أفكان المغترب: بين بؤس الهامش وبهرجة الكرنفال: (عبد العالي المتقي)
في قلب منطقة سوس، يتحول طقس “بوجلود” أو “بيلماون” تدريجياً من ممارسة احتفالية غارقة في العفوية الشعبية إلى منصة استعراضية صاخبة تحظى برعاية مؤسساتية رسمية وإعلامية غير مسبوقة. غير أن القراءة التفكيكية تفرض علينا تجاوز ثنائيات القبول السطحي أو الرفض المطلق، لنطرح السؤال الجوهري: كيف تُهندس الظواهر الثقافية اليوم، وبأي آليات، ولصالح مَن؟
إن تحويل ممارسة قروية تقليدية إلى منتج حضري مُموّل ليس مجرد احتفاء بريء بالتراث؛ هو آلية مركبة لإنتاج وعي مغترب، يلتقي فيه بؤس الهامش التنموي بسيكولوجية الانفلات الاجتماعي والثقافي.
أولا : من الثقافة الحية إلى المسخ البنيوي
لكي نفهم حجم الانقطاع المعرفي الذي تعيشه الظاهرة اليوم، لا بد من استحضار الثلاثية الناظمة للهوية الأمازيغية، ورصد كيف يجري اليوم إفراغها من مضمونها الحضاري والقيمي:
- أكال (الأرض/المجال): نبت الطقس تاريخياً في جغرافيا رعوية زراعية حية، حيث كان الجلد والقرن يحملان ثقل علاقة الإنسان الوجودية بالماشية، ودورة الفصول، والوفرة، والذبيحة.
- أوال (اللسان/الرمز): كان الطقس مسيجاً بالمنظومة اللغوية والشعرية من أهازيج وحِكم توازن بين الرهبة والبهجة؛ وكان هذا السياق اللساني هو ما يمنح الممارسة مشروعيتها الأخلاقية ومعناها المشترك داخل القبيلة.
- أفكان (الإنسان/القيم): كان الإنسان هو الفاعل الواعي المحكوم بآليات ضبط اجتماعي صارمة من أعراف وأعيان جماعة وقيم دينية حاضنة تفصل بدقة بين الفزع الرمزي المقبول والإيذاء الفعلي.
عندما يُنتزع الطقس من تربته الأصيلة (أكال)، ويُجرد من سياقه اللساني (أوال)، ويُقذف به في الفضاء الأسمنتي للحواضر، فإنه يتوقف عن كونه ثقافة حية ليتحول إلى “مسخ بنيوي” تبخرت قشرته المعنوية العميقة وبقيت قشرته البصرية المادية التي تُطلب فيها “الصدمة” كغاية في حد ذاتها؛ غير أن النتيجة الأخطر لهذا التحول هو سقوط “أفكان” من صانع للقيم إلى موضوع مجرد للفرجة والتسلية.
تكتسب الظاهرة أبعاداً أكثر خطورة عند إسقاطها على سوسيولوجيا الهوامش الحضرية المكتظة في جهة سوس، وتحديداً في محاور مثل: الدشيرة الجهادية، تراست، أيت ملول، الجرف، المزار، قصبة الطاهر، تمسية، القليعة، تيكوين، والحاجب… إن هذه المناطق وغيرها، التي تشكل أحزمة ديموغرافية ناتجة عن موجات الهجرة القروية المتتالية، تعاني من عجز بنيوي حاد في مقومات التنمية المستدامة من ملاعب قرب، مستشفيات، مكتبات عمومية، وحدائق عمومية… كفيلة بانتشال الشباب من عطالتهم الوجودية.
هنا، تلجأ السياسات المحلية والمؤسساتية بوعي أو بدون وعي إلى صيغة رومانية قديمة للتحكم الاجتماعي والهندسة الثقافية هي: “الخبز والألعاب” (Panem et circenses)؛ والمعنى الحقيقي هو صياغة تخدير احتفالي مؤقت تشرف عليه وترعاه بعض النخب الرسمية و السياسية والجمعوية والثقافية.
تُشرعن المؤسسات للهامش أسبوعاً من الفرح والبهرجة لتفريغ شحنات الغضب الطبقي، وتحرمه طوال السنة من أفق اللعب و الشغل والتعليم والكرامة.
