غير مصنف

الاتجاه الإصلاحي في التفسير المعاصر(عبد الرحمن مومني)

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد..

تعتبر لحظة سيد قطب في تاريخ التفسير لحظة تمتزج فيها انفعالات تاريخ من الإبداع الأدبي والنقدي والفني الممتزج بالسياسي والاجتماعي والاقتصادي، تبتدأ من “طفل من القرية” إلى “أشواك” إلى “المدينة المسحورة” صعودا إلى “التصوير الفني في القرآن الكريم” ومحطات كثيرة أخرى مضيئة وصولا إلى ساحل “ظلال القرآن”، ذلكم الساحل الذي يمتع النفس ويصقل الذوق ويغوص بقارئه إلى أعماق نفسية بعيدة ليلتقط له درر المعاني وفرائد الأفكار الفلسفية التي لا تتأتى إلا لغواص ماهر بخبرة المفسر الكبير “سيد قطب”.

يتمدد فكر سيد قطب في ظلال القرآن متوهجا، يغمر قارئه بقوة بيانه وجاذبية أسلوبه، وعمق مداخله، وصلابة مواقفه وامتزاج كلماته بإرادة فولاذية لا تلين، تنفخ الروح في الأصوات فتجعلها مزلزلة، ولله دره وهو يقول: “إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثتا هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها، أو غذيناها انتفضت حية وعاشت بين الأحياء”.

لقد ظُلم سيد قطب كثيرا الذي كان رائدا في حلبات كثيرة كما يقول محمد المنتصر الريسوني، إذ تعرض فكره وجهده الإحيائي لعمليات اختزال شديدة الخطورة، زادتها مؤامرات تأويلية قسرية ساعدت على مزيد من الإعراض عن التعرف على قيمته التجديدية في ميادين الفكر والفن والتربية والسياسة والاقتصاد وغير ذلك من مساحات الحياة.

في هذه الدراسة التي نقدمها في مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، يعمل الباحث عبد الرحمن مومني المتمرس في الفكر الإسلامي  والدراسات القرآنية على تجلية جزء من الصورة المشرقة من هذا الفكر العملاق الذي ترجم _في ظروف القهر السياسي_فكرة “استعلاء الإيمان” عبر تفسيره الظلال.

من المقدمات الأساسية التي يفتح هذا البحث بذكاء مميز عيوننا عليها منذ البداية هو أن المنهج القرآني في الإصلاح _عند سيد قطب_ منهج متفرد يسمو بالبشرية إلى القمة السامقة ويرجع بها إلى أصل فطرتها لأنه منهج رباني يهيمن على القلوب ويؤثر على العقول، ومنهج شمولي ينتظم كل الشؤون والمجالات، ومنهج واقعي يراعي كل الأحوال والظروف.

لقد قدم لنا سيد قطب من خلال تفسيره الموسوعي الذي حضي بقبول أكثر المهتمين المنصفين بالدراسات القرآنية “في ظلال القرآن” مفهوما عمليا للإصلاح الديني من خلال ربطه تعاليم القرآن الكريم بواقع البشرية وحاجاتها، وتأكيده على الأثر الإصلاحي للعقيدة ودورها في إحداث التحول الكبير في عالم الناس، سواء على مستوى الفرد أو الأسرة أو المجتمع والأمة ككل.

ومن إصلاح العقيدة إلى إصلاح السلوك يتصاعد خيط التنوير إلى مجال السياسة والحكم الذي يعتبر من أكبر المجالات التي لحقها الإفساد منذ القرون الأولى للإسلام- بعد الخلافة الراشدة- ، وهي من أخطر المجالات التي تؤثر على صلاح المجتمع وفساده، لأن نظام الحكم والسياسية يبلور إلى حد كبير صورة المجتمع، ويعتبر إصلاح هذا المجال من الأمور المهمة التي تعرض لها الشهيد سيد قطب بالدراسة والتحليل ووضع مقومات النهوض.

في المجال الاجتماعي، وهو من أهم المجالات التي اهتم القرآن بوضع أسس بنائها، اتجه سيد قطب المفسر الإصلاحي إلى بيان مقومات الإصلاح الاجتماعي ومعالجة مختلف قضاياه، لأن الإسلام دين الجماعة وليس دين الفرد، يقوي روح التعايش والتكافل وينبذ التعصب والفردانية.

إن هذه الدراسة تؤكد لنا أن “سيد قطب” ما يزال لم يقرأ كفاية وبشكل منصف، فما تزال القراءات التحريفية والإيديولوجية تهيمن على سوق المعرفة به، حتى ارتبط بفكره _بسبب أشباه المتخصصين وأنصاف الخبراء في الثقافة والإعلام_ كل النتائج الكارثية لموجات العنف التي يشهدها عالمنا العربي والإسلامي، وهو لعمري شطط وافتيات ينبغي الكف عنه ووضع قطيعة مع هذا الظلم المضاعف الذي عاناه الرجل حيا وميتا.

في الختام نسأل العلي القدير أن يرحم الشهيد سيد قطب وأن يجعل هذا العمل لبنة من لبنات الإنصاف لهذا الطود الشامخ، كما نسأله تعالى أن يجعل هذا الجهد العلمي في ميزان حسنات الباحث عبد الرحمن مومني، وأن ينفع به جمهور الباحثين في الدراسات الإسلامية والمهتمين بقضايا التغيير والإصلاح، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق