المقالات

التاريخ الثقافي والاجتماعي للقبيلة في المغرب(عبد العالي قايدي )_ج1_

على سبيل التقديم:

إن الكتابة والبحث في التاريخ الاجتماعي والثقافي للقبيلة في المغرب ومدى تنوعها الثقافي يجعل الباحث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا أمام إشكالية كبيرة حول تاريخ ظهور وتشكل القبيلة قبل فترة الحماية باعتبارها مجتمعا تقليديا يسود فيه روابط القرابة والمساوات والتحالف والتضامن بين مختلف أفرادها ، باعتبارها نسق من التنظيم الاجتماعي يتضمن عدة جماعات محلية يتم النفوذ داخلها ، أي الحديث عن السوسيولوجيا القروية ما قبل الكولونيالية بالمغرب ، وبالتالي نطرح هذه التساؤلات التي من خلالها يمكن معرفة مدى حضور السوسيولوجيا مند زمن بعيد وما لعبته من دور هام في دراسة القبيلة ، وعليه إلى أي حد يمكن الاطمئنان والحديث عن القبيلة وما تحويه من ثقافة مند فترة ما قبل مرحلة الاستعمار؟ وهل الوازع الديني والتضامن هو ما يوحد القبيلة ؟ أم أن الفضاء الذي تتحرك فيه هو ما يحدد القبيلة ؟ أم أن الفضاء الذي تتحرك فيه هو ما يحدد التحامها وتحالفها ؟ كيف يمكن معرفة مدى التغيير والتحول الذي عرفته القبيلة خلال الفترة الرهينة بالمغرب ؟ أم أنها لا زالت تعيش على ايقاع نغمات الثقافات المحلية الماضية ؟ وما الدور الذي تلعبه القبيلة في تقسيم العمل الاجتماعي داخلها؟ وهل هنالك نوع من المساوات والاندماج بين أفرادها ؟ أم أن هناك تراتبية اجتماعية وثقافية سائدة هناك؟

أولا: مفهوم القبيلة:

إن مفهوم من المفاهيم التي عرفت تعاريف عدة في حقل الأبحاث الأنثروبولوجيا، واستعمل في دراسته مجتمعات مختلفة في مواطنها الجغرافية وفي تاريخها ونمط حياتها وتنظيمها الاجتماعي. فالإفراط في استعمال هذا المفهوم جعله عاما وغامضا وغير دقيق، بل فاقدا حتى للإجرائية التحليلية وبالخوض في تعريفات القبيلة المتعددة، والتي دفعت لأحد أبرز الأنثروبولوجيين المعاصرين إلى الحديث عن مفهوم القبيلة [1]، ففي تحديد لهذه المؤسسة الاجتماعية بالتعريف الذي يعتبر القبيلة مجموعة بشرية مكونة من قسمات (فخضات وبطون وأعراش…) ومجموعات اجتماعية يجمع بينها رابط القرابة الدموية (سواء أكان حقيقيا أو وهميا) من خلال الانتماء إلى جد مشترك، وهذه العلاقة ليست الرابطة الوحيدة التي تجمع مكونات القبيلة، فهي تتأسس أيضا على تعاقد اجتماعي.

وفي أية دراسة حول تاريخ القبيلة وبنياتها يجب التمييز بين المنظور السوسيولوجي والمنظور الأيديولوجي لأبناء القبيلة والعوام. يحتل البعد الجغرافي (التراب) أحد محددات القبيلة، لأن رابطة النسب لا تكفي لوحدها، فالمجموعة التي يجمع أرضا (تراب)، تمارس عليه سلطتها وتدافع عنه، ويشكل جزء من هويتها، وهذه الأرض لا تحدد فقط طابع عيش الجماعة بل تؤثر بقوة على العلاقات الاجتماعية. فالمحدد الإيكولوجي له دور مهم في البنيات الاجتماعية.

إضافة إلى النسب والتراب فإن الاشتراك في قيم وتمثلات ومبادئ وتقاليد وممارسات اجتماعية ونظام رمزي، يعد مكونا في تحديد الوحدة القبلية، فلكل قبيلة داخل مجال ثقافي واحد خصوصيات معينة في تقاليد الزواج وقواعده وطقوس وممارسات وأعراف تميزها عن القبائل الأخرى. إذا كانت الهوية الثقافية واللغة مشتركة بين عدة قبائل تتعايش في مجال واحد، فإن القبيلة تنفرد بكونها تمنح المنتسب لها الأرض والنساء والطعام كما كتب كدوليييه [2].

يذهب “بول باسكون” “paul pascon” في تعريفه للقبيلة، والقبيلة المغربية تحديدا إلى اعتبارها “جمعية سياسية مبنية على عوامل اقتصادية وجغرافية: كما تعبر عنها علاقات الإنسان بالأرض، والطاقة البشرية والثورة الطبيعية  لفضاء ما في مستوى “تكنولوجي معين”. وإذا كان هذا التحديد في عموميته وطابعه التجريدي، قد يوحي بنموذج موحد للقبيلة استنادا إلى مؤشرات: (سياسية، اقتصادية، جغرافية، تكنولوجية وإيكولوجية أيضا)، فإن المؤشر أو البعد التاريخي، وعلى العكس من ذلك يضع الباحث أمام واقع التنوع والتعدد[3].

فالقبيلة حسب “رحمة بورقية” ترى بأن هناك فرقا كبيرا بين “التجمع القبلي” و”التحالف القبلي” “والاتحاد القبلي” وهذا المصطلح الأخير هو الذي استخدمته الأنثروبولوجية على نطاق واسع، وكذا السيكولوجيا الكولونيالية.

أما التجمع القبلي فهو الذي يضم مجموعة قبائل تكون فروعا في الاتحاد القبلي[4].

ويقوم التعريف القبلي عادة على اعتماد المجموعات القبلية في انتمائها إلى جد أعلى مشترك، انتماء يميزها من مجموعات أخرى مماثلة ويفصلها عنها، بحيث تكون العلاقات بين الطرفين علاقات تعارض وتنافس وصراع [5]. ويعتبر شيلود (chelhod) أن النويري هو الذي قدم مورفولوجية القبيلة حينما وضع تصنيفا دقيقا تندرج فيه عبر تشكلها المستمر، ففي قاموس علم الاجتماع يتم تعريف القبيلة على أنها نسق في التنظيم الاجتماعي يتضمن عدة جماعات محلية، مثل القرى والبدنات والعشائر، وتقطن القبيلة عادة اقليما معينا ويكتنفها شعور قوي بالتضامن والوحدة يستند إلى مجموعة من العواطف الأولية، هكذا تقوم القبيلة على مبدأ لمواجهة أو الاحتكاك في كل مستوى من الوحدات التي تتميز بالتساوي تقريبا. وهذا ما يؤدي إلى إقامة توازن عام يؤدي إلى نوع من الحماية [6].

فالقبيلة عند “ابن خلدون” لا تتحدد بكونها جماعة متفرعة عن جد أول، كما لا تتحدد فقط بما يجمع بين أعضائها من روابط الدم، كما حدد ذلك الأنثروبولوجيون الكلاسيكيون. إن السبب في معناه الضيق لا يعدو أن يكون معطى وهميا لا يصمد أمام واقع الاختلاط وعلاقات الجوار والتعايش في المكان.         أما الإطار الحقيقي للقبيلة عند “ابن خلدون” فهو النسب في معناه الواسع والرمزي، وما يمثله من أشكال التحالف والولاء والانتماء. فابن خلدون يؤكد دور المكان، أي الأرض الذي يشكل محور التحام الجماعة. ومما يذكي الإحساس بالانصهار ضمن الجماعة القبلية ويعزز تلاحمها الداخلي الخطر الخارجي الذي قد يهدد استمرار وجودها، سواء كان ناجما عن عصبية زاحفة من خارجها أو عن تدخل السلطة المركزية. كما أن علاقات القرابة والتحالف الموجودة بين أعضاء القبيلة الواحدة تؤدي إلى إقامة الفوارق بين المجموعات القبلية،  التي كثيرا ما تسبب في عمليات  التنافس الحاد والصراع على المواد ومصادر العيش. وهذا ما يدفع إلى إضفاء طابع الصراع الدائم والمستمر على المجتمع القبلي [7].

فالقبيلة عند بعض الأنثروبولوجين أمثال “إيفانز بريشارد” يرى بأن القبيلة هي الفاعل في النسق السياسي الذي تحد ملامحه الظروف الإيكولوجية والمعايشة (الفلاحة والرعي)، هذه الظروف هي التي تحدد أشكال العلاقات وأنواعها. ويرتكز هذا النسق على القرية كوحدة صغرى يتم النفوذ السياسي داخلها بحسب شبكة المصاهرات. وهذه الشبكات تنقسم إلى فروع قبلية أولية وفروع قبلية ثانوية تتحدد أحجامها بحسب امتلاك الأرض. أما العلاقات بين مكونات النظام القبلي فتقوم على الانقسام والتعارض، ويلعب نظام الثأر دورا أساسيا في الحفاظ على النسق السياسي الداخلي للمجتمع القبلي.

أما “غليز” فهو يتميز بتخصصه في القبيلة المغربية، وعلى اتفاقية مع “إيفانز برتشارد” في منحى التحليل الانقسامي، فإنه تنبه إلى وجود كثير من المفاهيم المتمايزة وغير المتطابقة، خصوصا تلك التي ترتبط بموضوع القبيلة يمكن اعتبار أن القبيلة وحدة اجتماعية تشبه الجزيرة، خصوصا في مستوى الوعي الثقافي… فالقبيلة تعتبر بهذا المعنى مثل المجتمع المستقل أخلاقيا” [8].

 كما استعمل “غيلنر” مفهوم القبيلة للإشارة إلى التجمعات اللغوية. الثقافية الصغيرة والقديمة، أو تلك التي تفتقد إلى الوعي بكينونتها وتكوينها، الخاص كأمة. وهذا المعنى الذي يستخدمه الفرنسيون عمليا في معنى “الإثنية”. والقبيلة الشمال أفريقية ليست من هذا الصنف على رغم  وجود إثنيات في المنطقة، يرى “غيلنر” أن وجود قبائل عربية وأخرى بربرية يمنع من اعتبار مجموع عرب شمال أفريقيا أو مجموع بربر المنطقة يمثلون قبيلة، والسبب هو وجود تواصل ثنائي واجتماعي وتداخل قرابي بينهما فرضته الأحداث وحتمه التعايش على صدى التاريخ الوسيط والحديث، لذلك لا توجد حدود ثقافية بين الإثنتين بالمعنى الدقيق للعبارة [9].

لقد تسرب هذا المفهوم إلى بعض علماء الاجتماع المعاصرين الغربيين مثل “مافيزولي” (maffesoli) الذي يستخدم مصطلح (tribu) للإشارة إلى الجماعة المتضامنة. إن إطار الاستخدام هو التعبير عن إحدى إشكاليات المجتمع الما بعد الحداثي، فهو المفهوم الما فوق –فردي (supra-individualisme) يطرح مقابل النزعة الفردانية والمفاهيم المنبثقة عنها، وهي مفاهيم مرتبطة بمجال علم النفس أكثر ارتباطا بمجال علم الاجتماع.

لقد تحدث “مافيزولي” عن “فرد من القبيلة” وعن “تجميل السياسي” معبرا عن واقع الصراع بين المجموعات المتبلورة في المجتمع، بما في ذلك مجتمع الجامعة الفرنسية.

والمهم هنا هو أن بعض علماء الاجتماع الغربيين يطلقون مفهوم القبيلة على المجموعات المتقابلة، والتي تكون دوائر شبه مغلقة، لها مصالحها من قرابة دموية إلى قرابة تخصصية أو مصلحية، كما أنهم يستخدمون هذا المفهوم للدلالة على الجماعات والجمعيات والتنظيمات الرياضية والدينية والفنية[10].

إن “مافيزولي” لم يبق مثل غيره أسير مقولات المدرسة الدوركهايمية وغيرها، بل حاول شأن القليلين، أن يقدم تبريرا علميا لعودة القبيلة فهو يعتبر أنه من الوهم القول بأن المجتمعات المتطورة قد فقدت علاماتها التقليدية. ففي إطار الحديث عن القبيلة ذهب “بول باسكون” بعيدا في نقده لمفهوم القبيلة بالقول بأن القبيلة في المغرب الكبير لم تكن سوى نموذج مثالي، بالمفهوم الغيري، تم تحقيقه جزئيا، كما هو الشأن بالنسبة للشيوعية في بعض البلدان. إذن فالقبيلة لم تعد سوى مفهوم يجمع مجموعة اجتماعية تضم عدة مكونات وكذلك على تحديدات سياسية وإدارية تتحول إلى جماعات قروية تضم عناصر من تلك القبائل [11].

عمل “باسكون” كذلك على مراجعة أسس النظام القبلي، خاصة ما تعلق بالنسب الأبوي، الذي يستند على الأصل البيولوجي وأن المحافظة على الاسم الموحد هو مجرد حماية تاريخية، حيث استخلص عبر عدة دلائل أن مجمل قبائل  المغرب اليوم هي نفسها قبائل الأمس، فمنها التي تفككت  أو تقلص حجمها، ومنها التي أصبحت مجرد فرع قبلي أو اندمجت في قبيلة كبرى.

إذن فالقبيلة هي تعبير عن المطالب التاريخية لملكية الأرض أو حقوق الماء أو امتيازات أخرى، حيث تعود كل مجموعة اجتماعية إلى مرحلة مجدها وقوتها التاريخية وهجرتها من مكان إلى آخر لإثبات حقوقها على حساب الآخرين. بالنسبة “لجاك ببرك” طرح سؤالا نقديا “ما القبيلة في شمال إفريقيا؟” وذلك لمناقشة ومراجعة الباحثين الذين سبقوه في دراسة هذه المسألة، حيث أجاب بكل بساطة أن القبيلة هي مجتمع “التجمع”،

 فهي مثلها مثل العائلة نتاج اندماج  للأفراد بشكل ثقافي لتصل إلى جماعة تتشكل باستمرار إلى أن تتموقع داخل مجتمع واسع، فقبيلة سكساوة مثلا التي درسها الباحث تشكلت عبر زواج العديد من اللاجئين والمنفيين بنساء القبيلة الأصلية ليحصلوا فيما بعد على حق استغلال الأرض ومياه هذه القبيلة.

توصل “جاك بيرك” إلى أن الروابط القبلية الثقافية رغم كونها تحيل إلى انتماء جنيالوجي حقي، كما يقلل من أهمية الجد المشترك على اعتبار أنه أسطورة، وهو ما جعله يستخلص، على الأقل بالنسبة لقبيلة سكساوة أنها تجمع إنساني أسس وفق عقد اجتماعي يضع عدة تعاقدات وعلاقات إلزامية بين المجموعات الاجتماعية التي تشكل حول العظم وليس بين الأفراد، كما ترى أغلب النظريات السوسيولوجية، حيث استعان هنا بمختلف العقود التي درسها منذ بداية مساره العلمي سواء في الجزائر أو في المغرب.

توصل “جاك بيرك” كذلك من خلال دراسته للبنيات الاجتماعية للأطلس الكبير (1955) إلى بعض الاستنتاجات النظرية التي مفادها أن المجموعات القبلية في الأطلس الكبير تتشكل أساسا من خلايا عائلية أبوية تتشابه فيما بينها ولا تختلف إلا من ناحية التركيب، فهي تتشكل في القمة من النسب الأبوي في صيغته الحقيقية أو الوهمية، وترتبط قاعديا بخلايا متشابهة، تنتظم في تجمعات لها أشكال متنوعة، إذ لم يفهم البحث السوسيولوجي حتى اليوم أسباب تنوعها حيث قال: “إننا لم نعثر بعد على المبدأ العام الذي تنتظم وفقه هذه التجمعات ولو عرفنا ذلك لاكتشافنا إحدى القوانين الأساسية التي تتحكم في تنظيم المجتمع المغاربي [12].

في ذات السياق أظهر “ميشو بلير” اهتماما كبيرا بالقبائل في فكره السوسيولوجي وذلك بفضل الأدوار التي لعبتها في تاريخ المغرب، حيث قال بأن سكان المغرب إلى حدود الحماية الفرنسية كانوا يعيشون في نظام قبلي. ولتشخيص واقع القبيلة بالمغرب اعتمد “ميشو بلير” على التاريخ الاثني والروايات الشفوية، حيث حدد في كتابه “قبائل الشاوية، أن القبيلة هي تجمع لعائلات وأفراد لهم نفس الاسم، وهذا الاسم يعود للنواة الأولية التي تجمعت حولها العناصر الأخرى، خاصة اللغة وليس الجسد المشترك كما يبدو في تسميتها، فالعاطفة التي تجعل من القبيلة تجمعا لعائلات تنحدر من جد واحد لم تعد سوى قيمة صورية. 

أعطى “بلير” نموذجا لقبيلة أولاد حريز بالشاوية والتي تأسست  حول نواة قبيلة أمازيغية هي أولاد صالح البورغراطية، والتي انضم إليها فيما بعد عرب أولاد سليم واولاد  جابر، غير أن هذه القبيلة ستحمل اسم أولاد حريز نسبة إلى شاعرها حريز بن تميم بن عمر.

تبين “لميشو بلير” من خلال النماذج القبلية التي درسها سواء بالشاوية أو باللكوس أو بشمال المغرب أن هذه القبائل تشكل عبر التجمع بين العناصر العربية والأمازيغية التي اختفت وذاب رغم محاولتها الحفاظ على أصولها وعاداتها، كما يرى أن مستويات الحياة القبلية معزولة ومنفصلة عن بعضها البعض ويسود بينها عنف شديد. وهي نفس الفكرة التي تحدث عنها ” ادموند دوتي” قبله بعشر سنوات.

دعا “ميشو بلير” إلى تركيز الاهتمام على القبائل الأمازيغية  التي تعود إلى مرحلة ما قبل الإسلام والتي حافظت على نظامها الاجتماعي وعاداتها وقوانينها العرفية، وذلك للتمييز بين ما هو أمازيغي محلي وبين ما هو عربي إسلامي مستوردها. كما أضاف بالقول: إن مؤسسات هذه القبائل لم تعرف أي تغير حتى في ما تعلق بأوضاعها الخاصة، حيث حافظت على عاداتها التقليدية التي تعود إلى ما قبل دخول الإسلام بتحليل وضعية القبائل الأمازيغية، رأى “ميشو بلير” بأنها كانت على هامش المخزن، وذلك لأسباب سياسية ترتبط برفضها للسلطة السياسية والاقتصادية للسلطان مع قبول سلطته الدينية، على اعتبار أنها تنتمي للأمة الإسلامية، إذن فعلاقة المخزن بهذه القبائل علاقة رمزية وليست سياسية، وبما أن هذه القبائل الجبلية تعيش خارج سلطة المخزن، فإنها، حسب اعتقاد “ميشو بلير” تسير نفسها عبر مؤسسة، جماعة، التي اعتبرها مؤسسة سياسة مستقلة بذاتها عن سلطة المخزن [13].

ثانيا : محددات القبيلة:

  1. المساواة:

يقوم المجتمع القبلي في كثير من مظاهره ومضامينه على المساواة والعدالة بالمقارنة بمجتمع المدينة، وهذا ما يدل  عليه ضعف الفروقات بين أفراد القبيلة. كما يطغى التضامن القبلي بين الأفراد والمجموعات الفوارق الفردية ويضعفها. فالطبقة الهرمية تكاد تختفي في القبيلة لأن الملكية مشتركة في أغلب الأحيان.

لكن القول بمبدأ المساواة في المجتمع القبلي المغربي التقليدي يجب أن لا يذهب بنا إلى ما ذهب إليه دارسوا الحقبة الاستعمارية، حينما بنوا فرضيات واهية حول الديمقراطية، القبيلة وانعدام التراتبية الاجتماعية والسياسية، ومعلوم أن هذه الصفة ألصقت بالمجموعات “البربرية” بهدف تكريس مبدأ الاختلاف والانقسام داخل البناء الاجتماعي المغربي، صحيح أن طبيعة المجتمع القبلي ذي التجارب البسيطة في تقسيم العمل، وذي القاعدة الاجتماعية الصلبة القائمة على مبدأ التضامن، نوحي بغياب التدرج والهرمية، وتوحي بالمساواة بمعناها العام، لكن ذلك لا يمكن أن يخفى وجود تفوت في توزيع الثروة والسلطة، وبالتالي الجاه، بين المجموعات المكونة للبناء القبلي.

 إن العلاقة القائمة على رابطة الدم تمثل غشاء إيديولوجيا يحجب التفاوتات والفوارق وما ينتج منها من تناقضات بين مختلف الشرائح الاجتماعية، وتوجد عوامل خارجية (تدخل الدولة) تتمثل في ابتزاز أوفر قسط ممكن من فواضل الإنتاج لدى هذه المجموعات عن طريق الأنظمة الجبائية ، فتضعف نتيجة لذلك حدة الفوارق الاجتماعية [14].

  • التدين:

هل الوازع الديني لدى القبيلة المغربية ضعيف فعلا؟ أم أن العصبية الدينية حاضرة وأساسية في تأسيس القبيلة وتكوينها والتحامها كما يرى بن خلدون؟ يمكن التمييز بين المرحلة التي خصها ابن خلدون بالدراسة وهي القبيلة العربية في العصر الوسيط، حينما كان الالتحام القرابي يستند إلى عصبية دينية تمثل الرابطة التي يجتمع حولها المجتمع القبلي، والمراحل الحديثة والمعاصرة حيث لا يلعب التدين الدور المركزي في التحام القبائل ظل حتى وقتنا الراهن يتمركز حول التشارك في العصبية القرابية (الحقيقة أو الوهمية- الضيق أو الواسعة) وحول التشارك في استغلال الفضاء والتحرك فوقه، وإذا ما وجدت روابط روحية بين الجماعة القبلية، فإنها ظلت رهينة وجود زاوية أو طريقة لا تشكل في حياة الجماعة غير جزء من نشاطها الموسمي أما الرابطة الدينية (الإسلام) فهي أوسع من الفضاء القبلي، إنها قاعدة الانتماء الواسع إلى المجتمع الشامل. لقد مثل هذا الانتماء كما أشار إلى ذلك غيلنر الرابطة الواسعة التي جمعت مختلف القبائل إلى فضاء حضري أشمل، منع من التفوق وقلص من التهميش. وبالرجوع إلى الاعتراف والنظم الداخلية للقبيلة المغاربية يتضح مدى اعتماد تشريعاتها على قواعد إسلامية حتى في أسوء أحوال توتر علاقتها بالمركز القريب أو البعيد.

  • الحرية:

لقد كان دفع المجبى بالنسبة إلى القبائل وفي مختلف المراحل، تعبيرا عن الخضوع إلى المركز السياسي. وسادت في بعض المراحل علاقات ما بين قبيلة تقوم على تحكم القبائل القوية في القبائل الضعيفة عبر فرض الإتاوات عليها. وقد اتخذت تلك العلاقات عدة أشكال تراوحت بين التحالف والحماية والإخضاع، فأصبحت الضريبة رمزا للتمييز في المجتمع القبلي، بين القبيلة السيدة صاحب “الملك” والقبائل المسودة [15]. وخصوصا تلك التي كانت تعيش على الترحال دون أن تضبطها حدود، وكانت تعتبر نفسها كيانا حرا شبه مستقل. ذلك  ما يجعل القبيلة كبناء اجتماعي شبه مغلق ترفع في بعض المراحل شعار الحرية اتجاه مختلف أشكال التدخل في فضائها، ولذلك كثر التمرد في تلك الفضاءات قديما وحديثا. ومن جهة أخرى فقد أفرزت القبيلة المغربية في العصر الحديث قيادات وطنية واجتماعية كان لها دور بارز في التاريخ السياسي، انطلاقا من مبدأ الحرية الذي يميز حياة المجتمع القبلي.

  • أصل القبيلة: المغرب، المشرق

يمثل كل المغرب الأقصى والمشرق (الجزيرة) المرجعية الأساسية لانتساب القبائل المنتشرة في شمال إفريقيا، ويتجسد الانتساب الحقيقي والوهمي إلى المشرق في شجرة النسب الراجعة إلى الخلفاء الراشدين والرسول r مثلما يتجسد الانتساب إلى المغرب في شرفاء جنوب المغرب الأقصى من الأدارسة [16]. ويلتقي هذا الانتساب إلى القطبين المشرقي والمغربي في عناصر الشرف والانتماء الديني والاثني، بما يضفي مشروعية تاريخية على تاريخ الجماعة القبلية.

إلا أن التاريخ الاجتماعي، الحديث والمعاصر يتوجه إلى تأكيد أن المغرب كان يمثل بالنسبة إلى الفاعلين الاجتماعيين مجالا متواترا لتحديد الأصول السلالية (الجينيالوجية) لقبائل الجنوب التونسي في غالبيتها. وربما كان ذلك التوجه يفوق والانتساب إلى الأصول المشرقية.

  • التضامن الآلي أو الجبرية القبلية

تمثل الجبرية القبلية إحدى محددات الإيديولوجيا القبلية. فمكانة  الأفراد التي تستوجب الانصهار في الجماعة القبلية تجعلهم لا يعبرون عن إراداتهم الخاصة، بل تتطلب تعبيرهم عن فعلهم الفردي أو الجماعي من خلال إرادة القبيلة، فهم يتصرفون بالنيابة عنها. إن الفرد حينما كان يغزو أو يمارس الثأر فهو لا يفعل ذلك لنفسه فقط بل من أجل القبيلة، إنه يمارس بذلك فعلا اجتماعيا سياسيا نابعا من قصر الجماعة الذي يمنعه من ممارسة فعل مغاير لذلك الفعل.

على أن هذه الجبرية ظلت صفة تميز البناء القبلي حتى القرن التاسع عشر حينما بدأت الكيانات القبلية في التفكك مع ظهور أشكال جديدة من الاندماج عوضت الاندماج القبلي استبدلت التجنيد القبلي.

لقد مثلت القبيلة عبر التاريخ الملجأ الحصين للفرد، كما مثل التضامن القبلي وسيلة الدفاع الأساسية ضد كل أشكال القهر المسلط من الخارج. ومادامت الخيمة تمثل الوحدة السكنية التي ظلت تصاحب النظام والبناء القبلي. فقد أصبحت رمزا لتماسك القبيلة ووحدتها القاعدية، باعتبار أن الخيمة تمثل الوحدة الاجتماعية الصغرى ممثلة في الأسرة الزوجية. فلعل الخيمة تمثل بنائها وبمرتكزاتها للأفراد تمثل خير معبر عن القبيلة كغطاء يضم ويحمي مختلف الفروع والعشائر ويسندها.

ثالثا: خصائص القبيلة:

لا يمثل التصنيف القبلي في مجتمعات المغرب سوى جزء من تصنيفات وتراتبيات اجتماعية اخرى. فالتقسيم الاجتماعي القبلي تخترقه تقاطعات اجتماعية تراوح حضورها حسب المراحل التاريخية وحسب خصوصيات المجموعات بين القوة والضعف. ومنها التصنيف الاثني والتصنيف الطبقي والحرفي.

فالمجتمع المغربي ظل خلال القرون الأخيرة قائما على ثلاثة متغيرات أساسية طبعت تاريخه وشكلت نسيجه الاجتماعي والثقافي وهي:

  1.  التنوع: لقد لعبت الفتوحات والغزوات والتجارة والهجرة دورا بارزا في تنوع الخارطة الاثنية للمجتمع.
  2. الحركية: هي حركية أفقية جغرافية تجسدت في هجرة المجموعات وتنقلها المستمر في الداخل والخارج على امتداد منطقة المغرب العربي، وهي كذلك حركية عمودية تجسدت في تكسير الجمود الطبقي عبر السماح للأفراد والمجموعات بتغير وظائفها ومراتبها ومداخيلها ومكانتها الاجتماعية. وقد أدت هذه الحركية إلى تيسير سبل التدرج  الطبقي صعودا او انحدارا، بفعل الحراك الذي احدثته الهجرة والتجارة والتعليم. يحدث ذلك على رغم ما تتصف به التراتبية الاجتماعية في الأرياف وفي مناطق النفوذ القبلي من ميل إلى الجمود والثبات.

هذه الدينامية الاجتماعية كانت محكومة بمسالك محافظة تتحكم فيها الأعراف  والتقاليد. وهذا ما بينه المسلك إلى السلطة المحلية في الريف والمسلك إلى السلطة المركزية في المدينة.

  • الاندماج: تميز المجتمع المحلي القبلي في المغرب بالاندماج الداخلي بين المجموعات القبلية فقد أدى التنوع الثقافي والاثني إلى حصول تعايش بين المجموعات كثيرا ما تحول إلى اندماج سوسيولوجي ساهم في إغناء مرتكزات الهوية الجماعية، وقد تحول هذا الاندماج الخام مع مرحلة التحرر الوطني إلى اندماج وطني في بعض الأقطار  (تونس-ليبيا) (المغرب- الجزائر- موريتانيا).

على أن يجب التنبه إليه هو ان تلك التصنيفات المختلفة بقدر ما تقدم صورة واضحة عن التكوين الاجتماعي وتمفصلاته، فهي تكاد تخفي عنا بعض التدخلات الأخرى التي تتجاوز جمالية التصنيف الثنائي وإغراءاته. فالتقابل الثنائي البنيوي كثيرا ما يحجب عنا خطوطا وتقاطعات أخرى مهمة على رغم تأثيرها الثانوي. وعلى كل حال فإن هذه التصنيفات ليست سوى خطوط منهجية تهدف إلى الاقتراب من الواقع الاجتماعي من أجل فهم مكوناته وإجلاء تمفصلاته، خصوصا إذا عرفنا أن هذه التصنيفات لا تفتأ في تغيير صور تشكلها بتغيير المكان والزمان، لكننا مع ذلك تبقى بحاجة إلى رسم لوحات عامة قادرة على بناء الهيكل العام لهذا الواقع الاجتماعي ذي التنوع الشديد وذي التصور الباهت.

  • العرق: تختلف التسمية المعتمدة على المؤشر العرقي: عرب- بربر، بين منطقة وأخرى ومرحلة وأخرى، وكثيرا ما يتواضع على تسمية هذه المجموعات بحسب مواقع سكانها وأنماط عيشها، فالمراجع التاريخية تشير إلى أن القبائل في بلاد المغرب خلال العصر الوسيط صنفان:

– البرانس: ويقطنون في الشمال، وهم أقرب إلى الحضر ويمثلون القبائل البربرية الخلص ويلبسون البرنس.

– البتر: ويحتلون الأرياف والبوادي والأطراف. وهم في الغالب متمردون على المركز، وأقرب إلى البدو، أبدو القرب وتحالفوا معهم، ويبدو أنهم ذوو أصول عربية فتشبهوا بلابسهم القصير[17].

هذا التصنيف هو الذي استخدمه ابن خلدون. وقد أورد شارل أندري جوليان التوجه ذاته في إشارته إلى أن كليهما كان يمثل قسما من سكان المنطقة القدامى. ويتعارف في العصر الحديث على تسمية القبائل ذات الأصول البربرية بـ “الجمالية” و”الجبالة” بسبب ارتباط موطن إقامتها بالجبال والمرتفعات.

يبدو أن الأصول السلالية (الجنيالوجية) لهذه المجموعات لا تستطيع الصمود في “بربريتها” أمام التغيرات السكانية التي حصلت على مدى عدة قرون، فقد أدت التحالفات، وعمليات اختلاط النسب بالتزاوج بين المجموعات، وتغير مواضع السكن وتبدل أنماط الإنتاج، إلى حصول عمليات اندماج في النسيج الاجتماعي الذي كان يمر كل مرحلة.

لقد عملت الكتابات الاستعمارية حول هذا الموضوع على المبالغة في إظهار الانقسام بين سكان بلدان المغرب العربي إلى بربر وعرب، وتسرع أصحابها في تعميم الحكم بهذا الانقسام على تقاسم الفضاء الجغرافي (جبل – سهل) = (بربر – عرب). وعلى رغم الأسس التاريخية الثابتة لهذا التكوين فإن المبالغة حصلت في إظهار هذه الثنائية بمظهر التعارض، لأنها كانت تنطلق من نزعة تفريقية تهدف إلى الإثارة أكثر مما تهدف إلى الكشف في حقيقة الواقع، بل أن الأمر ذهب ببعض المحللين الاستعماريين إلى أن البربري (القبايلي) هو إنسان بروتستانتي في عقلانيته وجديته في العمل وروح المبادرة، بل اعتبر ذا نزعة ديمقراطية مميزة. وقد أشارت جان فافري إلى أن ما أحدث من تعارض ثنائية (القبايلي والعربي) وما يطابقهما من تعارضات التصورات المبسطة، لم يكن سوى جزء من متطلبات الإيديولوجيا الاستعمارية [18].

  • الاستقرار والحركية: يتداخل التقسيم القائم على مؤشر الحركة. فالقبائل في بلدان المغرب العربي، منها المستقرة التي كانت تقطن السواحل والجبال والهضاب، ومنها المترحلة بين السهول والصحاري.

لقد حلل ابن خلدون بإطناب انعكاسات مؤشري الحركة والاستقرار على طبيعة السكان وأنماط معيشتهم واستخدام مفاهيم دقيقة لمتابعة عمليات “الضغن” و”التوطين” و”التنقل”. فالبدو أصناف عند ابن خلدون، على أساس انتحال أنماط مختلفة من المعاش. كما تحدث جاك بيرك عن قبائل كبرى تقطن الهضاب العليا والجبال، و”قبائل صغرى” تقطن السواحل وقد أدى هذا المؤشر إلى ظهور مؤشرات أخرى تربط بطبيعة تقسيم العمل والوظائف وتقاسم الأدوار بين المجموعات القبلية.

6- تقسيم العمل: عرفت بعض القبائل والأقسام بنوع من التخصص الوظيفي وبنوع من التقسيم القبلي للعمل الاجتماعي. فالأعمال تنقسم بحسب درجة تطوير النشاطات الاقتصادية إلى عدة مجالات. وكثيرا ما تلعب الخصائص المتوارثة وطبيعة الممارسات التاريخية للأجداد وأسلوب المعيشة المتبعة، دورا بارزا في توزيع المهام بين المجموعات المحلية في الأرياف، وعادة ما تنقسم المجموعات القبلية وفروعها بحسب الأعمال والوظائف التي تقوم بها، على رغم إمكانية الجمع بين أكثر من وظيفة لدى هذه المجموعة أو تلك، وهي:

القبيلة الفلاحية: ومنها القبائل الفلاحية القائمة على غرس الأشجار، وكذا القبائل الرعوية التي تعتمد على  الرعي كأسلوب رئيسي لنشاطها.

القبيلة الدينية: ويطلق عليا أيضا القبيلة الزاوية، وعادة ما تتراوح نشاطاتها بين القيام بالشعائر الدينية في المنطقة والقيام بأعمال الكتابة والتعليم والعدالة.

القبيلة التجارية: وجدت بعض القبائل التي احتكرت الإشراف على تجارة القوافل، خصوصا باتجاه غدامس ووسط إفريقيا.

– القبيلة المقاتلة: تقوم بعض القبائل بدور الدفاع. ولذلك ارتبطت علاقتها الصراعية أو التحالفية مع المجتمع المحلي بهذه الصبغة، وقد ظلت الفروسية تمثل النشاط الغالب على حياتها. إن دور هذه القبائل يتمثل في الغزو وحماية الثغور [19].

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق