رحيل إدغار موران.. آخر حكماء الفكر المُركّب(إدريس أوهلال)
رحل أمس الجمعة، عن عمر ناهز 104 أعوام، عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران؛ أحد آخر العقول الكبرى التي لم تكتفِ بشرح العالم، بل حاولت أن تعيد تعليم الإنسان كيف يفكر فيه. وبرحيله لا يفقد الفكر الإنساني مجرد أكاديمي مرموق أو فيلسوف موسوعي، بل يفقد شاهداً حياً على قرن كامل من التحولات، والحروب، والانهيارات، والأوهام الكبرى، والأسئلة التي لم تتوقف عن مطاردة الإنسان الحديث.
كان موران أشبه بذاكرة قرنٍ كامل تمشي على قدمين. عاش الحرب العالمية الثانية، وصعود ثم انهيار الأيديولوجيات، وظهور العولمة، وتحولات الإنسان المعاصر من كائنٍ يبحث عن المعنى إلى كائنٍ تلتهمه السرعة والتقنية والاستهلاك. لكنه، رغم كل هذا العمر الممتد، لم يتحول إلى حكيم يوزّع اليقينيات، بل بقي حتى سنواته الأخيرة مفكراً قلقاً، يزداد تواضعاً أمام تعقيد العالم كلما اتسعت معارفه.
وفي كتابه العميق: «دروس قرن من الحياة»، لا يكتب موران سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل يكتب ما يمكن تسميته بـ«خلاصة الحكمة المتأخرة». إنه لا يسرد الأحداث بقدر ما يستخرج منها قوانين خفية لفهم الإنسان والحياة والتاريخ. وكأن الرجل، بعد مئة عام من التجربة، أراد أن يقول لنا: إن المشكلة الكبرى ليست أننا نجهل العالم، بل أننا ما زلنا نفكر فيه بعقول مبسطة لا تليق بتعقيده.
أحد أهم الدروس التي يكررها موران هو أن الإنسان ليس هوية واحدة، بل كيان مركّب ومتعدد، ولذلك رفض كل أشكال الاختزال الهوياتي التي تحبس الإنسان داخل تعريف واحد مغلق. لقد أدرك مبكراً أن الكوارث الكبرى تبدأ حين تتحول الهوية من نافذة للتعارف إلى جدار للعزل.
ومن هنا نفهم لماذا كان موران من أوائل من تحدثوا عن «الفكر المركّب». فالعالم، في نظره، ليس آلة ميكانيكية يمكن فهمها عبر التبسيط والتقسيم، بل شبكة هائلة من العلاقات المتداخلة، حيث يتعايش النظام والفوضى، والعقل واللاعقل، والتقدم والانهيار، في اللحظة نفسها. ولذلك كان يرى أن أكبر خطأ ارتكبته الحداثة هو وهم السيطرة الكاملة على الواقع، بينما الحقيقة أن الحياة محكومة دائماً باللايقين.
ولهذا تبدو تجربته الشخصية درساً بليغاً في هشاشة المصير الإنساني. فموران يعترف بأن الصدفة لعبت دوراً هائلاً في حياته؛ لقاءات عابرة غيّرت مساره، وقرارات صغيرة صنعت مستقبله، وأحداث غير متوقعة أعادت تشكيل وعيه. ومن هنا يصل إلى واحدة من أهم أفكاره: أن التاريخ لا يُصنع فقط بالخطة والعقل، بل أيضاً بالمفاجأة والاحتمال والطارئ الذي لا يمكن التنبؤ به.
لكن ما يمنح كتابه فرادته الحقيقية ليس الجانب الفكري فقط، بل دفاعه العميق عن «فن العيش». فموران، رغم انشغاله بالفلسفة والسياسة والمعرفة، كان يرى أن الحياة لا تختزل في النجاح أو الإنجاز أو القوة، بل في القدرة على التذوق الإنساني للحياة: الحب، والصداقة، والسينما، والشعر، والجمال، والانفعال، والدهشة. كان يعتقد أن الإنسان الحديث أصبح أكثر كفاءة، لكنه أقل حياة.
وفي زمنٍ تتحول فيه العلاقات إلى معاملات، والإنسان إلى رقم، والسعادة إلى مؤشرات استهلاك، كان موران يذكّر بأن أعظم حاجات الإنسان ليست مادية فقط، بل حاجته إلى الاعتراف، إلى أن يُرى بوصفه إنساناً لا وظيفة أو أداة أو رقماً في نظام ضخم. وربما لهذا كان يرى أن كثيراً من أزمات العالم المعاصر ليست اقتصادية فحسب، بل أزمات معنى وكرامة وإنسانية.
لقد عاش موران قرناً كاملاً ليدرك في نهايته أن النضج الحقيقي لا يعني امتلاك الأجوبة النهائية، بل القدرة على التعايش مع الأسئلة المفتوحة. وأن الحكمة ليست في تبسيط العالم، بل في تحمّل تعقيده دون انهيار. وأن الإنسان لا يصبح أكثر إنسانية حين ينتصر، بل حين يحتفظ بقدرته على النقد الذاتي، وعلى مراجعة أوهامه، وعلى رؤية هشاشته الخاصة.
برحيل إدغار موران، ينطفئ واحد من آخر الأصوات التي قاومت اختزال الإنسان، واختزال المعرفة، واختزال الحياة نفسها. لكن أفكاره تبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى؛ لأن العالم الذي وصفه بوصفه عالماً معقداً، مضطرباً، وغير يقيني، لم يعد احتمالاً فلسفياً، بل أصبح واقعنا اليومي.