تمنحهم المجالس المنتخبة مهرجاناً صاخباً لـ”بوجلود”، وتستكثر عليهم ملعب قرب أو مكتبة حي أو حديقة عمومية… غير أن القراءة الأعمق تكشف أن هذا الحرمان ليس غياباً عرضياً، بل هو هندسة غياب مقصودة تنتج الهامش كحقل لتجارب التفريغ الطقوسي؛ فالدولة لا تعجز حقيقة عن بناء المرافق، بل تحتاج إلى “هامش غير مكتمل تنموياً” لتعيد إنتاج حاجتها إلى التدخل الرمزي عبر بوابة “حماية التراث”. فالفرجة هنا ليست بديلاً عن التنمية، بل هي الأداة الرسمية لتأبيد الهامش كهامش.
ثانيا :سيكولوجيا الشارع: السيادة الزائفة واقتصاد الانتباه
حين ننزل إلى عمق الشارع في هوامش أكادير الكبرى، نكتشف مساحات سيكولوجية واجتماعية تفكك الخلفيات الحقيقية للطقس المعاش:
أ. السيكولوجيا العميقة لـ “السيادة المؤقتة”
يعيش شاب الهامش طوال السنة حالة من “اللامرئية” الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وعجزاً بنبوياً في فضاء حضري لا يمتلك فيه أي سلطة؛ في حين أن القناع والجلد يمنحانه في هذا الأسبوع ما يسمى “الانقلاب الكارنفالي” (Carnivalesque Inversion). يتنحى كائن الهامش المقهور ليحل محله كائن كلي القدرة في الشارع، يوقف السيارات، يحاصر المارة، ويفرض إتاوات مادية…. ويحتفى به لأنه لبس قناعا يحجب مقهوريته، يصبح القناع درعاً سيكولوجياً لامتصاص كبت سنة كاملة تحت غطاء “الخصوصية الثقافية” المحمية رسمياً.
ب. آليات السوق و”جماليات القبح”
لم يعد الطقس يُمارس لأجل الجماعة وسياقها الثقافي المشترك في القرى والأحياء الشعبية المعروفة تاريخيا بهذا النوع من الاحتفال، بل جرى إخضاعه بالكامل لآليات السوق الجديدة عبر مستويين:
- سوق الانتباه الرقمي: تحول “بوجلود” إلى مادة خام تقتات عليها خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي. الشباب لا يرقصون لبيئتهم المعاشة، بل يستعرضون أمام كاميرات الهواتف؛ تلوين الوجوه الصادم والاعتداءات الرمزية والرقصات الشاردة تهدف حصراً لانتزاع “المشاهدات” وتحويل التراث إلى منتج سريع الاستهلاك لا معنى له ولا روح فيه.
- التلوث البصري: تاريخياً، كان الطقس يعتمد على مواد عضوية نظيفة تحافظ على التناغم البيئي؛ غابت الرموز الأمازيغية ببساطتها، وحلت مكانها جلود مخلطة بأقنعة الزومبي وهوليوود ودماء اصطناعية. هذا المسخ البصري يعكس الفقر الجمالي الحاد لأحياء إسمنتية محاصرة بلا حدائق أو ألوان؛ وإذ يعجز ابن الهامش عن استهلاك حداثة نظيفة لأنه يفتقد مقوماتها الحضارية والعمرانية والجمالية في سياقه الاجتماعي، فإنه يعيد إنتاج البشاعة الغربية بقرون محلية.
ثالثا : فخ “التشييئ”: صيانة الجلد وإهانة الإنسان
إن المفارقة الصارخة في خطاب المنظمات والمؤسسات والفاعلين الأيديولوجيين الذين يروجون اليوم لطقس “بيلماون” باعتباره “موروثاً ثقافياً لا مادياً” تجب صيانته وفق معايير “اليونسكو”، تكمن في تغييبهم التام للعمود الفقري لأي ثقافة حية: وهو الإنسان (أفكان).
في هذا الخطاب الفلكلوري، يقع المروجون في فخ “التشييئ”؛ حيث يتم التعامل مع شاب الهامش في الدشيرة أو تراست أو المزار… باعتباره مجرد “حامل للجلد” أو أداة استعراضية لتأثيث المشهد واقتناص الدعم المالي من الجهات المانحة والحاضنة وتدبيج تقارير الأنشطة الثقافية.
تُصرف الملايين بحماسة لتخليد مظهر جلد الكبش وقرونه الميتة، ويُضرب الصمت المطبق حول صيانة كرامة الإنسان وصون عقله الحي. وحين يطالب الشاب نفسه بمرفق تنموي لحيه يُجافى ويُصد؛ والمطلوب منه مؤسساتياً أن يظل كائناً احتفالياً للبهرجة، ممنوعاً من أن يكون كائناً ثقافياً بوعي ومطالب تنموية. وهو ما ينتج أزمة أخلاقية مزدوجة:
- استدامة البدائية المقنعة: يريد خطاب التراث اللامادي من ابن الهامش أن يظل كائناً “متحفياً” غرائبياً يستمتع به المركز والسائح والمنظمات الدولية، مع حرمانه من شروط المواطنة الحديثة (تعليم راقٍ، فرص شغل حرة، وفضاءات جمالية). إنهم يريدون تخليد الطقس على حساب تنمية الإنسان، يحتفى به حين يكون بقناع وينبذ حين يتجرد منه.
- فصل الثقافة عن التحرر: تاريخياً، جعلت حركات التحرر الثقافي من “أفكان” الغاية الأسمى لتحرير وعيه ولغته وكرامته؛ في حين أن اختزال الموروث في “بوجلود” يمثل ارتداداً نكوصياً يحول الثقافة من أداة لتحرير الإنسان إلى آلية لتنويمه وتدجينه داخل أسوار الهامش البائس.
يحاول الخطاب التبريري شرعنة هذا الواقع عبر أطروحات “تاريخانية مرنة” تزعم أن التراث سيّال ومتغير، مستدلاً بمغالطتين حادتين:
مغالطة القياس بين التقني والأنطولوجي: يزعم هذا الطرح أن تحول بوجلود يشبه تحول وسائط الاستماع (من الكاسيت إلى الرقمي). وهو قياس مع الفارق؛ فتحول الوسائط التقنية هو تقادم طبيعي لا يمس الوعي الوجودي، في حين أن تحول طقس أنثروبولوجي إلى فوضى وعنف وانفلات قيمي في فضاء حضري أسمنتي يمثل انقطاعاً ومسخاً بنيوياً، لا صيرورة تطورية.
وهم النمذجة الغربية وعقدة النقص: يحتج الخطاب التبريري بأن الشعوب الأوروبية تحتفي بطقوس الجلود (مثل احتفالات Krampus في النمسا أو الهالوين) كعلامة غنى ثقافي. وهي مقارنة منهارة؛ فالأوروبيون يمارسون طقوسهم من موقع “الفاعل الحضاري” المستند إلى ركائز التنمية والبحث العلمي والسيادة المدنية بعد أن صهروا تقاليدهم داخل النسق الثقافي الجامع، في حين أن الأيديولوجيا المعاصرة المروج لها محلياً والمحتضنة مؤسساتياً والمدعومة إعلاميا تسير في اتجاه معكوس: اتجاه “الفصل والإلغاء” الذي يضرب المشترك الجمعي للمغاربة ليمارس بعضهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي تمييزاً فجا شعاره “أكادير زاهية والمغرب حاقد”، واضعاً الشاب الهامشي أمام ثنائية مفتعلة وكاذبة: إما أن تكون أمازيغياً بوجلودياً، أو سلفياً مستلباً.
أفق البديل: تحرير الإنسان أولاً
إن حماية التراث الأمازيغي والمغربي عموماً لا تعني تحويل الهوامش غير المحظوظة تنموياً إلى سيرك إثنوغرافي يعيد إنتاج الدونية واستلاب الذات، بل تعني انتشال الإنسان أخلاقيا و معرفياً، علمياً، تنموياً، وجمالياً (بالمدارس، المعاهد، المستشفيات، وملاعب القرب) ليدخل التاريخ كصانع للمستقبل، لا كــأجساد معروضة في الكرنفالات.
إذا كان “أفكان” قد تحول من صانع قيم إلى موضوع فرجة، فإن استعادة إنسانيته لا تمر عبر “إلغاء بوجلود” ولا عبر “تأطيره من أعلى” في هندسة ثقافية نفعية، بل عبر إعادة امتلاك شباب الهامش لشروط إنتاج المعنى، وهي شروط لا تتحقق بالمهرجانات الصاخبة هناك وهناك بل بسياسة تنموية تعيد توزيع السلطة المادية والمعرفية وتحقق العدالة المجالية لأبناء الهامش.
إن ما يُسمّى اليوم “تراثاً لا مادياً” في خطابات بعض المروجين، ليس في حقيقته سوى هندسة ثقافية تفكيكية للنواظم الجامعة، تعمد إلى تضخيم طقس محلي على حساب كرامة الجسد المُهان، والطاقة المُبدّدة، وزمن التنمية المهدورة، والكرامة المسلوبة تحت غطاء “الاحتفال”. وإلى أن ينقلب السؤال جذرياً من “كيف نحمي بيلماون؟” إلى “كيف نُحرر الإنسان من بيلماون؟”، سيبقى بوجلود مرآة مقلوبة تعكس، في بهرجها الصاخب، فقراً وجودياً حاداً للمعنى، وتفكيكاً عميقاً للذات الثقافية بأدوات محلية.



