المقالات

التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ الذهنيات بالمغرب والأندلس (اعمال مهداة للمؤرخ إبراهيم القادري بوتشيش) تقديم د. محمد الشريف

إن المتتبع لمراحل البحث في تاريخ الغرب الإسلامي عموما، وفي تاريخ المغرب الوسيط بوجه خاص، يقف على التطور الهائل الذي عرفه هذا الميدان منذ عقد التسعينيات، سواء على مستوى الإشكاليات المطروحة، أو على مستوى تعميق النظرة في المواضيع المطروقة، مستفيدا من تراكم المادة المصدرية الجديدة التي أظهرها المجهود التحقيقي لثلة من الدارسين المغاربة وغيرهم. ويتلخص هذا التوجه، في “ارتياد تاريخ المجتمع بمعناه الواسع المتشعب المؤدي حتما إلى اعتماد عدة مقاربات مندمجة متداخلة”.

ومن نافلة القول إن التطور الذي طبع البحث التاريخي المغربي ليس غريبا عما تعرفه مناهج العلوم الاجتماعية من تطور وحيوية. وعلى رأسها مناهج البحث التاريخي. فقد طبعت مدرسة الحوليات ووريثها “التاريخ الجديد” بميسمها عددا من الأبحاث التاريخية المغربية والعربية بتحويل اهتمامها من التاريخ الحدثي إلى التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، ثم إلى التاريخ الذهني والثقافي. لقد ظهر التاريخ الذهني للخروج من الأنساق التي فرضها التاريخ الاقتصادي والاجتماعي.

يبدو التاريخ الذهني والثقافي موضوعا مبهما في بعض الأحيان من حيث كونه يتضمن أصنافا من التخصصات التاريخية المشتتة والمتداخلة مع بعضها البعض، وإن كانت لها خصوصياتها النسبية تاريخ الأفكار- تاريخ الأحاسيس- تاريخ التصرفات وردود الأفعال، تاريخ التمثلات، تاريخ الذاكرة[1]، تاريخ العلوم، تاريخ المؤسسات والسياسات الثقافية، تاريخ وسائل الإعلام والثقافة الإعلامية culture médiatique، تاريخ الرموز…إلخ. وكلها مواضيع تاريخية نكاد لا نجد لها صدى في الأبحاث الجامعية المغربية.

ويمكن القول إن التاريخ الذهني هو وجه من وجوه التاريخ الاجتماعي الذي يحصر ميدان بحثه في الظواهر الرمزية phénomènes symboliques : فهو إذن “تاريخ اجتماعي للتمثلات Histoire sociale des représentations”. إنه ابن لتاريخ العقليات (كما بلورته كتابات روبير ماندرو Mandrou وفليب أرييسAriésبفرنسا)[2].

ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن “التاريخ الجديد” يولي أهمية خاصة لما يسمى بالأنتروبولوجيا التاريخية، ويكاد يحصر ما هو اجتماعي في ما هو رمزي وثقافي، مولّدا بذلك تاريخ يحصر اهتمامه على المظاهر البيولوجية أو العائلية (الولادة، الزواج، الموت، الأكل، الشعور، الطقوس…)، ذالك أن مواضيع السبق عند أصحاب التاريخ الجديد لا تنعزل عن قانون الطلب للجمهور العريض المتعطش للدراسات المتعلقة بالمواقف الجسمانية، وبصفة خاصة حول الحياة الجنسية والعاطفية، كما أنها مواضع تعطي الأهمية للمحيط المهمّش على حساب المركز (دراسة المهمّشين، والمنحرفين والسحرة وغيرهم تحظى باهتمام خاص) في محاولة تفسير المشكلات النفسية والخلقية للمجتمع الغربي وفهمها. كما أن ما وراء المعاش، مثل الخيالي والأحلام والبنيات الإيديولوجية يجلب الاهتمام أكثر من الظروف الحقيقية للواقع المعاش.

إن التاريخ الذهني هو قبل كل شيء نتاج طلب اجتماعي، وهو يرتكز على تعددية في الوثائق: كتابات من كل نوع، وثائق مصورة، نتائج الحفريات الأركيولوجية، روايات شفوية إلخ. إحصاء، منحنى للأسعار، صورة، فيلم أو لقاح أحجوري، أداة، نذر بالنسبة للماضي البعيد… كل هذا يشكل مواد تاريخية ووثائق من الطراز الأول بالنسبة للتاريخ الجديد.

كما أن التاريخ الجديد يعمل على الرفع من قيمة الوثائق التي كانت حتى وقت قريب متروكة للإخباريين أو “صحفيي الماضي” كما يسميهم (لوكوف) أو مهمشة (مثل نصوص الأعياد والاحتفالات، كتب الطبيخ، كتب المناقب).

وسيكون لبعض “الفلاسفة الذين أخذهم التاريخ في سفينته” أمثال ميشال فوكو وإلياس نوربير وميشال دو سيرتو Norbert Elias، Michel Foucault، Michel de Certeau دورا حاسما في الانتقال من تاريخ العقليات إلى تاريخ التمثلات، وهم الذين أعطوا للتاريخ الثقافي كامل قوته.

لقد صرح (لوي فاديلورج) سنة 2006 أن “التاريخ الثقافي قد أبان عن قدرته على توسيع مجال الدراسات التاريخية، كما أوضح أن أي موضوع تاريخي لا يمكنه أن ينفلت من دراسة التمثلات. ومع ذلك يبقى أن التاريخ الثقافي لا يمكن أن يكون الهدف الوحيد في الأبحاث التاريخية. فإن نحن أردنا في يوم ما تحقيق تاريخ شمولي كما حلم به ورثة (بروديل)، يجب علينا أن نقبل كذلك بأن يكون التاريخ متعددا، لا أن نسقط في مطبات النظرة الأحادية في قراءة الماضي، سواء كانت نظرة الأمس الاقتصادية والاجتماعية، أو نظرة اليوم الثقافية”[3]

ما هو موقع الدراسات العربية من هذا التطور الهائل في ميادين ومناهج البحث التاريخي؟ وما هي إسهامات مؤرخي الغرب الإسلامي في هذه المجال؟ هل نجحوا في استلهام تلك المناهج استلهاما نقديا وإخضاعها لخصوصيات التاريخ المغاربي ومجتمعاته؟

إن مجرد طرح هذه التساؤلات تدفعنا إلى استحضار الأعمال العلمية للدكتور إبراهيم القادري بوتشيش والتي أسهمت في:

  • ملء بياضات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ الذهنيات، وخاصة:
  • مشروع تاريخ المهمشين- الأقليات، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ العقليات للمغرب والأندلس- تاريخ الآخر – أنماط الإنتاج الاقتصادية ( نمط اقتصاد المغازي). (انظر كتابه : “المغرب والأندلس في عصر المرابطين: الذهنيات – المجتمع – الأولياء ” وغيره من مؤلفاته الأخرى.
  • اشتغاله بالنصوص المخطوطة ومساهمته في نشر وثائق دفينة.
  • كما أن معالم التجديد في أعمال المحتفى به تتجلى في:
  • تجديد آليات الاشتغال المصدرية: نوازل، كرامات صوفية، فولكلور ومحكيات شعبية، وثائق مجازية، الخ..، وكذلك دعوته لاستغلال معطيات الإعلام الجديد (انظر كتابه: “مستقبل الكتابة التاريخية في عصر العولمة والإنترنيت”)
  • تجديد آليات الاشتغال المنهجية: التأويل- السيميولوجيا – المتخيّل- المقاربات الأنتروبولوجية (انظر كتابه: “بين أخلاقيات العرب وذهنيات الغرب: دراسات في الأنتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية”).
  • اهتمامه بقضايا الفكر العربي المعاصر (كتابه: “لحظات تفكير في قضايا عالم مضطرب”)، وانخراطه في قضايا العالم المعاصر من خلال مشاركاته في مؤتمرات دولية، والكتابة في المنابر الإعلامية المختلفة حول قضايا معاصرة.
  • هذا دون إغفال ما يتمتع به المحتفى به من سمعة علمية كبيرة داخل المغرب وخارجه، بفضل إنتاجه التاريخي الغزير، وما قام به من واجب التدريس الجامعي لمدة 35 سنة، قضاها مربّيا وباحثا، ومجتهدا في تطوير الدرس التاريخي، ومكوّنا لأجيال متلاحقة، كلّلت بتخريج كوكبة من الأساتذة الباحثين في حقل التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والتاريخ الذهني والثقافي، فكان بهذه الرسالة العلمية والتربوية التي أنجزها – دون كلل أو ملل – نموذجا إنسانيا، وباحثا متميزا بأخلاقه، ونزاهته، وحبه للبحث والعمل في صمت وتواضع.

ونظرا للإسهامات العلمية المتميزة التي بصم عليها الأستاذ إبراهيم القادري بوتشيش في مساره العلمي، وخاصة في مجال التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ الذهنيات، فقد قررت الجمعية الأندلسية تنظيم ندوة لتكريمه، اعترافا بجهوده المتواصلة، وما أسداه من خدمة كبيرة في مجال تطوير الكتابة التاريخية. وفي هذا السياق، ارتأت الاتصال بثلة من الأكاديميين والجامعيين من داخل المغرب وخارجه، ممن تربطهم وشائج الصداقة العلمية مع الأستاذ المكرّم، للمشاركة في هذا الملتقى العلمي، وجاءت أبحاثهم على درجة عالية من الجودة العلمية والمنهجية، تشرف المسار العلمي للأستاذ المكرم.

فهذا الكتاب عبارة عن باقة أبحاث جادة قدمت للندوة الدولية التي نظمتها الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية، تكريما واعترافا بما أسداه الأستاذ المؤرخ المتميّز إبراهيم القادري بوتشيش من جهود رائدة في مجال التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ الذهنيات خلال أربعة عقود من مساره العلمي، قضاها مربّيا وباحثا، ومجتهدا في تطوير البحث التاريخي، ومكوّنا لأجيال متلاحقة من الباحثين.

              وتروم هذه الأبحاث التي خطتها أقلام مجموعة من المؤرخين والشخصيات العلمية الوازنة في عالم الفكر والتاريخ من المغرب، والعالم العربي، وأوروبا وآسيا، تحيين موضوع التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والذهني والثقافي، وإعادة السؤال حول دور هذا الثالوث (الاقتصاد- المجتمع- الذهنيات) في إنتاج خطاب معرفي جديد يقدم فهما آخر للتاريخ، ويفتح ملفات اجتماعية مهملة في المتون التاريخية، وإلقاء الضوء على الفئات الاجتماعية التي أسقطتها كتب التاريخ من مهمشين وأقليات. كما يرصد مجموعة من المشاهد حول المجتمع المغربي الأندلسي، وعاداته وطقوسه وتمثلاته الشعبية، ومنظومته الاقتصادية.

واعتمادا على دراسات تطبيقية، تمكنت أبحاث المشاركين في هذا الكتاب من إضافة نصوص جديدة، وسدّ بعض الثغرات في مجال الاقتصاد والاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية بالمغرب والأندلس، مما يجعله قيمة مضافة للدراسات المغربية- الأندلسية، وموردا لإنتاج أسئلة جديدة يؤدي تناسلها إلى تحويل تاريخ المغرب والأندلس إلى درس متجدد. والله ولي التوفيق.

 تطوان، 21-6-2018

د. محمد الشريف


[1]– Pierre Nora dir, Les lieux de mémoire, Paris, Gallimard, 1977

[2] -Robert Mandrou, Introduction à l’histoire de la France moderne, 1500-1640, Essai de psychologie historique, Albin Michel, 1961

[3] -Vadelorge, Loïc, Où va l’histoire culturelle?, Ethnologie française, 2006, n°2, p. 357-359

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق