المقالاتغير مصنف

مفارقات…بين يدي إجبارية جواز التلقيح واختيارية التلقيح. (عبد الحق دادي)

 

إن الملاحقات القانونية تعتمد على مقاييس متناسبة مع ضوابط منطقية منسجمة مع منطق الأفعال البشرية، ومن ثم كانت خصائص القاعدة القانونية تتحدد من خلال هذه المنطلقات، وعليه فإن فقرات القاعدة القانونية تخضع لنظام مخصوص يتدرج من تحديد الاختصاص ومقتضياته المسطرية للتنزيل، فيما تستقل الفقرة الثانية على الشروط المعينة التي لا يمكن تجاوزها.

وعليه فإن الاستناد على الفقرة الأولى من المادة الثالثة من قانون الطوارئ الصحية[1]، و إن إهمال مقتضيات الفقرة الثانية من نفس المادة تحد من هذه الصلاحيات، وهذا نص الفقرة الثانية “لا تحول التدابير المتخذة المذكورة دون ضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية، وتأمين الخدمات التي تقدمها للمترفقين”، وبالنظر القانوني لهذه الفقرة يمكن استعراض النقط القانونية التي تحددها:

1- ضمان استمرارية المرفق العمومي.

2- ضمان استفادة المرتفقين من المرفق العمومي.

3- تسهيل وضمان استفادة المرتفق من المرفق لعام.

إذا اكتفينا بهذه النقط القانونية فإننا نلاحظ ابتداء، أن جوهر هذه المادة القانونية، وموضوعها، وأسها الارتكازي هو المرتفق، إذ بدونه تكون هذه المادة غير ذات موضوع، وتسقط حجيتها القانونية، وعليه؛ فإن العبارة العامة التي جاءت في الفقرة الأولى من المادة 3 تحدد مقتضياتها الفقرة الثانية من نفس المادة، ثم إن الفصل 21 من الدستور يحدد الحق في الحياة الذي يشكل أول الحقوق وأبرزها، والحق في السلامة الشخصية والممتلكات الخاصة، حيث جاء في فقرته الأولى ما يلي:

(لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقربائه، وحماية ممتلكاته. تضمن السلطات العمومية سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع)

ولعل هذا التدرج للتأكيد على أصالة هذه الحقوق وأهميتها البالغة، فالحق في السلامة الشخصية متضمن في حق الحياة كما أنه لا يمكن تصور الممتلكات الشخصية بدون مالكها، ولأهمية هذه الحقوق أتى النص الدستوري بمجموعة من الفواصل الحقوقية تحقيقا لهذا الحق الأسمي، فقد نصت الفقرة الثانية من الفصل 24 من الدستور “على ضمان حرية التنقل عبر التراب الوطني والاستقرار فيه، والخروج منه، والعودة إليه، مضمونة للجميع وفق القانون “

كما أن الحق في التنقل من أقدس الحقوق، حيث حظي هذا الحق باهتمام بالغ في العهود والمواثيق الدولية، وكذا الدساتير الوطنية، فنصت الفقرة الأولى من المادة الثانية عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه: ” لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق التنقل فيه، وحرية اختيار مكان إقامته “

كما أكدت المادة الثالثة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على : “أنّ لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة و يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه “.

فحرية التنقل عبر التراب الوطني والاستقرار فيه، والخروج منه، والعودة إليه، مضمونة للجميع وفق للقانون

وجاءت الفقرة الأولى من المادة الثانية عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لتضيف سندا قانونيا دوليا بنصها على ما يلي: (لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق التنقل فيه، وحرية اختيار مكان إقامته).

وبعد؛ ودون الاستغراق في الحدود الفاصلة في قواعد الاختصاص، وكذا إلزامية تدرج القوانين، واعتماد قاعدة الحقوق الأساسية التي لايطالها التجاوز إلا في الظروف الاستثنائية، فإن هذا القانون أصبح فاقدا لموضوعه، ومن ثم فقد مشروعيته.

بعد هذه المنازلة القانونية التي تثبت خروج هذا البلاغ الحكومي عن طور قانونيته من حيث الموضوع، فإن مواصلة النظر يحقق خروقا على مستوى الشكل أيضا، ذلك أن قواعد النظر القانوني تعتمد المصلحة المتحققة، من غير تلبس وليس على المداورة والمغالطات المنطقية، فالقول بأن الحماية الجماعية أمر ضروري، لا ينتج بالضرورة أن اللقاح يححق هذه الغاية، فالوسط الحجاجي لم يبرهن عليها، وهو كون اللقاح يحقق الوقاية، فالبرهنة العلمية مصرح بها في النتيجة وكأنها علة موصولة بالمعلول، وهذا النمط من الحجج المغالطية تستعمل في حلتين :

  1. عند تحقق المخاطب من جهل وضعف النظر العقلي عند المخاطب.

  2. أو عند الإلزام؛ والمراد منه إلغاء إرادة المخاطب، ومصادرة الموضوع، ويدخل أيضا في حجج المصادرة وهي حجج مغالطية أيصا.

وفي الأخير فإن هذا الإجراء الحكومي صادر حق الاختيار، واستهجن عقول المخاطبين، وألزمهم بما لا يلزم، وهو بذلك قوض جميع أركان التجمع البشري القاضي بتعيين دوائر الفعل الجماعي ومنه دائرة الديمقراطية بكل شكلياتها.

ولذلك فإن اجتماع هذه الأشياء، تخرج هذا الإجراء من جميع أركان القاعدة القانونية، وتلقي به في أحضان القواعد الاضطرارية الإكراهية، ولكم واسع النظر.


   تقول المادة 3 في فقرتها الأولى “على الرغم من جميع الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، تقوم الحكومة، خلال فترة إعلان حالة الطوارئ، باتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها هذه الحالة، وذلك بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية، أو بواسطة مناشير وبالغات، من أجل التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض، وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص وضمان سالمتهم”.  [1]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق