المقالات

العدل أساس الفكر النقدي: نماذج قرآنية(نادية لوطفي)

  العدل في اللغة العربية بمعنى القسط والحق” القسط هو العدل البين الظاهر ومنه سمي المكيال قسطا والميزان قسطا لأنه يصور لك العدل في الوزن حتى تراه ظاهرا وقد يكون من العدل ما يخفى ولهذا قلنا أن القسط هو النصيب الذي بينت وجوهه وتقسط القوم الشئ تقاسموا بالقسط.[1] ” وهو القسط اللازم للإستواء وهو استعمال الأمور في مواضعها وأوقاتها ووجوهها ومقاديرها من غير سرف ولا تقصير  لا تقديم ولا تأخير”[2]

       وفي القرآن الكريم فقد وردت مفردة العدل بمعنى الحق والقسط والإنصاف ومهما بينا مراده فلفظ العدل يبقى أقوى لفظ لتعبير على دلالته بحيث لا تضاهيه مفرده أخرى فهو لفظ واحد في معناه متعدد في استعمالاته جاء في عدة سياقات قرآنية نذكر منها ما يلي : قال تعالى”إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا”[3]“”إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ”[4]. فالظاهر في هذه الأيات أنها تفيد العدل في الحكم بين الناس في ما يختلفون فيه والحكم بين الناس غالبا ما يكون في القضاء والسياسة والتدبير، لكن هذا لا يخفي حقيقة الحكم بين الناس في ما قد يختلفون فيه، فالباحث و الناقد يمارس الحكم على الناس في مارسته النقدية ويعطي خلاصات نتائج تعتبر أحكاما ينبغي أن يتحرى ففيها الحق والقسط والإنصاف قال تعالى “وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى”[5]، فالقول بالعدل والحق لا محاباة فيه ولا تحيز لقرابة أو لنسب أو لأي سبب من الأسباب التي تجعل الناقد يميل بنقده عن العدل .

وقال أيضا جل وعلا” الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”[6].وقال “وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ “[7] فالأمر بالعدل بين الناس في كل شيء حتى في خلافاتهم وأقضيتهم وأشياءهم .

       فالعدل هو أساس حفظ الحقوق ورعايتها وأساس بناء الإنسان والعمران، وقد بين الله تعالى أهميته ومركزيته في أية ربط فيها بمفهوم أخر يبين مكانته ووسعه بحيث لا يقتصر على الحكم السياسي بل يتعداه إلى منهج في الحياة قال تعلى”إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ”[8]  فالعدل في الممارسة النقدية واجب وأساس إن لم ينبني عليه النقد فلا وجود للنقد، ولأهميته يشدد الله عز وجل على ضرورته ويتوعد من يستهتر به قال تعالى”تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”[9]. وقال متوعدا الظالم الغير عادل” وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ”[10] فالظالم هو من لم يحقق العدل في حكمه بين الناس قال تعالى”وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”.[11]

      ومن خلال ما سبق  يمكننا القول إن الوحي يعتبر مرجعية مؤسسة في الفكر الإسلامي لتوفره على منظومة قيم عليا تحكم وتوجه عمل الإنسان إذ “لا تكفي السنن الكونية والمادية وحدها في البناء الحضاري والازدهار العمراني، فلابد من منظومة قيم مرجعية مؤطرة تسدد وترشد حركة الإنسان في فعله وإنجازه”[12]  و الفكر النقدي أحد أهم عوامل البناء الحضاري وشروطه ولا يمكن الإشتغال به خارج القيم أو عار عنها و”مادام الإنسان كائنا نسبيا عرضة لمختلف الآفات، كان لازما أن تكون تلك المنظومة من غيره لا من عنده وليس ثمة من يعلم العلم المطلق بالكون والكائنات إلا خالقها سبحانه وتعالى”[13]  ومن هنا لابد من استحضار القيم التي سطرها الوحي لتوجيه فعل الإنسان ومن أهمها قيمة العدل كقيمة كلية مستوعبة لمجموعة من القيم التي تنضوي تحتها، والتي تمكن الإنسان من تحقيق إنسانيته فغياب العدل في فعل الإنسان يلغي الفرق بينه وبين أفعال باقي الكائنات.

 فليس عبثا أن يجعل الخطاب القرآني قيمة العدل قيمة مركزية ضرورية فإذا “دققنا النظر في القرآن وجدناه يدور حول محور واحد هو العدل، من كل الأفكار القرآنية من التوحيد إلى المعاد ومن النبوة إلى الإمامة و الزعامة ومن الآمال الفردية إلى الأهداف الإجتماعية، فالعدل في القرآن قرين التوحيد وركن المعاد وهدف  تشريع النبوة وفلسفة الزعامة والإمامة ومعيار كمال الفرد ومقياس سلامة المجتمع”[14]  فكان العدل هو الذي جاء في القرآن الكريم بفعل الأمر مكررا في مواضع متعددة ومختلفة ليبينه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من أمر بالعمل بالعدل قال تعالى “وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ[15]  فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بتبليغ شرع الله الذي يضمن العدل بين الناس في مختلف مجالات حياتهم وهو بذلك مأمور بتحقيق العدل لكونه الحاجز الوحيد القادر على رفع الظلم بل منع وجوده ذلك هو مقصد المقاصد كلها “فالحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم هو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه ذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري وهي الحكمة العامة المراعاة للشرع في جميع مقاصده الضرورية الخمسة “[16]

    وقد خص الله تعالى العدل في القرآن الكريم بفعل الأمر “وأمرت_ إن الله يامر_” وتكرار فعل الأمر تأكيد على أهميته في تدبير الحياة بين الناس قال تعالى”إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ[17].فالإنسان مأمور بالعدل في كل أقواله وأفعاله قال تعالى”وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى”[18]  ويؤكد القرآن الكريم دائما على العدل في العلاقات الإنسانية وقد ربطها بالعدل في الميزان، بحيث أهمية العدل بين الناس لا تقل عن أهميته في المعاملات الإقتصادية، فإذا كان غيابه في مجال الإقتصاد يؤدي إلى سيادة الظلم والجور فإنه في المعاملات الإنسانية أخطر وأظلم.

ثم يأتي أيضا بصيغة الأمر في مختلف مجالات الحياة ومن أهمها مجال الحكم بين الناس قال تعالى”وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ[19] فالحكم بين الناس يحمل دلالات متعددة منها الحكم على أعمالهم وإعطاء قيمة معينة لها، وينبغي أن تكون مبنية على العدل أي مراعاة الحق والتحيز له وليس للأشخاص.

   والنقد نوع من الحكم بمعنى التقييم والشهادة التي ينبغي أن تقوم على العدل قال تعالى “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[20]أي كونو في أحولكم قائمين بالقسط الذي هو العدل كما اتفق على ذلك المفسرون وقال أيضا”َيأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا[21] فالشهادة بالعدل ولو على النفس ثم يأتي النهي عن اتباع الهوى وهو تحذير من التقرير والحكم على الأشياء بدافع اتباع الهوى دون توفر مصادر موضوعية.
       ويتجاوز مفهوم العدل منطق المساواة ليمتزج بقيم الرحمة والمسؤولية
قال تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ[22] قال “ابن كثير مفسرا قوله تعالى ولايبخس منه شيئا أي لا يكثم منه شيء “[23] فينهى عز وجل عن بخس الناس أشيائهم أو تقييم أفعالهم بحسب قوتهم أو ضعفهم فليس الأخر من يفرض عليك أن تكون عادل بقدر ما ينبغي أن يكون منطلق العدل من عقيدتك وإيمانك قال تعالى “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[24] فالصلح  بين الناس أيضا بالعدل دون تمييز أحدهما على الأخر ودون تحيز لطائفة دون أخرى.

      وفي موضع أخير يبين الله عز وجل في كتابه الحكيم قيمة العدل في البناء الحضاري والعمل التنموي قال تعالى”وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[25] فقد قارن بين عطاء الأمر بالعدل والرجل الكل وهو الذي لا يبادر ولا يتحمل مسؤولية ويفضل التبعية والتقليد في مقابل من يأمر بالعدل هو الذي قائم على الحق داع إليه غير مستكين ولا مقلد. 
  وقد ورد لفظ دووا عدل عدة مرات دلالة على وصف من يتصف بالعدل بين الناس إشارة إلى اختيار من يتصف بالعدل من الناس في المقام الأول العدل في الحكم بين الناس “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ” ثم اختار من يتصف بالعدل للقيام بالشهادة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ. [26]

    إن قيمة العدل قيمة وجودية فقد بنى الله عز وجل شريعته على الصدق والعدل.قال تعالى وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً[27] وبالتالي فقد”اهتم القرآن الكريم اهتماما استثنائيا بالعدل التشريعي، أي مراعاة أصل العدل دائما  النظام الإعتباري والتشريع القانوني، وقد صرح ذلك الكتاب المعجز بأن الهدف من إرسال الرسل إنما هو قيام النظام البشري وإرساء الحياة الإنسانية على أساس العدل والقسطّ…فإن الأصل الكلي الذي نسبه القرآن إلى كل الأنبياء بخصوص النظام التشريعي ولاسيما في الشريعة الإسلامية هو”قل أمر ربي بالقسط”[28].

فالقسط بمعنى العدل والعدل “بمعنى مراعاة الاستحقاق، والعدل بمعنى مراعاة التساوي في حق الله يؤديان إلى نتيجة واحدة، وعلى هذا يوجب العدل الإهي أن لا يكون هناك أي ترجيح أو تفاوت بين المخلوقات، مع أننا نلاحظ ألوانا من التفاوت في عالم الوجود، وكل مالدينا إنما هو التفاوت والتنوع والإختلاف”[29] ولكن العدل في كنهه وحقيقته يتجاوز البعد الحقوقي الذي أشار إليه صاحب النص أعلاه يتجاوز البعد التشريعي، صحيح أن جزء مهم من الدين الإسلامي هو قوانين وشرائع وهي قائمة على أساس العدل، لكن لا يقف العدل عند هذا المستوى التشريعي أو الفقهي بل يتجاوزه ليكون إلى المستوى القيمي والأخلاقي الذي يؤطر حياة الإنسان بما فيها من قوانين وأحكام ونظم، هو قيمة عليا أساس لمجموعة قيم.

    ولعل الفكر النقدي باعتباره ممارسة تشتغل على موضوعات تتميز بالإختلاف والتنوع لابد من أن يتأسس على قيمة العدل بل لابد أن تكون القيمة المركزية فيه حتى تضمن سلامته من الزيغ عن الحق والصواب أو اتباع الهوى أو التحيز الإديولوجي، فلا اتباع إلا لما شرع الله عز وجل ولا تحيز إلا للحق الذي يضمن الإستحقاق والحق ولا يتحقق الحق إلا بالعدل، وقد ذكر الله عز وجل قيمة العدل في حياة بعض الأمم السابقة والتي جعلت من العدل منهج للحياة، وبين كيف صانها من الفساد والظلم ووصف الله تعالى بالعدل مؤمنين فى الأمم السابقة “وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ[30] وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ[31].

      وبالتالي فإن تأسيس الفكر النقدي على أسس القيم والأخلاق قد يسهم في خفض نسبة الصدام المتوقع والحرب الدائمة التي حذر منها عقلاء البشرية جميعا فيكون دور النقد الأخلاقي أن يوضح كيف أن هذا الناقض القائم في الواقع الكوني تترتب عليه نتائج تنعكس بسوء على التوازن السلوكي والأمن الأخلاقي للأشخاص والأمم، وكيف أن الحاجة تدعو إلى إيجاد الوسائل لدرء الإنعكاسات السيئة فضلا عن رفع هذا النتاقض، وقد يمهد البحث عن هذه الوسائل الطريق لبروز كونية بديلة يتسق فيها الجميع بين امتلاك القوة والإعتراف بالأمم، وما من شك أن هذه الكونية الجديدة هي من جنس الكونية المتنوعة التي سبق ذكرها.” [32]” إذا كان الأصل في الضوابط الأخلاقية هو المنع، فإن هذا المنع لا يتعلق مطلقا بأفعال الخير، إنما يتعلق بأفعال الشر وحدها، ولا يخفى أنه لا إبداع في أفعال الشر، لأن الإبداع مقرون بالتشييد، في حين أن الشر مقرن بالتدمير، الإختراع الذي يدمر أخلاق الأمة ويخل بالعمل التعارفي، إن عاجلا أو أجلا، ليس بلإبداع في شيء، وعلى هذا، يكونلاالمنع الأخلاقي، على خلاف مزاعم بعظهم، أفضل وسيلة للنهوض بالنشاط الإبداعي داخل الأمة”[33] فإصلاح الذات” يمر بفحص نقدي للمجتمع الذي نعيش فيه، ايضا بإنعام النظر حول كينونتنا البيلوجية ويمثل هذا العمل جهدا تاريخيا حقيقيا، ويتطلب ثقافة موافقة له، والسؤال الراهن معرفة إذا كنا نملك الوقت لذلك، يمعنى أن قوى التدمير قد تسبق هذا العمل وتبدد كل شيء في الهواء “[34] و”الفعل الذي يأتي به الإنسان لا يخلو، إما أن يجلب له منفعة، فيكون خيرا، أو يجلب له مضرة، فيكون شر، وهذا الوصف هو الذي يضفي عليه الصبغة الأخلاقية، وإذا تعلقت بالفعل قيم أخرى، فإن هذه القيم تابعة للقيم الخلقية، فمثلا الصحة المنطقية خير كما أن الفساد المنطقي شر، والجمال الجسدي خير والقبح الجسدي شر، ومعلوم أن الخيرو الشر هما قوام الأخلاق”[35]ثم إن ” القيم الخلقية ليست نوع واحد وإنما نوعان ” قيم عامة” وقيم خاصة”أما القيم الخلقية العامة فهي مستمدة من الفطرة الأدمية، فمثلا،، لا أحد ينازع في خيرية العدل وشرية الظلم، ولا يتصور وجود كونية حقة بغير اعتبار هذه القيم والعمل على مقتضاها، أما القيم الخلقية الخاصة، فلاشك أنها تختلف باختلاف الأمم و تتغير بتغيير الأزمنة، ومع هذا، فإنه يجوز أن تكون بعض القيم الخاصة بالمجتمع الأقوى قد رفعت إلى رتبة القيم العامة لغلبة خصوصيته على سائر الخصوصيات الأخرى، ولإنزالها منزلة الكونية الملزمة للإمم كافة”[36].


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق