المقالات

قانون “الانعزالية” الفرنسي: مواجهة الخصوصية بالتحيز والسطوة. بقلم / (مروان القطب)

يأتي هذا القانون مع تنامي الوجود الاسلامي داخل المجتمع الفرنسي، الذي اصبح له وجود ظاهر ووازن داخل المدن الفرنسية وفي المؤسسات العامة والجامعات. الا ان تمسك المسلمين بعاداتهم وتقاليدهم الاسلامية لم يكن مرحبا به من قبل المجتمع الفرنسي، كالملبس والصلاة الجماعية، والاحتفال بالاعياد، والتمسك بالعادات الاسلامية التي لها مظاهر اجتماعية. فتم النظر الى ذلك بانه رفض للاندماج الاجتماعي، واصرار على التمسك بمظاهر ثقافة مختلفة عن الثقافة الفرنسية. ومع زيادة اعداد المسلمين، في فرنسا، اصبح هناك مجتمع اسلامي منفصل له عاداته وتقاليده، ما اثار حفيظة المجتمع الفرنسي التقليدي، الذي لم يتقبل هذا الوجود الاجتماعي المختلف، فالفكر الفرنسي الاستعلائي يعتقد ان ثقافته هي الافضل وهي التي حملت التنوير والمعاصرة، وان المهاجرين الذين قصدوا بلادهم هربا من الواقع الاجتماعي غير المتحضر عليهم ان يندمجوا في المجتمع الفرنسي، لا ان يكونوا مجتمعات منعزلة خاصة بهم.لذلك وجد اليمين الفرنسي ” المتطرف والوسط” بضرورة وضع تشريع قانوني يهدف الى وضع ضوابط لهذه الحالة الاسلامية التي تشكل خروجا على المجتمع الفرنسي، وتشكل تهديدا له يقتضي مواجهته.من هنا اطلق على قانون الانعزالية من قبل مؤيديه تسمية “القانون الذي يضمن مبادىء الجمهورية”.واعتبر الرئيس الفرنسي ” ان المشكلة القائمة حاليا في فرنسا انه باسم الدين او الانتماء ينعزل البعض عن الجمهورية، ولم يعد يحترم القوانين، وهذا الامر يشكل خطرا على العيش المشترك داخل الجمهورية. لذلك فان عدونا هو ” الانعزالية”، وهي الظاهرة التي رصدت منذ عقود والتي تنطوي على ارادة الانفصال عن الجمهورية. لم اعد احترم الافكار التي بسبب الاعتقاد والانتماء تخرج من نطاق الجمهورية، وهذا امر غير مقبول”. Governement: Projet de loi confortant le respect des principes de la Republique. Dossier de presse. Mercredi 9 Decembre 2020, p3.ونلاحظ من كلام الرئيس الفرنسي انه يعتقد بوجود ثقافة واحدة داخل المجتمع وهي المتماهية مع الجمهورية الفرنسية، في حين تشكل اي ثقافة اخرى خروجا عن الجمهورية وانعزالا عنها، وهذا قمة التقوقع ورفض للاخر، وويمثل عدم تقبل للمختلف في الرأي. كما ذهب الرئيس الفرنسي الى ان هذا النمط من الممارسة يهدد العيش المشترك، ما يعد دليلا اضافيا على ان الاجتماع الفرنسي لا يتمتع بالمرونة الكافية لتقبل التعدد الثقافي، بل اكثر من ذلك اعتبر الرئيس الفرنسي ان هذه الظاهرة هي العدو الذي يهدد الجمهورية ويقتضي مواجهته.ويمكننا ان نعتبر ان الفكر الفرنسي قد وجد في الممارسات الاسلامية من قبل المجتمع الاسلامي نوعا من الانعزالية او الانفصالية عن المجتمع، وبرر مواجهة هذه الظاهر بانها تهدد العيش المشترك، وتؤدي الى تفكك الجمهورية، الا انه قابل الانعزالية ” بالتحيز” والمعالجة “بالسطوة” وهذا الامر سيؤدي حتما الى الاحتقان الاجتماعي في ظل تنامي المجتمع الاسلامي للذي يشكل ٨،٥% من اجمالي عدد سكان فرنسا، ويقتضي التعامل معه بانفتاح وتفهم لعاداته وتقاليده، والتعاطي بالسطوة والقوة لن يخدم المصلحة الاجتماعية، وسيولد احتقان لا احد يستطيع تداعياته المستقبلية.اما فيما خص الممارسات الاسلامية التي شبهت وكأنها خروجا على القانون، فهي عبارة عن عادات وطقوس دينية، يعتقد من يمارسها بانها تقربه الى الاله الذي يؤمن به، وصحيح انها تبرز هوية مختلفة عن نمط الهوية الفرنسية، الا ان ذلك يشكل ممارسة لابسط حقوق الانسان في ممارسة ما يؤمن به، لطالما ان ذلك لا يتعارض مع النظام والاداب العامة، وهي تمثل خصوصية ثقافية قائمة في كل مجتمع، كما ان التنوع الثقافي والاجتماعي هو سمة الحضارات الكبرى لانها تغني التنوع وتعكس الانفتاح والتحضر. ولا يمكن تصور العالم بنمط ثقافي واجتماعي واحد في زمن العولمة وانفتاح دول العالم على بعضها البعض.وفي هذا المجال نتساءل لماذا هذه المشاكل الاجتماعية والمتعلقة بتقبل الاخر ليست موجودة على هذا المستوى من الحدة، وعلى مستوى المشرع، في الولايات المتحدة وبريطانيا، الا يعني ذلك وجود ازمة داخل الفكر العلماني الفرنسي، في فهم مفهوم العلمانية، ومبادىء الحريات العامة وحقوق الانسان، ام ان الفهم الفرنسي لافكار التنوير وصل الى حد اقصاء الاخر من حيز القبول، واعتبار ان الثقافة التي وصل اليها الغرب هي المثالية والافضل، وعلى الجميع الخضوع لها طوعا او جبرا؟؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق