المقالات

الشرط المقاصدي لبناء الرؤية المنهاجية في فكر الإمام عبد السلام ياسين(إدريس مقبول)

في الفلسفة السياسية للإمام ياسين يلمس القارئ حضور النفس المقاصدي الذي يعكس تعلقا بحِكم الأفعال وقِيمها وماوراء الظواهر من معان وغايات، و هذا الموضوع من المباحث التي تحتاج في تقديرنا لبحث خاص خارج هذا السياق يفرد إسهام الرجل في هذا المضمار وتجديده فيه، وحسبنا أن نشير في هذا الموضع لما عبر عنه الشوكاني من حاجة صاحب الدعوة للمقاصد، حتى”إذا جعل غاية همه وأقصى رغبته جلب المصالح الدينية للعباد ودفع المفاسد عنهم، كان من أنفع دعاة المسلمين، وأنجح الحاملين لحجج رب العالمين”([1]). وقد كان الإمام ياسين رحمه الله صاحب قدم راسخة في أرض المقاصد كما يلاحظ من يقرأه بإنصاف وإمعان..

نفهم هذا البعد الأساسي بعد أن نقف على تنبيه قديم لابن القيم على القِيَم التي تحكم النشاط السياسي للدولة حين قال:” إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل”([2])، الشريعة على هذا حكمة وعدل ومصلحة، وهي الشريعة الحقة، فهي تتحدد بقيمها، وما سواها مما خالف هذه القيم من عبث وظلم ومفسدة على هذا الترتيب فخارج بالشريعة عن هذه الحقيقة.

هذه المصالح الكبرى والتي لا تكون الشريعة إلا بها وبتقديمها على غيرها من الرغبات والأهواء “ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون” (الجاثية:18)، لا يمكن أن تحصل إلا باعتبار أنها ضروريات، وهذه الضروريات جرى التعبير عنها بلفظ “الحفظ”، وفي الفكر السياسي للإمام ياسين نجده يتناولها باعتبار”المطالب” ، وتركيزنا عليها باعتبار أنها مطالب وليست مجرد فضائل([1]). بل هي في الفكر السياسي للإمام ترقى(أي حفظ الضروريات) حتى تصل إلى منزلة الحقوق(أو لنقل حفظ الحقوق)، فتراه يتحدث عن مقاصد الشريعة التي تناولها المقاصديون على أنها حزمة من حقوق الحد الأدنى التي للفرد على الدولة، يقول:” حقوق المسلم على الدولة العدل والأمن وضمان مقاصد الشريعة وهي : حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العِرض، وحفظ المال، وحفظ النسل.حقوق ضرورية هي الحد الأدنى مما يستحقه المسلم على دولة الإسلام”([2]).

ومن خلال المدخل الحقوقي يبني الإمام ياسين استدلاله التمييزي بين تلقي المتقدمين للمنهج المقاصدي وتفاعلهم معه، وما ينبغي لنا اليوم من بناء منهج مختلف لتلقي وقراءة المقاصد رعاية لاختلاف السياقين المعرفي والسياسي الذي يميز الحاضر عن الماضي، فالأمة في عصرهم “العاض” كانت موحدة على كل حال، أما اليوم في عصرنا “الجبري” فهي ممزقة وموزعة على ولاءات وأوطان، “فنشعر بضرورة استعادة الوحدة شعورا عميقا. إنها مسألة حياة أو موت. إنها أم المقاصد وشرط تحقيقها”([3]). استعادة الشعور بالوحدة من مطالب الحِكمة المقاصدية، لأنها مدخل نفسي رئيس لمواجهة الآلة الطائفية والمذهبية.

في الظنيات يقدم الأقوى فالأقوى كما يقول الجويني ([4])، ولا يسوغ الاشتغال بالحاجيات والتحسينيات وترك الضروريات والمهمات، وعلى رأس المهمات اليوم عودة الأمة إلى الحياة، وعودة روحها إليها بعدما تمزقت كيانات فقدت مع الوقت هويتها ومضمونها.

يذكر لنا الإمام ياسين اختلاف السياقين الحضاريين، كيف”كان عند سلفنا رحمهم الله شيء يذكر على رقعة العالم، له حرمته وهيبته : كان لهم استقلال ودولة، فكانوا يحرصون على هذا الشيء، لا يعيبونه في ظاهر سلوكهم وإن كان في قرارة النفس ما فيها. كانوا يريدون الحفاظ على ذلك الشيء لأنه كان حياتهم وسقفهم وبيتهم وسلاحهم. وفي ظله كانوا يحتضنون ما تبقى متماسكا من عرى الإسلام. لذلك نقرأ عندهم في معرض الحديث عن المقاصد الشرعية صيغة محافظة. نقرأ أن مقاصد الشريعة حفظ كذا، وحفظ كذا، وحفظ كذا.

أما نحن فدويلات الجبر التي تبيعنا جملة وتفصيلا للجاهلية لا تعتبرها الأمة بيتها ولا سقفها ولا سلاحها ولا تستمر في العيش المهين تحت وطأتها إلا مكرهة كارهة مستعيذة بالله من الشيطان الرجيم.

لذلك فجدير بنا أن نعبر عن مقاصد الشريعة في صيغ مطلبية لا حفاظية، فنقول : مطالب الشريعة هي كذا وكذا. وجدير بنا ونحن نخطط لإنزال أحكام الشرع منازل الشرف والعزة وننظر إلى الأمر الإلهي من زاوية الطلب لا من زاوية الحفظ، أن نذكر الوسائل التربوية والعلمية والمادية الجهادية القادرة على تحقيق مطالب الشرع. وأن نبحث عن الكيان الجماعي المكلف بالنهوض إلى هذه المطالب، وعن طريقه وأولويات ما يطلب، وعن العراقيل في وجهه، وعن العالميات الجاهلية التي تتحدى عالمية الإسلام وتنازعه في بقائه، وعن مراحل الطلب وثقل الحمولة وسرعة الزمان”([5]).

البعد المقاصدي يتجلى في المنهاج النبوي في إعادة بناء العقل المسلم ليتمكن من معالجة قضايا الإنسانية -بالحكمة-في الزمان والمكان من خلال الرؤية الكلية وبمراعاة السنن الاجتماعية بما يجعل من الفكر السياسي المنهاجي مدخلا مناسبا لتجديد الخطاب الديني الذي تميزه مرجعية “الفطرة” عند الإمام ياسين، وهو ما أكده الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله حين لخص بأن”ابتناء المقاصد على أصل الشريعة الإسلامية الأعظم وهو الفطرة”([6])

كما أن التحول من الصيغة الحفاظية إلى الصيغة المطلبية في الفكر السياسي للإمام ياسين يوازيه تحول في “مستوى المعالجة من المعالجة الفردية لمشكلة فرد إلى معالجة قضايا الأمة”([7])، وهو مستوى من الاجتهاد المقاصدي الذي تتقدم فيه أحكام المقاصد على أحكام الوسائل، لأن من يتكلم اليوم عن رعاية الأنظمة للإسلام، إنما يتكلم عن إسلام منزوع الروح بلا “كليات”، وعن إسلام محنط وهو أقرب إلى الفلكلور منه إلى إسلام الحياة وإسلام الكرامة والحرية، فالحاجة لطلب هذه”الكليات” حتى تحصل، ثم بعدها يكون حفظها.

لابد من الانفلات في الرؤية المقاصدية للمنهاج من مزلقين:

أولا: إلهاءات «المكتسبات» الدنيوية للإنسان عن معرفة الله ومعالجة آفات النفس “حتى يضيع منه القصد الاعتقادي والقصد العملي فإذا هو يجري ندا لند في حلبة السياسة والاقتصاد والتنمية، لا يذكر على هذه المطالب الضرورية للأمة اسم الله ليصبح جريه جهادا يحبه الله”([8]).

ثانيا: إحراجات السلطة التي جعلت الفقه في التاريخ ينكمش إلى دائرة ضيقة، فقد لعبت السلطة كما يقول جواد ياسين”دورا جبروتيا طاغيا في تشكيل العقل” ([9])، فقد “اصطبغ الاجتهاد بصبغة الاضطرار فيما عدا العبادات الفردية من طهارة وصلاة وصيام وحج. وتقلص الفقه في حدود ضيقة لما وقع على العلماء ضغط الحاكم الذي يريد الناس على طاعة لا يخولها له الشرع. فهجر الفقهاء قضايا الحكم، وأخلَوْا الساحة، ففقه الحكم في تراثنا يكاد يكون قاعا صَفصَفا. وفقه حقوق المرأة تابع. ضاعت حقوقها مع حقوق الكافّة”([10]).

معالجة تنتقل عبر الوجود الأصيل من الجزئي إلى الكلي، ومن الفردي إلى الجماعي، ومن طلب الأعلى إلى طلب ما سواه، ومن حضيض المذهبي الضيق إلى يفاع الفقه الجامع، ذلكم “الفقه الذي يعم في نظرة واحدة الدعوة والدولة في علاقاتها الأولى على عهد تأليف الجماعة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، ثم تطور هذه العلاقات تطورا توسيعيا على عهد الخلافة الرشيدة، ثم في تطورها إلى الفساد والكساد على عهود الملك العاض فالجبري، ثم في الوضع الحالي وقد أصبح للعلمانية والذهنية العلمانية والنوايا العدوانية على الدين الصدارة في تفكير الحكام وممارستهم، حتى غطت الدولة على الدعوة تماما، وألجأتها إلى منابر الوعظ المراقب المُلجم المدجَّن أحيانا كثيرة، وإلى ركن “الأحوال الشخصية” بعيدا عن المجالات الحيوية المدنية والجنائية والاقتصادية والإدارية. ثم يعم الفقه الجامع في نظرة واحدة الدعوة والدولة وعلاقتهما المطلوبة في مراحل البناء، كيف يستعيد رجال الدعوة مراكز القرار حتى يعود السلطان خاضعا للقرآن لا العكس”([11]). أي حتى يعود التقدم للرمزي الذي يمثله الوحي الذي جاء بالحكمة،”قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي كنتم تختلفون فيه”(الزخرف:63).


([1]) _ نذكر بأن طه عبد الرحمن أثناء بحثه علاقة الأخلاق بالدين ، وخصوصا في دراسته للمذهب الأول أي تبعية الأخلاق للدين وتأصيله له، جعل للأخلاق التي تحدث عنها وصفين” أحدهما فضائل العدل” وتتجسد في الإيمان والرجاء والمحبة في مقابل “فضائل الإحسان” وتتجسد في العفة والشجاعة والروية والعدل، واعتبر أن فضائل العدل تكتسب شرفها من خدمتها لفضائل الإحسان، فهي منها بمنزلة الوسيلة من المقصد. يراجع، كتابه سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، ط1،2000، ص32.

([2]) _ ياسين، عبد السلام. الشورى والديمقراطية،ص 145.

([3]) _ ياسين، عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ،ص 55.

([4]) _ الجويني، أبو المعالي. التحقيقات في شرح الورقات، ص 589.

([5]) _ ياسين، عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ،ص 55.

([6]) _ ابن عاشور، الطاهر. مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 259.

([7]) _ عبد الله، إبراهيم زيد الكيلاني. السياسة الشرعية: مدخل إلى تجديد الخطاب الإسلامي، دار الفرقان للنشر والتوزيع والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 2009، ص223.

([8]) _ ياسين، عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ، ص62.

([9]) _ ياسين، عبد الجواد. السلطة في الإسلام، العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، الدار البيضاء:المركز الثقافي العربي، ط2، 2000، ص8.

([10]) _ ياسين، عبد السلام. تنوير المومنات،1/65.

([11]) _ ياسين، عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ، ص 17.



([1])_ الشوكاني. طلب العلم وطبقات المتعلمين، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص 134_135.

([2]) _ ابن القيم. إعلام الموقعين، 3/3

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق