المقالات

القانون الدولي في فلسفة هيجل(حمزة الودان)

يعرف هيغل القانون الدولي (International law) بأنه صادر: «من العلاقات بين الدول المستقلة ذاتياً، وهذا هو السبب في أن ما هو مطلق فيها يتخذ صورة ما ينبغي أن يكون، ما دام وجودها الفعلي يعتمد على إدارات مختلفة كل منها عبارة عن سيد»([1]). هذه العلاقات حسب هيغل تقوم بين الدول على أساس الاعتراف المتبادل، والذي يفضي إلا احترام استقلالية بعضهم البعض، علاوة على هذا يمكن لدولة ما أن تتدخل في شؤون دولة أخرى بشرط موافقة أو دعوة الأخيرة إلى ذلك. في حين أن الدول التي لا صلة لها بالدول الأخرى تظل محاصرة داخل حدودها، وإن اتصفت بالشرعية.

       ويسأل هيغل: هل يمكن أن نلقب شعبا متدنياً في سلم الحضارة بالدولة؟ أجاب هيغل هنا من وجهة نظر دينية معتمدا على مثالين من الماضي (الشعوب الإسلامية، والشعب اليهودي) إذ يقول: «لقد كانت وجهة النظر الدينية…تتضمن تعارضاً على مستوى عال بين، شعب معين وبين جيرانه وهكذا ينبذ الهوية العامة المطلوبة في حالة الاعتراف»([2]).

       وفي علاقة الدولة بالدول الأخرى، نجد أن هذه العلاقات تتخذ شكل عقود، تنبع من الإرادات التعسفية للدول، هذه العقود ذات المضمون الجزئي كما أورد هيغل، تجد إشباعا في الدول المستقلة التي تعتمد على بنيتها الداخلية. وهنا، ما يتخذ صفة الكلية هو القانون الدولي، لكن: «هذا الشرط الكلي لا يتجاوز حالة ما ينبغي أن يكون، وما يحدث فعلاً هو: أن العلاقات الدولية تسير طبقاً للمعاهدات وتتغير وفقاً لقطع هذه العلاقات»([3]).

       يجعل هيغل دور الوساطة بين الدول، في هيئة حَكَم بينهم؛ لأن الكلمة الأخيرة، لإراداتهم المستقلة. وعلى خلاف هذا الرأي، نجد موقف كانط الداعي إلى تأسيس «عصبة أمم» لتجنب الحرب، لكن: «حلم السلام الدائم فهو في نظر هيجل ليس إلاَّ حداً فحسب. كما أن هيجل لا يؤمن بامكان [بإمكان] قيام سلطة دولية فعَّالة ومؤثرة»([4]). علاوة على هذا، يشير هيغل إلى أن فكرة كانط لا تخرج عن دائرة الإرادات الخاصة بالدول، لذا سيظل التناقض قائما فيما بينها.

      في حالة لم يصل الطرفان إلى حل لنزاعهما يُحسم النزاع بالحرب، لكن هيغل لا ينسى أن للحرب أضرارها، هذه الأضرار قد تنحل بسببها المعاهدة القائمة بين الدولتين؛ لأن الدولة المستقلة ستحمي مصالحها الخاصة لأقصى حد ممكن، ويضيف هيغل أن الدولة الفردية المستقرة دائما ما تسعى إلى ما وراء حدودها، بقدر ميلها لتلقي الضربات.

       «الدول في علاقاتها بعضها ببعض فهي جزئية وكل منها ينشد مصالحه الخاصة. والجزئي هو بالضرورة الفصل Differentia (بالمعنى المنطقي للفظ) بين الأنواع»([5]). ومنه جعل هيغل القانون الأعلى هو صالح الدول الخاص. وبسبب هذا التنوع في المصالح الجزئية للدول، تصل هذه الأخيرة مرحلة الاعتراف.

       وفي حديثه عن علاقة الأخلاق بالسياسة، يُميز هيغل بين صالح الدولة (الجوهر الأخلاقي)، وصالح الفرد، إذ أن الدولة لها وجود عيني؛ بحيث أن هذا الوجود العيني هو عين أفعالها، وليس أوامر أخلاقية كما يقول الأفراد، لهذا جَعْلْ العلاقة قائمة على التضارب، هو نتيجة: «أفكار سطحية عن الأخلاق Morality وعن طبيعة الدولة، وعلاقتها بجهة النظر الأخلاقية»([6]).

       ويشير هيغل إلى أن حالة الحرب هي حالة غير مستمرة، إذ حتى في حالة الحرب تظل العلاقة بين الدول قائمة، بحيث تتجسد في تبادل الأسرى…، وهذا ما سماه هيغل «بأخلاق الأمم» ويؤكد هيغل على ضرورة: «صون احتمال السلام (وهكذا، مثلا، نجد أنه ينبغي احترام المبعوثين أو الممثلين للدولة) بصفة عامة ينبغي ألا تشن الحرب ضد المؤسسات الداخلية، أو ضد سلامة الأسرة الحياة الخاصة، أو ضد الأشخاص وقدراتهم الخاصة»([7]).

      وبالجملة، العلاقات بين الدول تتصف بالجزئية، هذا ما يترتب عنه عدم استقرار في العلاقات بينها، «ولئن لم يوجد حاكم يفصل في الواقع بين الدول، فإن هناك حكماً غير محسوس هو التاريخ العالمي، تاريخ روح العالم»([8]).


[1] هيغل، فلسفة الحق، ترجمة إ.ع.إ ، مكتبة مدبولي، 1996، ص 594.

[2] المصدر نفسه، ص 595.

[3] المصدر نفسه، ص 596.

[4]  ولتر ستيس، فلسفة الروح (المجلد الثاني من فلسفة هيغل)، ترجمة إ.ع.إ، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2005، ط3. ص 122.

[5] المصدر نفسه، ص 122-123.

[6] هيغل، فلسفة الحق، ترجمة إ.ع.إ ، مكتبة مدبولي، 1996. ص 598.

[7] المصدر نفسه، ص 598.

[8] عبد الرحمان بدوي، فلسفة القانون والسياسة عند هيغل، دار الشروق، 1996، ط1. ص 226.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق