في سؤال الدعوة والدولة والتعددية(إدريس مقبول)
أمامنا تجارب بشرية عمل فيها صناعها على إقصاء كل اختلاف فكري أو ثقافي أو اثني بسبب فهمهم لمعنى الوحدة وفهمهم لمعنى الدين ومقاصده، ولسبب يبدو منطقيا أحيانا حين نقرأ قيام الدول وسقوطها، فشأن الدول والامبراطوريات التاريخية التي كانت عبارة عن جماعات أو أسر حاكمة أو طوائف أنها كانت تعمل بالسيف وبالدهاء والسياسة من أجل تحييد منافسيها والتخلص من خطرهم، حين لا تكون هناك شرعية من الجماعة فإننا نبحث عنها بأي أسلوب، باختلاق السرديات وبالعنف لا يهم هذا هو التاريخ، فأحيانا كانت تأتي سياستهم دامجة وأحيانا مستأصلة عاصفة بكل ألوان المختلفين الذين يحتمل تشويشهم على مشروع (الدولة الأمة).
رحم الله المنفلوطي كان يقول: “لو جاز لكل إنسان أن يقتل كل من يخالفه في رأيه ومذهبه، لأقفرت البلاد من ساكنيها”.
إن الإقرار بالاختلاف والتعددية بكافة أشكالها من شأنه أن يكون صمام أمان ويحقن الدماء، وهو في تقديرنا عامل من عوامل استقرار العمران يحول دون الاصطدام وأعمال العنف وانتشار الجيوب السرية التي تهدد استقرار المجتمع ويمكن أن تعصف بأمنه العام، ولهذا قيل: إن النظام الذي يصادر الحق في المعارضة وينزع عن الأصوات المعارِضة ثوبَ الشرعية، لابد أن يقود الرأي العام إلى الاختيار المُر بين ثلاثة أمور: الطاعة العمياء، أو الثورة الهوجاء، أو العمل في الخفاء.. وهي كلها كما يعرف الجميع إما استجابات سلبية أو رَدَّات فعل منفلتة غير مراقبَة وغير واعية.
الإقرار بواقع الاختلاف المذهبي والطائفي لا يجب أن ينسينا ما تشكله من زاوية أخرى الثقافة الروائية السردية لدى كل الفرق من حجاب كثيف تمنع أي تفاهم ممكن، ذلك أن الروايات لدى كل طائفة تحتاج إلى نقد موضوعي، بل تحتاج إلى استبعاد تام في تجارب التقريب والتقارب؛ فهي لم تسلم من التوظيف والزيادة أو التزيد تحت إلحاح الحاجة لإلزام الخصوم وقمعهم فكريا في المجتمع.. ومن المعلوم أن لكل طائفة مروياتها وسردياتها التي تجعلها وسيلة لتفسير القرآن الكريم وتلوينه بطابعها الإيديولوجي، وهو أمر يعرفه كل مُطلع منصف.
الدولة فيما نعتقد من مهامها أن ترعى الاختلاف وتحافظ على سياسة التعايش والتساكن بين كافة الأطياف دون أن تنتصب مدافعا عن أحدها، وليس لها أن تغمط أقلية حقها سواء كانت موالية أو معارضة ما دامت تعترف بالدولة وتقع تحت رعايتها وتختار السبل السلمية في التعبير، وليس لها أن تُفرط في شيء من الحقوق التي قررتها الشريعة الإسلامية لغير المسلمين من معتنقي الديانات الأخرى أو حتى غير المؤمنين، فإن فلسفة المواطنة تفرض عليها أن تقف من الجميع على نفس المسافة بقطع النظر عن ثقافتهم ومعتقداتهم وموقفهم من نظام الحكم. من المهم قراءة ما كتبه الفيلسوف الكندي تشارلز مارغريف تايلور في هذا الموضوع وبخاصة عن التعددية والهوية والعلمنة، فالأنظمة العلمانية لا يجب أن يتم تقديمها على أنها متاريس في وجه الدين، للأسف الشديد هذا ما أفلح فيه النموذج الفرنسي المتصلب، لكن بوصفها أنظمة تستجيب للتنوع الذي تفرضه بنية المجتمعات، وهو تنوع لا يتوقف، ولابد من الحفاظ على نفس المسافة من كافة المعقتدات، تايلور يفضل أن يتكلم عن معتقدات وليس عن أديان ليفسح المجال للمؤمنين وغير المؤمنين بالأديان السماوية.
في التاريخ عاشت في الأمة دعوات، وحكمت دعوات، وتصارعت دعوات، وتماهت الدعوة مع الدولة في أحايين كثيرة بسبب دواعي الصراع والعصبيات بالمعنى الخلدوني، وتم ابتلاع الدعوة في دواليب الدولة، وانتهت مهمة الدعوة في بطن الدولة، وهي دروس يجب الاستفادة منها لمن يحملون مشاريع إصلاحية إسلامية. فحين تبتلع الدولة الدعوة تصبح الدعوة مادة سامة، تتحول من كونها دواء روحيا إلى ضرب من ضروب الداء أو المرض بعينه. هي مسألة ما تزال تحتاج لمزيد من النقد انطلاقا من دروس التاريخ.
أعتقد أنه من الخطأ اليوم أن ننظر إلى الدعوة بديلا عن الدولة في أي مرحلة من المراحل، أو أن نتصور تحكمها في قيادة الدولة، فإن هذا لا يؤدي إلا إلى وجه من وجوه التسلط والفوضى وانشقاق الصف المجتمعي، فالدعوة يجب أن تبقى في حدود وظيفتها التربوية والروحية والتثقيفية. الدعوة لا يمكن أن تأخذ طابع الإلزام، فالعلاقة فيها مبناها على الصحبة والتأسي والنصيحة، في الدعوة ينظر الناس إلى السلوك، فيتأثرون بالقدوة، وبحسب قوة القدوة، يتيسر تأثير الدعوة حين يكون السلوك قريبا من الناس، يجدونه بينهم، يلمسونه، وهذا من شأنه أن يفعل فيهم ويقربهم إلى المبادئ الأخلاقية ويجعلهم حريصين عليها.
أما الدولة فإن وظيفتها وطابعها الجوهري يقوم على الإلزام والالتزام بتطبيق القوانين حتى لا تعم الفوضى. في الدولة هناك سلطة القوة وقوة السلطة بالقانون في تحقيق العدالة والكرامة للجميع بغض النظر عن تحيزاتهم وأفكارهم.



