المقالات

في الحاجة إلى بناء نظرية أخلاقية أصيلة -3- هشام لعشوش

اعتبار البعدين السلوكي والعقلاني وأثره في بناء المقاصد عند الإمام الشاطبي

معرفة اختيارات الشاطبي المذهبية والكلامية جزء لا يتجزأ من عملية الكشف عن الأنساق المعرفية والمنهجية التي أطرت نظريته المقاصدية، فقد كتبت المادة الأصولية لدى الشاطبي في زمنية أندلسية أشرفت شمسها على الأفول، فاستشعرت هذه المادة اللحظة التاريخية التي انتشر فيها الفساد الأخلاقي والفكري والسياسي، وأصبح يهدد كينونة الأمة في وجودها، لذلك وجدنا أن” القصد التربوي كان حاضرا في كل لمسة تجديدية للشاطبي، في المصطلح الأصولي، بل لقد كان كتاب المقاصد كله، نظرية في الإصلاح التربوي، امتدت فروعها إلى سائر الأبواب الأصولية الأخرى، لأن فكر أبي اسحاق الأصولي إنما بني على ذلك الأساس”( ) .

لقد تمثل هذا الأساس في إضافة المعطى المقاصدي إلى بنية المادة الأصولية، فأتاح لها إمكانية الجمع بين الفقه والأخلاق؛ جمعا بنيويا يوحد عملية النظر في الخطاب الشرعي ويسهر على تفعيل أحكامه، الأمر الذي أهله ليشكل وعيا متقدما بأخلاقية التشريع الإسلامي، وكأنها أضافت إلى المستصفى الذي هذب من نزعته الكلامية، إحياء علوم الدين الذي سيج بسياج قواعد الأصول، هو مزج شمل عناصر اجتهادية متعددة أطرت الفعل التكليفي وتوجت باعتبار المآل، وبناءً على هذا التصور “الجديد كان بيان الشاطبي للأحكام التكليفية والأحكام الوضعية بيانا مختلفا عما هو مألوف، في بيئة اتسمت بانتشار فلسفة فوضى المعيار سواء داخل السياسة التي حام حول حماها الهوى، أو داخل فلسفة التشريع التي تذكت فيها البدعة وحل في ربوعها العماء وسوء استخدام العقل مما حصل خلطا في حدود المصالح والمفاسد”( ).

ثم إن تبني المغاربة لمذهب مالك بن أنس الذي جمع بين أهل الحديث وأهل الرأي، جعلهم يقدمون ما قدمه مالك، وفي هذا السياق وجدنا أن الإمام الشاطبي قد تأثر بهذا الاختيار المذهبي في مجالات عدة، كان من أبرزها الابتعاد عن سائر القضايا الكلامية المجردة واهتمامه بالعمل، حيث قال:” كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره كثرة السؤال فيما لم ينزل فيه حكم بناء على حكم البراءة الأصلية إذ هي راجعة إلى هذا المعنى”( ).

واعتمد كذلك عمل أهل المدينة حجة كما هو عند مالك، وبين أن تقديمه ” إنما كان يراعي كل المراعاة العمل المستمر والأكثر، ويترك ما سوى ذلك وإن جاء فيه أحاديث، وكان ممن أدرك التابعين وراقب أعمالهم، وكان العمل المستمر فيهم مأخوذًا عن العمل المستمر في الصحابة، ولم يكن مستمرا فيهم إلا وهو مستمر في عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في قوة المستمر”( ).

قاعدة مالكية أخرى أخذ بها الشاطبي وهي المصالح المرسلة التي اختلف فيها الأصوليون، فقد بين الغزالي أنه” نقل عن الإمام مالك الحكم بالمصالح المرسلة، ونقل عن الشافعي فيه ترددا وفي كلام الأصوليين أيضا نوع اضطراب”( ).

أبو إسحاق اعتبر أن “المصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، فهي الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول، وإن كان فيها خلاف بينهم، ولكن لا يعود ذلك بقدح على مانحن فيه”( ).

ومع هذا فهو لم يكن متعصبا لمذهب معين، حيث صرح بأن كتابه الموافقات هو محاولة “للتوفيق بين مذهب أبي القاسم وأبي حنيفة”( ).

اقتضى منهج الجمع هذا: اعتماد الدرس المقاصدي آلية قمينة بتقليص هوة الخلاف بين الأصوليين في مسائل عديدة، معتبرا أن غالبيته نابعة من عدم تحرير محل النزاع، ومن ذلك مثلا اختلافهم في سد الذرائع واتفاقهم في اعتبار المآل، فقد نقل عن مالك أنه حكم بقاعدة الذرائع” في أكثر أبواب الفقه، لأن حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة…. ومن أسقط حكم الذرائع كالشافعي، فإنه اعتبر المآل أيضا… فقد ظهر أن القاعدة متفق على اعتبارها في الجملة، وإنما الخلاف في أمر آخر”( ).

ولعل ما ذكره الشاطبي في منهجه التوفيقي بين المالكية والحنفية من باب غلبة الأثر عند الأول والرأي عند الثاني وليس اقتصارا على أحدهما. منهج التوفيق سنجده كذلك في اختياراته الكلامية، والتي تجاوزت” النسقية الاستدلالية للمذهب الكلامي، معتزليا أکان أم أشعريا، وذلك بعدم الوفاء لخصوصية المذهب”( ).

المتفحص لنقول الإمام الشاطبي ذات البعد الكلامي يحتار في تصنيفها ضمن نسقية كلامية محددة، إذ تشعرك تارة باعتزالية فكر صاحبها، خاصة في اختياراته التعليلية المعقولة، وقوله بضرورة الاستناد إلى العقل في بناء التعليل المقاصدي، وكذا قوله قبل ذلك بمعقولية الشريعة وصلاحيتها في الحال والمآل، وتارة أخرى تنضح اختياراته فكرا أشعريا عندما يؤكد على ترجيح الشرع على العقل، وقوله (بحكم البراءة الأصلية)( )، وقوله بأن الله تعالى أوجد الخلق غير مدركين ابتداء لوجوه المصالح في الدنيا والآخرة( ) ، وهي القضية التي اشتهرت بالتحسين والتقبيح، حيث قال فيها الشاطبي بقول الأشاعرة (إسناد معرفتها إلى الشرع)، وبيانه أن الإنسان خلق غير مميز للخير والشر، وهيئ لهذا التمييز وهذه المعرفة بوسائل الإدراك.

لم يكن قول الشاطبي ببعض الآراء الاعتزالية -وهو الذي نشأ في بيئة أشعرية- تنكراً لمذهب كلامي، بقدر ما فرضته غاية بناء نظرية مقاصدية أخلاقية عبرت عن نفسها بكونها إصلاحية تعليلية معقولة، كما لم يكن تبنيه لمواقف الأشاعرة وفاء لموروث كلامي، بل كان حاجة ملحة للعودة إلى عقيدة السلف الصالح ومناكفة التأويلات المنحرفة، وإعادة الاعتبار للنص الشرعي عبر منهج الاستقراء تحقيقا للمصلحة.

وفي المقال اللاحق، نتحدث بإذن الله تعالى عن الاستقراء المعنوي، الذي استند إليه الإمام الشاطبي، في بناء صحيح الاعتقاد والفقه والأخلاق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق