المقالات

في مسألة الرسم العثماني:(عبد الله الجباري)

الرسم هو طريقة كتابة الكلمات وتصوير حروفها، وتعاطاه قوم فأصبح لهم صناعة، لذلك نجد في كتب التراجم والمعاجم من اعتنى بصناعة الرسم، ومن مرادفاته صناعة الخط أو الإملاء أو الهجاء.

والرسم العثماني هو طريقة كتابة القرآن ورسم حروفه حسب الوضع الذي ارتضته اللجنة التي كلفها سيدنا عثمان بن عفان بجمع القرآن، وهو الرسم المتبع منذ ذلك العهد إلى يوم الناس هذا، وقد اعتنى به العلماء ضبطا وحفظا ونظما، وألفوا فيه تآليف عديدة، منها : هجاء مصاحف الأمصار لأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت : حوالي 440 هـ)، والبديع في معرفة ما رسم في مصحف عثمان بن عفان لأبي عبد الله محمد الجهني (ت : حوالي 442 هـ)، والمقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت : 444 هـ)، والتنزيل في هجاء المصاحف لأبي داود سليمان بن نجاح (ت : 496 هـ) وغيرها.

خصوصية الرسم القرآني:

لم يعتن علماء المسلمين بالرسم القرآني ولم يفردوه بالتأليف إلا لخصوصيته وتميزه عما ألفناه في الكتابة العربية المتداولة والمتوارثة، قال الألوسي : “وأنت تعلم أن الرسم العثماني متبع ولا يقاس عليه، ولا يكاد يعرف وجهه”[1]، وقال ابن دُرُسْتُوَيه : “ووجدنا كتاب الله جل ذكره لا يقاس هجاؤه، ولا يخالف خطه، ولكنه يتلقى بالقبول على ما أودع المصحف”[2]، وهذا بخلاف الرسم العربي المعهود، الخاضع لمجموعة من القواعد الإملائية المتبعة، التي فرضت علينا أن “نتبع الفصاحة والقياس، ونختار الأجود”[3].

ومن أمثلة الخصوصية القرآنية في الرسم :

أ – حذف الألف :

* مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ. (سورة الفاتح : 3).

* يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكتـبِ. (سورة الأنبياء : 103).

* وَحَمْلُهُ وَفِصَـلهُ ثَلَـثُونَ شَهْرًا. (سورة الأحقاف : 15).

ب – التاء آخر الكلمة :

كتبت التاء في أواخر كلمات : رحمة، نعمة، سنة، لعنة … هاء، وفي مواضع أخرى تاء مبسوطة :

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ. (سورة الزمر : 50).

أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. (سورة البقرة : 216).

لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ. (سورة الزخرف : 12).

وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ. (سورة البقرة : 229).

سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. (سورة الفتح : 23).

وَإِنْ يَّعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْاوَّلِينَ. (سورة الأنفال : 38).

أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. (سورة هود : 18).

وَالْخَامِسَةُ أَن لَعْنَتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. (سورة النور : 7).

ج – الفصل والوصل :

يمكن اعتبار أمثلة هذا الباب من غرائب رسم القرآن، ولعلها – مع مثيلاتها – هي ما قصده العلامة الألوسي بقوله : “وفي رسم المصحف من الغرائب ما لا يخفى”[4]، وأنموذج ذلك :

فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا. (سورة النساء : 77).

وَيَقُولُونَ يَـوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَـبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَـيـهَا. (سورة الكهف : 48).

وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْاسْوَاقِ. (سورة الفرقان : 7).

فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ. (سورة المعارج : 36).

د – الهمزة :

* فَسَوْفَ يَاتِيهِمْ أَنْبَـؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ. (سورة الأنعام : 6).

التفريق بين المتماثلات في الرسم :

لم يكتب الصحابة الكرام القرآن الكريم على نسق واحد، وفق قانون إملائي محدد، بل كانوا يكتبون الكلمة على هيأة ثم يكتبونها في موضع آخر على هيأة مخالفة، وذلك في القرآن كثير، مثل :

1 – لدى .. لدا :

وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ. (سورة يوسف : 25).

إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَـظِمِينَ. (سورة غافر : 17).

2 – طغى .. طغا :

* اذْهَب الَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. (سورة طه : 23. سورة النازعات : 17).  مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. (سورة النجم : 17).

*  إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَـكُمْ فِي الْجَارِيَةِ. (سورة الحاقة : 10).

3 – إنما .. إن ما :

* إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ. (سورة طه : 68).

* إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ. (سورة الأنعام : 134).

4 –  جزاءُ .. جزاؤُا :

– فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ. (سورة البقرة : 84).

–  وَذَلِكَ جَزَؤُاْ الظَّـلِمِينَ. (سورة المائدة : 31. سورة الحشر : 17).

وقع الاختلاف في كتابة “جزاء” مرتين، أولاهما في الألف بعد الزاي إثباتا وحذفا، ثانيهما في الهمزة.

5 – أَمْ مَن .. أَمَّنْ :

* أَفَمَنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُّتَّبَعَ أَمَّن لَا يَهَدِّي إِلَّا أَنْ يُّهْدَى. (سورة يونس : 35).

*  إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَـتِِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَّنْ يَّاتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (سورة فصلت : 39).

هذه نماذج وأمثلة – وغيرها كثير في القرآن – للاختلاف الواقع في رسم الكلمات المتماثلة، والتي توقف كثير من العلماء عن توجيهها وإيجاد تأويل سائغ لها، لذلك قال ابن معاذ الجهني تعليقا على المثال الخامس : “وليس بين هذه الحروف التي وُصلت والتي قُطعت فرق يوجب التفرقة بينهما، ولكن هكذا كُتبت في المصاحف”[5]، تنبيها إلى أن الاحتكام في كتابة المصحف لا يكون إلى القواعد والقياس بل إلى وضعها الأصلي الذي خلفه لنا كتبة الصحابة بإشراف زيد بن ثابت رضي الله عنهم.

وإذا كان الأمر كذلك، فهل كان الصحابة الكرام مخطئين في كتابتهم للقرآن الكريم ؟

لمقاربة هذا السؤال، لا بد من وضع الفرضيات الآتية :

1 – تعمُّد الصحابة كتابة القرآن بهذا الرسم لحكمة وغاية.

2 – الرسم القرآني هو الرسم المتداول في عهد الصحابة.

3 – خطأ الصحابة في رسم القرآن بخلاف قواعد الإملاء.

1 – الصحابة وقواعد الإملاء:

غني عن البيان أن الفرضية الثالثة لا تصمد أمام أبجديات البحث العلمي، لأن الشخص لا يمكن اعتباره مخطئا إلا إذا خالف القواعد المتفق عليها والمجمع على تقعيدها ومعياريتها، وقواعد الإملاء المعهود عندنا لم توضع إلا بعد فترة جمع القرآن الكريم، فلا يمكن البناء عليها والاعتماد على ما تقرر منها لتخطئة الصحابة الكرام، إذ من غير المنطقي أن نحاسبهم وأن نعمد إلى تخطئتهم بناء على ما لم يكن لهم به علم، ولم يكن له في عهدهم وجود، وسلوك هذا السبيل لا يعدو أن يكون تعسفا في حقهم وتجنيا عليهم.

2 – توجيه الرسم القرآني:

 عمد بعض العلماء إلى توجيه الرسم العثماني وإيجاد بعض مسوغاته، اعتبارا منهم أن الرسم المخالف لما تقرر من القواعد منقصة للصحابة لا بد من تنزيههم عنها، لأنهم “حسبوا أن الخط كمال، فنزهوهم عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه”[6]، وهذا ما قطع العلامة ابن خلدون بخطئه، لأن الخط ليس من صفات الكمال كما قد يُتوهم، بل هو من الصنائع التي لا يلزم من عدم إجادتها إلحاق أي نقصٍ “على الذات في الدين ولا في الخلال”.

وابن خلدون لم يحِد – في تقريره هذا – عن نظريته في العمران، على اعتبار أن بداوة العرب وبعدهم عن الصنائع سبب رئيس لعدم إتقانهم للخط وإجادتهم له[7].

لم يتفق كثير من العلماء مع هذا التوجه الخلدوني، بل رجح بعضهم أن الصحابة “كانوا متقنين رسم الخط، عارفين ما يقتضي أن يُكتب وما يقتضي أن لا يُكتب، وما يقتضي أن يوصل وما يقتضي أن لا يوصل … لكن خالفوا القواعد في بعض المواضع لحكمة”[8].

فما هي هذه الحكم والنكت التي استبطنها الصحابة أثناء كتابتهم للقرآن الكريم ؟

عمل كثير من العلماء على توجيه الرسم العثماني بعدة توجيهات، منها :

حذف الألف لعدم إلغاء القراءة الأخرى :

حين عزم عثمان بن عفان على جمع القرآن الكريم في مصحف موحد، لم يكن مقصده توحيد الناس على قراءة واحدة وإلغاء القراءات الثابتة الأخرى، بل كان هدفه تحصين القرآن من اللحن والخطأ، ولما كان الصحابة يكتبون المصحف الإمام لم يثبتوا كثيرا من الألفات لكي يستوعب النص المكتوب أكثر من قراءة، مثل “قَالُوا سَـحِرَنِ تَظَـهَرَا”[9]، فكلمة “سـحرن” تقبل القراءتين الثابثتين “سَاحِران” و”سِحْرَان”، لذلك لم يكن الصحابة في حاجة إلى كتابة مصحف بقراءة مخصوصة، ومصحف آخر بقراءة مغايرة إلا عند الضرورة، وهي حالة اختلاف الرسم باختلاف القراءة، مثل :

الآية القرآنيةالرسم (1)الرسم (2)
وقالوا اتخذ الله ولداوقالواقالوا
ووصى بها إبراهيم بنيهووصىوأوصى
ما فعلوه إلا قليل منهمقليلقليلا
من يرتدد منكم عن دينهمن يرتدمن يرتدد
وللدار الآخرة خير للذين يتقونوللدارولدار

مراعاة السكت :

خصص أبو عمرو الداني رحمه الله فصلا خاصا من المقنع للتاءات الآخرة من بعض الكلمات، وبين المواضع التي رسمت فيها هاء والمواضع التي رسمت فيها بالتاء المبسوطة، وذكر آخر الفصل وجه هذا التنويع بقوله : “وذلك على مراد الوقف إذ التاء تبدل فيه هاء”[10]، لأننا إذا وقفنا على التاء المبسوطة نقف بالتاء، وإذا وقفنا على التاء المربوطة نقف بالهاء، فوقع التنويع مراعاة للسكت والوقف.

توجيهات نحوية :

رُسمت في المصحف كلمات “شفعاء” و”دعاء” و”الضعفاء” … بواو فوقها همزة وبعدها ألف، مثل : “شفعـؤا”.

أورد أبو عمرو الداني توجيهين لهذا الرسم وجوّدهما معا، أولهما للكسائي وهو أن الألف رسمت بعد الواو تقوية للهمزة لخفائها، وثانيهما لأبي عمرو بن العلاء، وهو أن الألف أُلحقت بواو الهمزة تشبيها لها بواو الجمع، لأنهما وقعتا طرفا[11].

أما العلامة الطاهر بن عاشور فتناول المسألة عند قوله تعالى : “وَلَمْ يَكُنْ لَّهُم مِّنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَـؤُاْ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَـفِرِينَ”[12]، حيث اعتبر جمعَ الصحابة بين الواو والألف تنبيها منهم على أن الهمزة مضمومة، ليعلم أن “شفعاء” اسم كان، رفعا لما قد يتوهمه البعض من اعتبار “من شركائهم” اسمها، لذلك “أثبتوا الواو تحقيقا لضم الهمزة، وأثبتوا الألف لأن الألف صورة للهمزة”[13].  

مراعاة أصل الكلمة :

كتبت “الربا” في المصحف بواو بعدها ألف “الربوا”، وذهب العلماء في توجيهها مذاهب شتى، نورد أهمها :

أولا : مال الزمخشري إلى أنها كتبت كذلك على لغة من يفخم[14]، مثل “الصلوة” و”الزكوة”، واستبعده الطاهر بن عاشور، لأن التفخيم ليس لغة قريش حتى يكتب بها المصحف[15].

ثانيا : اعتبر المبرد كتابة الربا بهذا الرسم للتمييز بينها وبين الزنا، وهذا التعليل استبعده الطاهر بن عاشور رحمه الله، لأن “سياق الكلام لا يترك اشتباها بينهما من جهة المعنى إلا في قوله تعالى “ولا تقربوا الزنا”

ثالثا : ذكر الفراء أن العرب تعلموا الخط من النبط (أهل الحيرة)، وهم يكتبون الربا [ رِبَوْ ]، فرسمها الصحابة في المصحف كذلك، وهذا التوجيه استبعده أيضا العلامة الطاهر بن عاشور.

رابعا : تعقب العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله التوجيهات السابقة، وقدم توجيها بديلا عنها، وهو أن الصحابة أرادوا أن يجعلوا الرسم مشيرا إلى أصل الكلمة، لذلك كتبوا الربا والصلاة والزكاة بالواو، فالصلاة أصلها الصَّلْوَيْن[16] لا الاصطلاء، ونظير ذلك كتابة الألفات المنقلبة عن الياء في أواسط الكلمات بياءات عليها ألفات.

هذه أمثلة ونماذج لما قدمه العلماء من توجيهات ومسوغات للرسم العثماني الذي توارثه المسلمون منذ عهد الخليفة الراشد سيدنا عثمان رضي الله عنه، ولنا عليها عدة ملاحظات :

** اجتهد العلماء في إيراد توجيهات وتعليلات الرسم العثماني، لكنهم لم يستوعبوا جميع ما في القرآن الكريم، لذلك توقفوا في كثير من الكلمات القرآنية ولم يستطيعوا إبراز نكتها وحِكم رسمها، مثل موقف العلامة الألوسي من رسم “لَأَاذْبَحَنَّه”[17] بزيادة الألف بين الذال والألف المتصلة بلام حيث قال : “ولا يُعلم وجهه كأكثر ما جاء فيه مما يخالف الرسم المعروف”[18]، وأصرح منه ما قاله الطاهر بن عاشور في مواضع من تفسيره تعليقا على رسم لم يجد له توجيها مناسبا : “ورسم المصحف سنة متبعة”[19].

** اعتبر البعض أن حذف الألفات من بعض الكلمات كان القصد منه استيعاب النص المكتوب لأكثر من قراءة، ولو كان هذا الحذف مقتصرا على هذه النكتة لكان هذا التوجيه وجيها وسائغا، إلا أنه وقع في القرآن حذف الألف في كلمات كثيرة لا تحتمل قراءة ثانية، مثل كلمتي “الخاشعين” و”العالمين” وغيرهما :

“وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَـشِعِينَ” و”وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـلَمِينَ[20]، فما هو وجه هذا الحذف وأمثاله ؟

** نبه العلماء إلى مراعاة الرسم لبعض الاعتبارات النحوية، مثل توجيه العلامة الطاهر بن عاشور للواو والهمزة في رسم “شُفَعَـؤُاْ”، ولو استحضر الصحابة هذا التوجيه لعمموه على كل الكلمات المماثلة في القرآن، بل إننا نجد بعض الآيات المكررة في القرآن متحدةً في الألفاظ مختلفة في الرسم، ولنا أن نتأمل :

1 – وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ   (سورة المائدة : 87).

2 – ذَلِكَ جَزَؤُاْ الْمُحْسِنِينَ   (سورة الزمر : 33).

فما هو وجه حذف الألف بعد الزاي في “جزاء” الثانية وإثباته في الأولى ؟ وما هي مسوغات رسم الهمزة على السطر في الأولى ووضعها على الواو وبعدها ألف في الثانية ؟ مع العلم أن الجزاء في الآيتين واحد، وهو الجزاء الخاص بالمحسنين.

لن يجد العلماء لذلك من توجيه سوى ترديد عبارة الطاهر بن عاشور “ورسم المصحف سنة متبعة”.

هذه بعض الملاحظات التي تدل على أن توجيه رسم القرآن لم يستوعب جميع ما في القرآن، كما تدل على أن الصحابة لم يلتزموا بنسق واحد في رسم كلمات القرآن، وأنهم فرقوا بين المتماثلات، ولو كان الرسم دالا على نكت وتنبيهات معينة لاطَّرَدَ الأمر في سائر القرآن.

 3 – الرسم العربي في عهد الصحابة :

استعان بعض الباحثين بتقنيات البحث الأركيولوجي لحل إشكال الرسم القرآني، ووقفوا على بعض النقوش الأثرية المكتوبة باللغة العربية، ومنها :

النقش الأول : عثر عليه باحثون ألمان في منطقة تبعد عن دمشق بحوالي 105 كلم، وهو من أربعة أسطر، ونصه :

ابرهيم بن مغيرة الأوسي

أرسلني الحرث الملك على

سليمن مسلحه سنت

423.

يعود هذا النص إلى سنة 423 بالتقويم المعهود عند الغساسنة، وهي السنة الموافقة ل 528 م، والنص يتحدث عن الحارث بن جبلة الذي أرسل أحد أتباعه من الأوس (إبراهيم بن المغيرة) إلى أحد قواده العسكريين (سليمان) قصد تسليحه.

الشاهد في هذه الوثيقة، أنها تعود إلى ما قبل الإسلام بقليل، كما تدلنا على طريقة كتابة بعض الكلمات من قبيل :

*  حذف الألف من كلمات إبراهيم (سطر 1)، والحارث (سطر 2)، وسليمان (سطر 3).

*  التنويع في كتابة تاء التأنيث، حيث كتبت مربوطة (مغيرة) ومبسوطة (سنت).

النقش الثاني[21] : هو عبارة عن شاهِد قبر عثر عليه ذ. حسن محمد الهواري في مصر، وهو من ثمانية أسطر، ونصه :

بسم الله الرحمن الرحيم هذا القبر

لعبد الرحمن بن (خير)[22] (الحجري) اللهم اغفر له

وأدخله في رحمة منك (وإننا) معه

استغفر له إذا قرأ هذا الكتب

وقل أمين وكتب هذا ا

لكتب في جمدى الآ

خر من سنت إحدى و

ثلاثين.

يعود هذا النص إلى سنة 31 هـ (حوالي 651 م)، أي بعد حوالي خمس أو ست سنوات من جمع القرآن، وبالتأمل فيه يتبين الآتي :

  • التنويع في رسم تاء التأنيث، حيث كتبها مبسوطة (سنت) ومربوطة (رحمة).
  • في السطر الرابع، وضع همزة قرئ – مبني للمجهول – على الألف.
  • حذف الألف من كلمتي الكتاب وجمادى.
  • تفريق حروف الكلمة الواحدة بين سطرين. 

تغطي الوثيقتان الأثريتان الفترة الفاصلة بين سنة 528 م و651م، وهي الفترة الزمنية التي تعلم فيها الصحابة الكرام الكتابة، وأثناء هذه المدة كتب الصحابة القرآن سواء في عهد النبي أوبعده في عهد الخليفة أبي بكر ثم في عهد الخليفة عثمان، كما أن الوثيقتين تعكسان بشكل جلي واقع الكتابة في هذا العصر وطريقة وضع الحروف والكلمات، كما نلمس من خلالهما بعض القواسم المشتركة بين رسمهما والرسم القرآني كما هو الشأن في التاءات وحذف الألفات وكتابة الهمزة على خلاف قواعد الإملاء المحدثة من بعد، لذلك استنتج د. غانم قدوري أن رسم المصحف ليس له نظام مستقل، بل إن الرسم القرآني يشارك ما كُتب بالعربية في الفترة التي يرجع إليها رسم المصحف، وبالتالي فهو يمثل مرحلة في تاريخ الكتابة العربية[23]، وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بمرحلة ما قبل التقعيد.

هذا الرأي نجد صداه عند العلامة الطاهر بن عاشور في تفسيره، حيث كرره أكثر من مرة، من ذلك قوله : “لأن زمان كتابة المصحف كان قبل استقرار قواعد الرسم وضبط الفروق فيه بين ما يتشابه نطقه ويختلف معناه”[24]، وقال في موضع آخر : “وقد تقع في رسم المصحف أشياء مخالفة لما اصطلح عليه الراسمون من بعد، لأن الرسم لم يكن على تمام الضبط في صدر الإسلام”[25]، وقال في موضع ثالث : “لأن الرسم القديم لم يكن منضبطا كل الضبط”[26].

إذا كان الرسم غير منضبط بقواعد محددة في ذلك العصر، فلماذا عمد العلامة الطاهر بن عاشور لتوجيه ذلك الرسم والبحث عن توجيهاته ونكته ؟ ولماذا يصر على أن زيادة الألف في “لأَاْذْبَحَنَّه” كانت لمقصد؟ وأن هذا المقصد هو “التنبيه على أن الهمزة مفتوحة، وعلى أنها همزة قطع”.

لقد كانت للعلامة الطاهر بن عاشور آراء ومواقف متضاربة في مسألة الرسم، فتارة يخوض غمار توجيهه وتعليله، وتارة يتوقف ويعلن أن “الرسم سنة متبعة”، وتارة يقرر أن الرسم في عهد الصحابة لم يكن قد استوى على سوقه بعد.

بناء على ما تقرر، يمكن القول بأن الرأي الثالث أكثر منطقية وأدعى إلى القبول، خصوصا أنه مدعم بنقوش أثرية تعكس واقع الكتابة العربية في ذلك العهد المبارك، إضافة إلى ذلك، فإن المتأمل في الرسم العثماني يلمس تأثر العرب آنئذ بكتابة غيرهم، مثل رسمهم لكلمات (الصلاة – الزكاة – …) بالواو بدل الألف، وهو الرسم الأقرب للآرامية (صلوتا – زكوتا – …).

وفي الأخير، أشير إلى أن المسلمين تشبثوا بالرسم العثماني ولو بعد وضعهم لقواعد الرسم الخاص بالعربية، تبركا برسم الصحابة الكرام، واعتبروا موافقة الرسم شرطا في التواتر، وتخصصوا فيه تدريسا وإقراء، وأفردوه نظما وتأليفا، كل هذا عمل على تحصين الرسم القرآني من التبديل والتغيير تأثرا بالرسم المحدث من بعد، بل يمكن اعتبار الرسم العثماني مؤثرا في الرسم العربي الحديث لا متأثرا به، وذلك من خلال الكتابة الحديثة لبعض الكلمات على غير قياس، مثل:

الرحمن ـــــ الرحمان

الإله ـــــ الإلاه

هذا ـــــ هاذا

هؤلاء ـــــ هاؤلاء

لكن ـــــ لاكن

وغير ذلك من النماذج والأمثلة الموافقة للرسم العثماني في الكتابة العربية الحديثة.

خاتمة:

هذه جولات علمية تأملية في قضيتين قرآنيتين لهما بسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه من الوشائج والصلات ما لا يخفى، بينت من خلالها أن الهدف من جمع القرآن في عهد عثمان هو توحيد الناس وتحصينهم من الفرقة والاختلاف، وأن عملية الجمع كانت خاضعة لمنهجية صارمة، حيث شكل الخليفة لجنة مشرفة على العمل، ومنع على أعضائها قبول الآيات القرآنية من غير الصحابة، واشترط على هؤلاء ألا يمدوا اللجنة إلا بما كتبوه إملاءً من الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من التفاصيل المذكورة في البحث، كما عرجت على آراء بعض الباحثين، ونبهت على أخطائهم المعرفية والمنهجية في تناولهم لقضية الجمع القرآني.

ولم يخل العرض من جديد، حيث حاولت الاجتهاد في مسألتين اثنتين:

أولاهما : تتبع أسماء الصحابة أعضاء اللجنة، حيث ذكر ابن حجر تسعة، وأضفت اثنين.

ثانيتهما : بينت السبب الرئيس في عدم مشاركة ابن مسعود في عملية الجمع، وأن عثمان لم يكن مقصيا له.

وأخيرا، يحق لنا أن نتساءل: هل قام عثمان بن عفان في عملية الجمع بعمل تقني محض؟ أم أنه استحضر البعد الحضاري للمسألة؟  

 حين قرر سيدنا عثمان جمع المصحف الشريف، لم تكن الدولة الإسلامية في راحة بال ورغد عيش، بل كانت الدولة في مرحلة من المخاض والحروب، بدليل أن مسألة الجمع أثيرت مباشرة بعد غزاة أرمينية، ولما اقتُرِح الأمر على الخليفة لم يستصغره، ولم يجعله في رتبة دنيا أو وسطى ضمن سلم الأولويات، بدعوى انشغاله بإخماد القلاقل والفتن، بل جعله أولى الأولويات، لما يعلمه من ارتباط الأمة بالقرآن، وهذا يدل على وعي حضاري وعمق تصوري من سيدنا عثمان لا يجوز إغفاله أو إهماله أثناء دراستنا لجمع القرآن ورسمه، لذلك قال غُنَيم بن قيس المازني : “لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرأون الشعر”[27]، لأن الناس إذا اختلفوا في المصحف، وتقاتلوا بسبب قراءتهم للمصحف، وكفر بعضهم بعضا بسبب قراءة المصحف، فإنهم سيبتعدون عنه لا محالة وسيرتمون في أحضان الشعر وغيره.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لائحة المراجع

أولا: الكتب

  1. إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة. الحافظ البوصيري أحمد بن أبي بكر، دار الوطن للنشر، السعودية، ط : 1، 1430 – 1999.
  2. الإتقان في علوم القرآن. جلال الدين السيوطي، تحقيق مركز الدراسات القرآنية، السعودية.
  3. الاستيعاب في معرفة الأصحاب. أبو عمر يوسف بن عبد البر، تصحيح عادل مرشد، دار الإعلام، الأردن، ط : 1، 1423 – 2001.
  4. الإصابة في تمييز الصحابة. الحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، القاهرة، ط : 1، 1429 – 2008.
  5. تاج العروس من جواهر القاموس. السيد مرتضى الزبيدي الحسني، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1421 – 2000.
  6. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. شمس الدين الذهبي، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط : 1، 2003.
  7. تاريخية الفكر العربي الإسلامي. محمد أركون، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي والمركز الثقافي العربي، ط : 2، 1996.
  8. التحرير والتنوير. محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر.
  9. تفسير القرآن العظيم. الحافظ ابن كثير الدمشقي، تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، السعودية، ط : 2، 1420 – 1999.
  10. تهذيب الكمال في أسماء الرجال. الحافظ جمال الدين المزي أبو الحجاج يوسف، تحقيق بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، ط : 1، 1413 – 1992.
  11. جامع البيان عن تأويل آي القرآن. ابن جرير الطبري، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط :1، 1422 – 2001.
  12. الجامع الصحيح، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، مصر، 1312هـ.
  13. الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي، تحقيق وتعليق إبراهيم عطوة عوض، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط : 2، 1395 – 1975.
  14. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. أبو الفضل محمود البغدادي الألوسي، إدارة الطباعة المنيرية/دارإحياء التراث العربي، بيروت.
  15. فتح الباري شرح صحيح البخاري. الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت.
  16. فضائل الصحابة. الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق وصي الله بن محمد عباس، جامعة أم القرى، ط : 1. 1403 – 1983.
  17. الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد. محمد أركون، ترجمة هاشم صالح، لافوميك، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر.
  18. قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الإسلام ؟. محمد أركون، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط : 2، 2000.
  19. كتاب الطبقات الكبير. محمد بن سعد، تحقيق علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، ط : 1، 1421 – 2001.
  20. كتاب الكُتّاب. أبو محمد عبد الله بن جعفر الشهير بابن دُرُسْتُويه، نشره الأب لويس شيخو، بيروت، 1921.
  21. كتاب المصاحف. أبو بكر عبد الله بن سليمان بن أبي داود، تحقيق محب الدين واعظ، دار البشائر، ط : 1، 1423 – 2002.
  22. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل. محمود بن عمر الزمخشري، المطبعة العامرة، مصر.
  23. لسان العرب. ابن منظور، دار المعارف.
  24. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. أبو محمد عبد الحق بن عطية، طبعة وزارة الأوقاف المغربية.
  25. مدخل لعلوم القرآن والتفسير. علال الفاسي، إعداد وتصحيح عبد الرحمن بن العربي الحريشي. 
  26. المسند. الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، ط : 1، 1416 – 1995.
  27. المعجم الكبير. أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق حمدي السلفي، نشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة.
  28. مغني اللبيب. جمال الدين بن هشام الأنصاري، طبعة أحمد البابي الحلبي، بهامشه حاشية محمد الأمير.
  29. المقدمة. عبد الرحمن بن خلدون.
  30. المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار. أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، تحقيق نورة بنت حسن بن فهد الحميد، دار التدمرية، السعودية، ط : 1، 1431 – 2010.
  31. النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة. طيب تيزيني، دار الينابيع، دمشق، 1997.

ثانيا : الدوريات

مجلة المورد. تصدر عن وزارة الثقافة والإعلام، العراق، المجلد 15، عدد : 4، 1407 – 1986.


[1]  تفسير الألوسي : 15/291.

[2]  ابن درستويه، كتاب الكُتّاب : ص 5.

[3]  ابن درستويه، كتاب الكتاب : 11.

[4]  تفسير الألوسي : 18/70.

[5]  الجهني، كتاب البديع : 282. منشور بمجلة المورد.

[6]  ابن خلدون، المقدمة : 748.

[7]  ابن خلدون، المقدمة : 747.

[8]  تفسير الألوسي : 19/185.

[9]  سورة القصص : 48.

[10]  الداني، المقنع : 503.

[11]  الداني، المقنع : 416.

[12]  سورة الروم : 12.

[13]  ابن عاشور، التحرير والتنوير : 21/63.

[14]  التفخيم : ترك الإمالة في الحروف. تاج العروس : 33/200.

[15]  ابن عاشور، التحرير والتنوير : 3/80.

[16]  قال الزبيدي في التاج : “الصلاة عندنا من الواو لكونها من الصلوين”. 38/441.

[17]  سورة النمل : 21، وجه بعض العلماء هذا الرسم بقوله : فيه التنبيه على أن الذبح لم يقع. واعتبر ابن خلدون هذا التوجيه وأمثاله “مما لا أصل له إلا التحكم المحض”. المقدمة : 748.

[18]  تفسير الألوسي : 19/184.

[19]  ابن عاشور، التحرير والتنوير : – 10/201 – 19/152 – 30/556.

[20]  سورة البقرة : 44 – 46.

[21]  هذه الوثيقة الأثرية والتي قبلها أوردهما د. غانم قدوري حمد مع نقوش أخرى في بحثه المنشور في مجلة المورد بعنوان موازنة بين رسم المصحف والنقوش العربية القديمة.

[22]  الكلمات الموضوعة بين قوسين اختلف الباحثون في قراءتها من النقش الأثري.

[23]  قدوري، موازنة بين رسم المصحف والنقوش العربية القديمة، بحث منشور في مجلة المورد، مجلد 15، ع : 4، صفحة : 28.

[24]  ابن عاشور، التحرير والتنوير : ج 10 ص 7.

[25]  ابن عاشور، التحرير والتنوير : 19/248.

[26]  ابن عاشور، التحرير والتنوير : 18/75.

[27]  تهذيب الكمال : 23/123.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق