وكتَب فيها بأسماء مستعارة. فضلا عن مجلتي (رسالة المغرب)، و(الثقافة المغربية) اللتين كانتا تصدران من مدينة الرباط. ويضاف إلى ذلك عمله في مجلة (دعوة الحق) المغربية التي نَعَتْه للقراء في عددها 222، بعد وفاته في يوم 21 يونيو 1979 بقولها: “الأستاذ محمد بن العباس القباج من الأعلام البارزين في تاريخ المغرب المعاصر بمكانته العلمية ودوره الأدبي الرائد، وأصالة فكره.” كما يجدر التذكير في هذا الصدد، بتعدي نشاط الكتابة الصحفية لدى القباج إلى المجلات العربية، خاصة (مجلة الفتح) المصرية، وغيرها من المجلات الأخرى.
وعلاوة على ذلك، يعد الناقد الأدبي محمد بن العباس القباج من الناهضين برسالة الأدب الحديث من الانكماش والانطواء، يبرز هذا من خلال بعض آثاره منها: كتابه “الأدب العربي في المغرب الأقصى” الذي ضمنه طائفة من شعراء المغرب ما بين شيوخٍ كالعلامة أحمد بن المامون البلغيثي، والأديب الحاج محمد بوعشرين، وشبابٍ كالأستاذين محمد علال الفاسي وعبد الرحمن حجي…”
وإلى جانب هذا العمل الترجمي للشعراء المغاربة، عُد القباج ممن حمل لواء النقد الأدبي في المغرب الأقصى، يقول عنه العلامة المغربي المختار السوسي: “لمحمد بن العباس القباج فضل السبق في هذا المضمار، فإنه الذي اقتحم معركة النقد أولا بمقالاته القيمة التي كانت تنشرها له (مجلة المغرب) تحت عنوان (لذعات بريئة)، وقد قَوَّمت هذه المقالات من زيغ المقاييس الأدبية التي كانت متبعة إذ ذاك، أحدثت ضجة كبيرة بين الأدباء المخضرمين الذين كانوا قليلي الاطلاع على الإنتاج الأدبي الجديد في الشرق العربي.”
وقد كان كتاب القباج “الأدب العربي في المغرب الأقصى” من الكتب التي أعطت صورة حية عن الأدب المغربي في تلك الفترة البعيدة التي أصبح جيل الباحثين الجدد اليوم يبحثون، عنه رغبة في دراسته وتعمق مفاهيمه، كي يدرك في جلاء مدى ما بلغه أدب الجيل الماضي وشعره. على أن هذا المصنف لم يكن الأثر النقدي الأدبي الوحيد الذي تركه الناقد محمد بن العباس القباج، بل تشير المصادر المترجِمة لسيرته إلى كتب أخرى له، منها: ديوان “ألحان وأشجان”، و(معجم الشعراء)، و”دروس الشيخ أبي شعيب الدكالي”، و”ابن عطية والفكر العلمي في القرن السادس الهجري”، فضلا عن كتاب “الأدب المغربي من دخول العرب إلى العصر الحاضر”.
2- الفكر الأدبي المغربي الحديث في ظل الإصلاح
إن البحث في التجربة النقدية للناقد الأدبي محمد بن العباس القباج في علاقتها بفكرة الإصلاح خلال العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين الميلادي، يقتضي رصد حركة الإصلاحات التي عرفها المغرب الأقصى إبان هذه الفترة الحساسة من تاريخه؛ إذ شكلت هذه التجربة النقدية جزءا من توجه إصلاحي عام رام مقاومة الاحتلال، وتوجيه الأمة الوجهة الصحيحة. تلك الإصلاحات العامة التي عرفتها البلاد ما بين سنتي 1925م و1949م، أذكتها ثلاث لحظات بارزة في تاريخ المغرب الحديث:
• اللحظة الأولى: تجسدت في الإجهاز على المقاومة المغربية بالريف (شمال المغرب) بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي سنة 1925 للميلاد. وفي ظل ذلك، شرعت النخبة المغربية في تجاوز هذا الإخفاق العسكري عبر “تأسيس أول تنظيم يمكن أن نعتبره سياسيا، مباشرة عقب الحرب الريفية، وبالضبط في 2 غشت 1926م، وقد أُطلق على هذا التنظيم اسم الرابطة المغربية”، الذي حمل في طياته دلالات عديدة من أهمها “رسم الخطوط العريضة التي ستتحكم في سير الحركة الوطنية برمتها والمتمثلة في التوجهات الإصلاحية، كالتركيز على إصلاح بعض المرافق الاجتماعية العامة وعلى رأسها التعليم.”
• اللحظة الثانية: يكتنفها صدور الظهير البربري في 16 ماي سنة 1930 للميلاد. هذا الظهير الذي شكل تهديدا حقيقيا لوحدة البلاد المغربية على المستويات جميعها. وفي ظله عملت السياسات الاستعمارية على جعل المغرب منشطرا إلى مجموعتين بشريتين: العرب والأمازيغ. ولأن قانون الحماية لم يكن يسمح بأي تنظيم سياسي منظم، لجأت النخبة الوطنية في المغرب يومذاك إلى التنظيم السري الذي حمل على عاتقه مهمة المطالبة بالإصلاحات، عبر تحرير العديد من العرائض المطلبية. ومما جاء في إحدى هذه العرائض: “ومما لا شك فيه أن بلادا على أبواب نهضتها تحتاج إلى صحافة حرة تنير الفكر العام وترشده، وتحتاج إلى جمعيات تدربها على الحياة العامة وتشعر الجماهير بكرامتهم وتهذب مبادئهم.”
وفضلا عن ذلك، دشن الوطنيون المغاربة حلقات للتوعية والتوجيه، أسهم في إنجازها وتنظيمها وتيسيرها كل من علال الفاسي، وعبد العزيز بن إدريس العمراوي اللذين شرعا في تقديم دروس علمية وتاريخية بجامع القرويين بمدينة فاس، تتمحور في موضوعاتها حول الإسلام وتاريخ المغرب، هذا فضلا عن إصدار الصحف وعلى رأسها مجلة (المغرب)، التي كان يشرف على تحريرها السيد أحمد بلافريج.
• اللحظة الثالثة: قانون إلحاق المغرب بوزارة المستعمرات الفرنسية؛ إذ بحلول سنة 1934 للميلاد، ستطرأ تحولات جديدة على الساحة المغربية، سيكون لها أثر بالغ في الزيادة بالمطالبة بالإصلاحات. فخلال هذه السنة سيفقد المغرب سيادته بالكامل بإلحاقه بالمستعمرات الفرنسية. وهكذا عرفت هذه السنة ظهور (كتلة العمل الوطني) في ماي من سنة 1934 ميلادية التي عملت على إعداد برنامج للإصلاحات تقدمت به في شهر دجنبر من السنة ذاتها إلى ملك البلاد والإقامة العامة بالرباط والحكومة الفرنسية.
وفي سياق ذلك، سيتم اقتراح جملة من الإصلاحات، لوقف نزيف البلاد والعباد جراء الغزو، ونزع الملكية، وزرع الاستيطان، وتجريد الإنسان المغربي من كل ما يملك ماديا ومعنويا، فضلا عن تمكين الغازي للغته، ونمط تعليمه في قلب ثقافة المجتمع. ولعل من أهم تلك المطالبات الإصلاحية: الإصلاحات السياسية، والحريات الشخصية والعامة، والجنسية المغربية، والحالة المدنية، والإصلاحات العدلية، والأوقاف الإسلامية، والإصلاحات الاقتصادية والمالية، والإصلاحات المتفرقة، واللغة العربية لغة رسمية للبلاد…
وعبر هذا المسار الإصلاحي العام، شكل الفكر الأدبي المغربي الحديث خلال العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين جزءا من توجه معرفي عام، كانت غايته إحداث شراكة حقيقية بين حقول معرفية عديدة، تضافرت جهودها في مضمار تفعيل قضايا البعث والنهضة والتثبيت لمحور الممانعة ومقاومة الاحتلال. يقول الباحث والمؤرخ الأدبي المغربي أحمد زياد: “إن تاريخ النقد الأدبي في بلدنا قصير المدى، إلا أنه ومع ذلك يستحق أن يُعرف، ويجوز له أن يدوَّن فهو بالإضافة إلى طابعه الأدبي يكوّن جزءا من كفاحنا الفكري الذي واكب وساير كفاحنا السياسي، شبرا بشير، وذراعا بذراع، وهو إلى هذا وذاك يشكل حركة نشيطة تميزت بالحيوية والطرافة كذلك.”
3- النقد الأدبي عند محمد بن العباس القباج وخطاب الإصلاح
نستطيع القول في ظل المعطيات السابقة، إن الحركة الفكرية الأدبية التي ظهرت في ظرف العدوان الاستعماري على المغرب كانت في أغلب أحيانها ذات أبعاد إصلاحية، ومن خلال هذا الامتزاج والتلاقي بين البعدين الإصلاحي والفكري في الثقافة المغربية الحديثة، انبثق النقد الأدبي الذي أحدث نوعا من التوأمة مع الحركة الإصلاحية استمرت لردح طويل من الزمن، وفي هذا السياق، يقول أحمد زياد: “ومما يزيد في قيمة هذا النوع من الكفاح والتعاون (يقصد النقد الأدبي)، أنه كان وسيلة من وسائل تنشيط الحركة الفكرية في تلك الظروف التي كان الاستعمار فيها واقفا بالمرصاد لكل تحرك من هذا القبيل، ليطارده ويحاربه بأساليب مختلفة، كانت ترمي في أول ما ترمي إليه إلى خنق الأنفاس.”
وفي هذا السياق، برزت التجربة النقدية لمحمد بن العباس القباج، بصورة سعى فيها إلى التوفيق بين الدراسة الأدبية والتوجه الإصلاحي العام للبلاد. يقول محمد جاري: “إن القارئ لمقالات القباج المنشورة على صفحات مجلة المغرب، سيلاحظ، بلا ريب، اندراجها ضمن اتجاه عام، في الثقافة المغربية يومئذ، ينادي بالإصلاح، وهذه الملاحظة، تفيد أن خطاب النقد، كما برزت مؤشراته في المغرب الحديث، يشكل مكونا من مكونات خطاب عام، هو الخطاب الإصلاحي.”
وبالعودة إلى مقالات محمد بن العباس القباج النقدية، نقف على هذا الملمح البارز في فكره النقدي بشكل صريح؛ إذ يقول في مقالة له بعنوان (ليس هذا بعشك فادرجي)، كان قد نشرها بمجلة (المغرب) في ثلاثينيات القرن الماضي: “ونحن إن كتبنا فما أردنا إلا الإصلاح ما استطعنا وإنصاف الحق، وليس من طبعنا التنقيص من قدر أحد وإنما هي الغيرة الأدبية، ما تزال تدفعنا إلى الدفاع عن كرامة الشعر.”
ويقول في سياق آخر في مقالته له بعنوان (شعر المرأة): “ونخشى أن نطيل الحديث ويطغى القلم للإفاضة في الموضوع، وله وقته بعد حين يوم تستيقظ الأمم من رقدتها، وتنظر لنِصفها الأشل وشطرها المكبوت، فتهب لإصلاح وتقويم ما عوجته الأيام، ولننظر الآن لشعر علال في الموضوع.”
ويقول أيضا في مقالة له بعنوان (الشنقيطي): “ونحن إذا تجرأنا على شعرائنا، وانتقدنا شيئا فإنما نريد الإصلاح ما استطعنا…” إلى غير ذلك من العبارات والأفكار والنَّقْدات المبثوثة أساسا، ضمن آثاره النقدية التي كان قد بدأ في نشرها بمجلة (المغرب) في غضون ثلاثينيات القرن الماضي.
واضح إذن، أن تأكيد محمد بن العباس القباج فكرة الإصلاح في مشروعه النقدي، تمتح من توجه وطني نحو الإصلاح والتغيير. وهذا ما جعل محمد جاري يشير إلى أن السنة التي شرع فيها القباج في نشر فكره النقدي، هي تلك السنة التي صاحبت صياغة الوطنيين المغاربة لمطالبهم في الإصلاح. يقول جاري: “ولا يعزب عن الذهن، أن هذا التصور، واكب في المغرب ولادة الوعي الوطني الحديث الذي نجد تعبيره السياسي الأول، في لائحة مطالب الشعب المغربي التي صيغت سنة 1934م، وهي نفس السنة التي شرع القباج فيها في نشر مقالاته.”
على أن خاصية الإصلاح لم تكن مقتصرة على الكتابات النقدية، كما رأينا في نموذج القباج، بل كانت واضحة بجلاء في الفكر المغربي زمن الاحتلال. مثلما كانت ظاهرةً أكثر في شعر تلك الحقبة التاريخية. وكمثال على ذلك قصيدة (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) لشاعر الحمراء (مراكش) محمد بن إبراهيم:
أكْتُم مَــا بِــي وَلَـوْ يَــدُومُ التَّكَتُّمُ وَلَكِنَّه هَــمٌّ بِــهِ الْقَلْـبُ مُفْعَمُ
بَنِي وَطَنِي إنَّ الشُّـعُوبَ وَأهْلَهَا قَدْ اسْتَيْقَظَتْ طُرّا وَأنْتم نُومُ
هُوَ الوَطَنُ المحْبُوبُ يَرْجُو أهلَهُ سَمَــاعاً لشَكْـوَاهُ وأهْلـــــه أنْتُــــــم
إن ما تركه ثلة من الشعراء المغاربة من توقيعات شعرية خلال حقبة الاستعمار، وما خلفه النقاد من آثار ونظرات وأفكار نقدية، وفي مقدمتهم محمد بن العباس القباج، هو توصيف للسياق الثقافي المغربي إبان العقود الأولى من القرن الماضي، وقد كان من أبرز ملامح هذا السياق، انخراط الإبداع والفكر المغربيين في سيرورة الإصلاح والتغيير ومقاومة الاحتلال، والدعوة إلى ذلك من بوابتي الشعر والنقد.
4- تجليات خطاب الإصلاح في التجربة النقدية للقباج
إن اهتمام الناقد المغربي محمد بن العباس القباج بمساءلة قضايا مجتمعه وانشغالاته، مكنته من تقديم تصور خاص لعلاقة الإبداع والنقد الأدبيين بالنسق الثقافي العام للبلاد، مسهما بذلك في بلورة أسئلة ثقافية أدبية، قارب من خلالها، ومن زاوية النقد الأدبي، موضوع الإصلاح في المغرب الأقصى إبان النصف الأول من القرن العشرين الميلادي. وسنقتصر من ذلك على بعض القضايا التي أثارها القباج في هذا النطاق.
4-1: البحث عن الهوية الأدبية
كان لمحتوى سؤال “هل عندنا…؟، و”هل يوجد…؟ أو هل كان عندنا…؟” حضورا مائزا في الفكر المغربي الحديث إبان الاحتلال، وهو سؤال أفرزته بعض الكتابات الاستعمارية على شكل هل كان المغرب كيانا قائم الذات قبل الغزو، أم كان مجالا فارغا مفتوحا للتوسع والهيمنة. وفي هذا السياق، انبرت نخبة من المفكرين والنقاد المغاربة لدحض هذه الأطروحة الاستعمارية. منهم محمد الفاسي الذي وقف للدفاع عن هذه القضية من خلال بحثه (هل كان للمغاربة أدب في القرون الثلاثة الأولى بعد الفتح)، المنشور بملحق جريدة (المغرب)، 1939 للميلاد. كما يُنظر في الاتجاه نفسه بحث لعلال الفاسي (هل عندنا ثقافة مغربية؟)، المنشور في (رسالة المغرب)، العدد 80، السنة التاسعة، 1950. وفي السياق ذاته، يمكن استحضار كتاب (النبوغ المغربي) الذي أكد فيه صاحبه عبد الله كنون أن الداعي إلى تأليفه، هو إثبات الأدب المغربي في خارطة الأدب العربي بعد طول إهمال.
وغني عن البيان، أن كتاب (الأدب العربي في المغرب الأقصى) للقباج، كان أيضا من الاستجابات الأولى لنداء البحث عن الهوية الأدبية المغربية التي جاء الاستعمار لمحوها، حيث ضمَّنه مجموعة من المختارات الشعرية مع إثبات تعريف مختصر بأصحابها. ومن دواعي تأليف هذا الكتاب يقول محمد بن العباس القباج في مقدمته: “لما حانت منا التفاتة إلى قطرنا المغربي الذي هو جزء من أجزاء الأمة العربية، ونظرنا هل له مثل هذه السمعة الأدبية والشهرة العالية، وهل أوتي أدباؤه وشعراؤه ذكرا يرفع مقامهم ويطير شهرتهم، ألفينا من خمول الذكر ما لا ترضى به أمة تنشد الحياة، وتؤمل أن يكون لها ذكر في الوجود.”
إن المتأمل في هذا الاقتباس من نصوص القباج، يجد ما يشي بنوع من الرغبة الشديدة في الدفاع عن وجود هوية ثقافية أدبية مغربية جاء المستعمر لطمسها من الذاكرة. وهو الأمر الذي انبرى للدفاع عنه، رفقة ثلة من المثقفين والأعلام الوطنيين، إسهاما منهم في عملية الإصلاح والتغيير التي دشنها المغاربة في العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين الميلادي بغاية النهوض والانعتاق من نير التخلف والاحتلال.
وفي هذا الصدد، يقول محمد جاري: “وبين سؤال كتابات السوسيولوجا الاستعمارية، ونسيان بعض كتابات المشرق العربي لجزء من ذاتها الثقافية، وبين الشعور بالقصور الذاتي، وجدت النخبة المغربية نفسها في موقف الدفاع عن عدوانية السؤال الأولى، وموقف تصحيح الرؤية عند من نقاسمه نفس التراث ونفس اللغة، وواجب النهوض بمهمة تقديم الذات والتعرف بوجه من نشاطها الإبداعي.”
4-2: وظيفة الشعر من منظور محمد بن العباس القباج
شهدت وظيفة الإبداع الشعري عند القباج تأكيد دوره الاجتماعي بوصفه صوتا للشعب أو الأمة أو الجماعة. يخاطب الجمهور، ويثير النفوس بلغة مباشرة ممزوجة بالإيحاء والرمز. وأول ما نسجله في هذا الصدد، كون القباج يؤكد مسؤولية الشاعر تجاه واقعه أو عالمه؛ إذ يقول: “والشاعر الحقيقي من يستطيع أن يرسم بشعره صورة لخلجات نفسه، وأمل أمته، وينطق بالصواب الذي لا يتطرق إليه الكذب ،ولا المبالغة ،ولا يفسده الغموض ،والإيهام ،والبهرجة، والتهريج، وهذا من البَدَهيات التي لم تبق بحاجة إلى الحد والتعريف:
إذَا الشِّعْرُ لَمْ يُوقِظْ مِنَ الشِّعبِ رَاقِداً فلَا قَذفَــــــتْ دُرُّ القَــــــــوَافِي بُحــــــورُهَا
وَرُبَّ قَــــــــوَافٍ مِــــــنْ دمُــوع نَظمْــــــتهَا فَكَانَتْ عقُودا وَالأمَـــــانِي نُحُـــــــورُها
يَعـــــــــزُّ عَلَــــــى عَيْنِــــــي البُكَــــــاء وَإنـَّــــما عَلَـــى ذِكْرِ أوْطَانِي يَفيضُ غدِيرُها”
وفي سياق آخر، يلح محمد بن العباس القباج على الوظيفة الاجتماعية للشعر بقوله: “ونحن أشد ما نكون بحاجة إلى الشعر المؤثر في النفوس، والحافز للهمم، الخالي من الكلفة والصناعة.”
تأسيسا على ما سبق، تبدو وظيفة الشعر عند محمد بن العباس القباج التي تتأسس على التأثير في النفوس، وحفز الهمم، وما يدخل في ذلك من معاني “تصليب عزيمة القارئ، وبث الحماس فيه، ونفض الخنوع عنه، وحثه على العمل النافع المفيد…” وكلها مقومات ضرورية ولازمة لكل حركة إصلاحية، تروم تغيير الواقع، ونفض غبار التخلف عنه.
4-3: تصور محمد بن العباس القباج لوظيفة النقد
أشرنا سابقا إلى أن خطاب القباج النقدي كان جزءا من توجه عام في الفكر المغربي، هو خطاب الإصلاح، وعلى هذا الضوء، عمل هذا الناقد على إثبات فاعلية النقد في تنظيم الشأن الأدبي، بوصفه واجهة لا يمكن تجاوزها في أي مشروع إصلاحي جاد. يقول القباج: “ولنا حتى اليوم والحمد لله حمدا كثيرا، طبقة كبيرة من الشعراء، و شيوخ القريض، لا تخلو مدينة من مدن المغرب، حتى في أقصى سوس، من شاعر، بل من شعراء، فقد تعددوا وكثروا، حتى أوشك كلامنا أن يصبح شعرا، وخشينا أن يمسي كل من يحمل قلما، ويعرف الهجاء، شاعرا، بدون وجل وخوف محاسب. وهذه عوامل الفوضى السائدة في وسطنا الأدبي، شجعها عدم وجود حركة للنقد. وعندي لو أن حركة مثل هذه موجودة الأثر، لعجلت بالقضاء على الفوضى الظاهرة واجتثت كل الشخصيات التي أعجبتها الألقاب وخدعتها البهرجة والإطراء.”
من ذلك، تبدو نظرة القباج لوظيفة النقد في الإصلاح، من خلال إسهامه في تجاوز الأزمة الأدبية في أفق يقظة عامة داخل الفضاء الثقافي المغربي. وإلى هذا الدور الإصلاحي للنقد الأدبي، يشير أيضا، بقوله في سياق سجاله النقدي: “وقد حملوه أن يقول إن المغرب لا يطيق ولا يتحمل الانتقاد، فهو في نظره كشاب ظريف لطيف‼ وهذا منتهى ما تصل إليه المغالطة و التضليل، فالنقد شائع في كل امة وفائدته ظاهرة ونتائجه في إصلاح ما اختل واعوج، وتنوير البصائر، وتثقيف النفوس أمر عند الناس معلوم.”
يعد هذه الاقتباس، ضمن مكتوبات محمد بن العباس القباج النقدية، من أهم النصوص التي أفصح فيها عن مركزية وظيفة النقد الإصلاحية، وهي على التوالي: إصلاح ما اختل في التعبير الفني الشعري لدى الشعراء، وتنوير العقول، وتصحيح الرؤية، وتثقيف النفوس .
4-4: شعر المرأة وقضية الإصلاح عند محمد بن العباس القباج
لم يخل الفكر الأدبي لمحمد بن العباس القباج من نظرات ذات صلة بقضايا اجتماعية صرفة، منها قضية المرأة. وهكذا جاء الطرح الذي قدمه القباج لهذه القضية، من زاوية حديثه عن صورة المرأة في الشعر المغربي الحديث. وقد أثار بصدد ذلك، سؤال حضور المرأة المغربية في المشروع المجتمعي، ضمن رؤية ترى قضيتها من زاوية المناصفة الحقيقية مع الرجل في الإصلاح الاجتماعي، والبناء التربوي، فضلا عن تعزيز حضورها بإخراجها من ثقل العادة الاجتماعية الجارفة التي رسمت لها حدودا، لا تتجاوزها، وأحاطتها بجملة من القيود، وإن حدث العكس فهو المروق والخروج عن الصواب بحسب البعض.
يقول القباج عن “شعر المرأة” (نورد كلام القباج هنا على طوله لفائدته في إثارة هذه قضية المرأة في مضمار النهضة الحضارية المنشودة): “تعد المرأة في الشعر شيئا جديدا بالمغرب، ولا أقول من ناحية النسيب. ولكني اقصد ناحية أخرى هي جديرة بالتنويه، وخليقة بالرواج تلك هي طلب إصلاح المرأة وتعليمها، والنهوض بها من درك الخمول والجهل، إلى مستوى يليق بكرامة المرأة، ويحسن مركزها في الوجود. والمرأة بحق، لا تزال مشكلة المشاكل في كل جهة، وأكثر هذه المخلوقات البشرية عندنا، تحسب أن المرأة كأداة للطبخ والكنس، ولم تكن إلا حمار البيت يأكل ليُركب، ويشبع ليقوى على حمل الشقاء.
أما أن تتعلم المرأة لتربي أبناءها خير تربية، فاحذر أن تلفظ بهذا فتعد مارقا زنديقا، والأم بلا شك مدرسة البيت، وفي يدها نشأة الولد إن شاءت تصلحه، ولها أن تنشئه تنشئة فاسدة، فليس لها من معقب في تكوين الطفل الوديع، ونخشى، أن نطيل الحديث ويطغى القلم للإضافة في الموضوع، وله وقته بعد حين يوم تستيقظ الأمم من رقدتها، وتنظر لنصفها الأشل، وشطرها المكبوت فتهب لإصلاح وتقويم ما عوجته الأيام، و لننظر الآن لشعر علال في الموضوع.”
ولتوضيح ذلك، يستشهد القباج بأبيات من شعر علال الفاسي من قصيدة طويلة له حول المرأة وأوضاعها، وأهمية تنشئتها على التربية والعلم إلى جانب أخيها الرجل، بدل تركها ترزح في ظلام الجهل والأمية. وهي قصيدة شعرية كان قد ألقاها الفاسي في مؤتمر طلبة شمال إفريقيا بباريس:
إنَّا سَئِمْـــــــــــــنَا عِيشَــــــــــــةً مَبْتُـــــــــورَةً مَا أن نُطيــــــق بِهَا نِظَــــــاما مُحكَـــــــــــــما
الْبَيْتُ عُمْدَتُهُ الْفَتَاةُ فَإِنْ تَـــدُمْ فِي الْجَهْلِ أَضْحَى ذَا العِمَادُ مُهَدَّما
وَغَدَتْ حَيَاة الْمَـــــرْءِ فِي أَرْجَائِهِ لَيْسَـــــــــــتْ تُطِيـــــــقُ غِبْطَـــــةً وَتَبَسُّــــــــــما
فَإِلَى مَتَى تَبْقَــــى الْفَتَاةُ بِجَهْلِهَا وَأَخُـــو الْفَتَـــــاةِ مِـــنَ الْمُسَاعِدِ مُعْدَما
وفي قصيدة أخرى لعلال الفاسي، يوجه فيها الخطاب للفتاة العربية بمناسبة ما أظهرته السيدات الفلسطينيات المقاومات من شجاعة وبطولة في حوادث ميدانية:
ضُمِّي الصُّفُوفَ وَوَحِّدِي لَا تَخْشَيْ مِنْ أَيِّ عَاد
لَا تَتْركِـــــــــــيـــــــــــــهَا فُــــــــــــــرْقَة تَرْمِي بِنَا فِي كُـــــلِّ وَاد
سِيرِي إِلَى الْمَيْدَانِ يَحْــــــدُو كَ الثَّبَـــــات والإعتـــــــاد
فَتَقَــــــــــــــــــدَّمِيــــــــــنَا لِلْأَمَـــــــــــامِ لِتَرْفَعِـــــــي عَلَمَ الْجِــــــهَادِ
وفي عقب هذا الاقتباس الشعري خاطب القباج علال الفاسي قائلا: “مرحى يا شاعر الشباب !لقد صرخت من الأعماق صرخةً يجب أن تخترق الآذان الصم، وتصل إلى قلوب غُلف، ولكني أسألك ما بال هذه الصرخة لم توجه إلى رجالنا فهم أحوج من النساء إلى موعظتك الحسنة واستفزازك لشعورهم الكمين، أما نساؤنا الرقيقات العواطف الفاترات اللواحظ الناعمات الخدود فرفقا بهن يا علال من السير في الطليعة وخوض المعارك وحمل البنود، أم أن رجالنا الذين كثروا وما نفعوا وازدحمت بهم رقعة الوجود، وضاقت بهم الأرض لم يستفززهم شيء، فعقولهم مصدوءة، وأفكارهم مصطولة، هيهات أن يؤثر فيهم قول البليغ وسحر الشعر”.
نلاحظ أن القباج من خلال هذه النقد يقدم صورة لقضية المرأة في الإصلاح الاجتماعي، بتركيزه على الموجة الشعرية الجديدة التي انخرطت في المطالبة بإصلاح المرأة، بالنهوض بقضاياها وأوضاعها، وتحسين مكانتها في المجتمع، ونبد كل النظرات الدونية لها، وتفعيل دورها إلى جانب الرجل. وجعل وظيفتها لا تقتصر على تحضير الطعام وتحقيق الشبع، وتهيئ المحل للسكن والحياة.
إن مشروع محمد بن العباس القباج النقدي يدعو بوضوح إلى إعداد المرأة العربية والمسلمة، وتأهيلها وتنشئتها التنشئة اللائقة تعليما وتربية وتقديرا لمكانتها الجليلة في إعداد النشء والبناء، في لحظة تاريخية تدعو إلى إعداد الشعوب والأمة للنهوض والبحث عن سبل التمكين. وكأننا بمحمد بن العباس القباج، من خلال هذه الرؤية، يصوغ نثرا، ما قاله حافظ إبراهيم في شعره عن المرأة:
مَنْ لِي بِتَـــــرْبِيَةِ النِّســَــاءِ فَإِنَّـــــــهَا فِي الشَّرْقِ عِلَّة ذَلِكَ الإخْفَاقِ
الأُمُّ مَـــــدْرَسَةٌ إِذَا أَعْــــــــدْدَتهَا أَعْدَدْتَ شَعْبا طَيِّــــبَ الأَعْرَاقِ
الأُمُّ رَوْضٌ إنْ تَعَهَّـــــــدَهُ الْحَـــــيَا بِالــــــرَّيِّ أَوْرَقَ أَيُّمَـــــــــا إِيـــــــــــرَاقِ
الأُمُّ أُسـْـــتَاذُ الْأَسَــــاتِذَةِ الْأُولَى شَغَلَتْ مَآثِرُهُمْ مَـــــدَى الْآفَاقِ
رَبُّوا الْبَنَاتِ عَــلَى الْفَضِيـــلَةِ إِنَّهَا فِي الْمَوْقِفَيْنِ لهنَّ خَيْرُ وَثَاقِ
وعلى العموم، إذا نظرنا عميقا إلى كلام الناقد بن العباس القباج في حديثه عن المرأة، نجده من الآراء المتقدمة جدا في جعل المرأة عنصرا له مكانته، ووظيفته المتكاملة مع الرجل في مشروع الإصلاح، وانبعاث الأمة من وهدتها التاريخية. مما يدعونا إلى وضعه، ضمن لائحة المفكرين الإصلاحيين الأوائل المنادين في العصر الحديث بإصلاح وضعية المرأة وتحسينها، والدفاع عن حقوقها، بجعلها في قلب القضايا المجتمعية في الحياة العامة، بدل امتهانها وإذلالها، ووضعها في حالة انسحاب كلي أو جزئي من الحياة. وهي، لعمري، إجراءات جوهرية تحفظ للمرأة مكانتها المركزية، وشرفها النفيس، وكرامتها الآدمية.
خاتمة:
هكذا تبدت لنا من خلال هذا العمل، ملامح الإصلاح في النقد المغربي في نسخته الحديثة، كما مثلها الناقد المغربي محمد بن العباس القباج، ولعل من أهم هذه الملامح وقوع الفكر الأدبي المغربي الحديث في العقود الأربعة الأولى للقرن العشرين ضمن خطاب عام، هو خطاب الإصلاح. وهكذا رأينا كيف ساير هذا الفكر كفاح المغاربة السياسي والاجتماعي والعسكري في لحظة تاريخية دقيقة مر منها المجتمع المغربي الحديث. مثلتها ثلاث لحظات حرجة من تاريخه: الأولى جسدها الإجهاز على المقاومة المغربية بالريف سنة 1925. والثانية أملتها ظروف فرض الظهير البربري سنة 1930. أما اللحظة الحرجة الثالثة فقد نتجت عن الترسيخ لاحتلال المغرب بإلحاقه بوزارة المستعمرات الفرنسية سنة 1934 للميلاد.
وانسجاما مع هذه الرؤية الإصلاحية، عمل القباج في مشروعه النقدي على محاولة الترسيخ للهوية الثقافية الأدبية المغربية بالبحث في جذورها من خلال كتابه التَّرجَمي للشعر والشعراء المغاربة “الأدب العربي في المغرب الأقصى”. وعلاوة على ذلك، عمل القباج على تأكيد الوظيفة الاجتماعية للشعر بوصفة أداة للإصلاح والتغيير والتوجيه. ولذلك فالشاعر الحق، بحسب القباج، هو الذي يضع في شعره آمال أمته وآلامها. وبهذا يمكن القول: إن القباج كان من النقاد العرب المحدثين الداعين إلى ترسيخ “شعرية الموقف” في أدبنا العربي بصورة تجعل هذا الأدب منخرطا وملتزما بقضايا أمته وانشغالاتها.
ويضاف إلى هذه النتيجة من خلاصات هذا البحث ونتائجه، جعل القباج النقد الأدبي ركيزة أساسية في الإصلاح والتنوير والتثقيف، وتوجيه القضايا الكبرى للأمة وإثراء النقاش فيها. ولتوضيح هذه الوظيفة التي على عاتق النقاد، يقول إدريس مقبول: “كان العقاد رحمه الله يرى أن النقد الذي هو قول على قول، لابد له من رسالة وإلا استحال إلى رسالة عدمية فارغة بل وتدميرية، لذلك على الأديب كما على الناقد أن يجد لرسالته محتوى ومضمونا جين يتصل الإبداع بقضايا العصر وأسئلته.”
وعلى العموم، إن خطاب الفكر الأدبي عند الناقد المغربي محمد بن العباس القباج، سواء في بعده الثقافي الأدبي أو الإصلاحي الاجتماعي، ليس سوى لحظة في مسار الوعي الثقافي المغربي الحديث بضرورة الانعتاق من التخلف التاريخي للمجتمع، وإنهاء الاحتلال الأجنبي الغازي للبر والبحر والهوية والثقافة والفكر والتاريخ. إلا أن الملاحظ، أنه في الوقت الذي لا يخلو فيه فكر إصلاحي ما، من حصيلة وإسهامات رصينة على مسار الاجتهاد، إلا أن الإشكال، يكمن في بقاء الاجتهادات الإصلاحية في منأى عن أن تحقق التأثير المتوقع، الأمر الذي يدعو بإلحاح إلى طرح سؤال الفعالية، والحصيلة في مشاريع الإصلاح.



