مراسيم تشييع المرشد العام خامنئي بين الدلالات السياسية والاشارات الدولية(محمد شقير)
بدأت مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أوائل يوليوز 2026، بعد أن كانت قد أُجلت في وقت سابق بسبب ظروف الحرب. وتتضمن هذه المراسيم، وفق البرنامج المعلن:
* 4 و5 يوليوز2026: استقبال المشيعين وإقامة مراسم العزاء في مصلى الإمام الخميني بطهران، مع إتاحة المجال أمام الجمهور لإلقاء النظرة الأخيرة على الجثمان.
*6 يوليوز2026: موكب تشييع رسمي وشعبي كبير في العاصمة طهران، بمشاركة كبار المسؤولين الإيرانيين ووفود أجنبية.
*7 يوليو2026: مراسم تشييع في مدينة قم، ذات المكانة الدينية البارزة في إيران.
*9 يوليوز/2026: نقل الجثمان إلى مدينة مشهد ودفنه في محيط مرقد الإمام الرضا وفق ما أعلنته السلطات الإيرانية.
وللاشارة ، فقد اتخذت السلطات الإيرانية ترتيبات أمنية وتنظيمية واسعة، مع توقع مشاركة أعداد كبيرة من المشيعين من داخل إيران وخارجها، حيث اعتبرت هذه المراسيم الجنائزية حدثاً وطنياً ودينياً ذا رمزية سياسية كبيرة. ويمكن تفسير اهتمام السلطات الإيرانية بتنظيم جنازة ضخمة لعلي خامنئي باعتباره جزءًا من استراتيجية سياسية ورمزية، وليس مجرد إجراء بروتوكولي لتشييع قائد دولة سابق.
1-الدلالات السياسية لمراسيم جنازة المرشد العام المغتال
إن اهتمام السلطات الإيرانية بتنظيم جنازة سياسية ضخمة لعلي خامنئي يمكن فهمه في إطار الوظائف السياسية والرمزية التي تؤديها جنازات قادة الدول والأنظمة الثورية، وليس بوصفه مجرد حدث ديني أو بروتوكولي. إذ من أبرز الدوافع التي تفسر هذا الاهتمام تكريس استمرارية النظام الإيراني وتكريس شرعيته السياسية بالإضافة إلى إظهار قدرته التنظيمية والتسييرية:
-تكريس استمرارية النظام الايراني
يمكن اعتبار تنظيم جنازة سياسية وشعبية واسعة لعلي خامنئي جزءاً من استراتيجية هدفت إلى إظهار أن اغتيال المرشد العام لم يؤثر في استمرارية النظام الإيراني، وأن مؤسسات الدولة ما تزال قادرة على إدارة انتقال السلطة والمحافظة على تماسكها، مع توجيه رسالة إلى الداخل والخارج بأن النظام لا يرتبط ببقاء شخص واحد، مهما بلغت مكانته الدينية و السياسية . وفي ذلك إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بأن استهدافهما للمرشد بهدف القضاء على النظام والسعي لانهياره لم يحل دون بقاء النظام واستمراريته .وبالتالي ، فقد حرصت السلطات الإيرانية برئاسة ابن المرشد المغتال على تنظيم مراسيم واسعة ومنظمة لإبراز أن مؤسساتها ما زالت تعمل بصورة طبيعية، وأن انتقال القيادة يجري في إطار من الاستقرار والانضباط. وهكذا أكدت السلطات الإيرانية، عبر مسؤولين ووسائل إعلام رسمية وشبه رسمية، أنها تتوقع مشاركة نحو 30 إلى 35 مليون شخص في مختلف مراحل مراسيم تشييع علي خامنئي الممتدة على عدة أيام وفي أكثر من مدينة، وليس في موكب واحد فقط. وبالتالي يرى عدد من المحللين أن الإعلان عن رقم بهذا الحجم يخدم عدة أهداف سياسية ورمزية، منها:
*إظهار أن اغتيال المرشد لم يضعف تماسك النظام الداخلي .
*إبراز استمرار قدرة الدولة على التعبئة الجماهيرية.
*الإيحاء بأن خامنئي ما زال يحظى بتأييد شعبي واسع.
*توجيه رسالة إلى الخصوم الخارجيين بأن النظام لا يزال متماسكاً وقادراً على الحشد الشعبي والسياسي.
* الربط بين جنازة خامنئي و جنازة روح الله الخميني في سنة1989 التي تُعد من أضخم الجنازات في التاريخ إيران الحديث. حيث قدرت السلطات الإيرانية عدد المشاركين فيها بأكثر من عشرة ملايين شخص، حيث شهدت مراسيمها تدافعاً كبيراً أدى إلى تأجيل الدفن وإعادة تنظيمه. وهكذا يمكن القول بأن هناك محاولة واضحة من السلطات الإيرانية لربط جنازة علي خامنئي بجنازتي روح الله الخميني و كذا جنازة قاسم سليماني في سنة 2020 سواء على المستوى الرمزي والإعلامي والسياسي، لكن دون إعلان رسمي بأن الهدف هو “محاكاة” هاتين الجنازتين. حيث تتجلى أوجه هذا الربط في عدة عناصر:
*الاستمرار في سردية “الشهادة والثورة” حيث حرصت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية على وضع خامنئي في السياق نفسه الذي وضع فيه مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، ولاحقاً قاسم سليماني، باعتبارهم رموزاً لاستمرار الثورة الإسلامية و”محور المقاومة”. وبذلك تصبح الجنازات حلقات متتابعة في السردية الرسمية للدولة، لا أحداثاً منفصلة.
*إعادة إنتاج مشهد “الملايين” فكما رُوج لجنازة الخميني باعتبارها من أكبر الجنازات في التاريخ، ولجنازة سليماني باعتبارها الأكبر منذ جنازة الخميني، سعت السلطات الإيرانية إلى إظهار جنازة خامنئي باعتبارها امتداداً لهذا التقليد الجماهيري، مع الحديث عن مشاركة عشرات الملايين في مختلف مراحل التشييع.
*الاستفادة من دروس جنازتي الخميني وسليماني حيث شهدت جنازتا الخميني وسليماني حوادث تدافع أسفرت عن سقوط ضحايا، ولذلك أولت السلطات في جنازة خامنئي اهتماماً خاصاً بإدارة الحشود والتخطيط الأمني حتى لا تتكرر تلك الحوادث، في محاولة لأن يُنظر إلى الجنازة بوصفها نجاحاً تنظيمياً أيضاً.
*الرسالة السياسية نفسها حيث تشترك الجنازات الثلاث في أنها حملت رسالة مفادها أن رحيل الشخصية القيادية لا يعني ضعف الجمهورية الإسلامية. ففي عام 1989 كان المطلوب إثبات استمرار النظام بعد وفاة الخميني، وفي عام 2020 كان الهدف إظهار أن اغتيال سليماني لن يضعف نفوذ إيران الإقليمي، أما في جنازة خامنئي فبرزت رسالة أن اغتيال المرشد لم يؤد إلى انهيار النظام أو تعطيل مؤسساته، وأن الدولة قادرة على إدارة انتقال القيادة والتعبئة الشعبية.
*الرمزية الدينية والجغرافية ، فعلى غرار جنازتي الخميني وسليماني، امتدت مراسم خامنئي إلى مدن دينية رئيسية مثل طهران وقم ومشهد، وربطت بين التشييع الرسمي والرمزية الشيعية، بما يعزز البعد العقائدي إلى جانب البعد السياسي. وبالتالي، فإن كثيراً من المحللين يرون أن جنازة خامنئي لم تكن مجرد مراسيم وداع، بل كانت محاولة لإدراجه في التسلسل الرمزي نفسه الذي يبدأ بالخميني ويمر بسليماني. فالخميني يمثل مؤسس النظام، وسليماني يمثل رمز القوة الإقليمية والعسكرية، بينما يُراد لخامنئي أن يُجسد استمرارية النظام وصموده رغم الاغتيال والحرب. ومن هذا المنظور، فإن الربط بين الجنازات الثلاث يخدم بناء رواية رسمية متواصلة تؤكد أن الجمهورية الإسلامية تتجاوز الأفراد، وأن مؤسساتها وسرديتها الثورية تستمر رغم فقدان أبرز قادتها.
-إبراز الشرعية السياسية للنظام الإيراني
في الأنظمة التي تعتمد على التعبئة الجماهيرية، كنظام الثورة الإيراني، تمثل الجنازات الكبرى وسيلة لإظهار حجم التأييد الشعبي . فالأنظمة ذات الطابع الثوري عادة ما تعتمد على الحشود الجماهيرية باعتبارها مؤشراً على استمرار التأييد الشعبي. لذلك يُنظر إلى المشاركة الواسعة في الجنازة بوصفها رسالة داخلية وخارجية بأن النظام ما زال يحظى بقاعدة من المؤيدين، حتى وإن كانت تقديرات أعداد المشاركين تختلف بين المصادر الرسمية والمستقلة. ولهذا سعت السلطات الايرانية إلى تشجيع مشاركة واسعة من مختلف المحافظات، بحيث تُقدَّم الحشود باعتبارها دليلاً على استمرار الالتفاف حول الدولة والثورة. فقد سعت القيادة الإيرانية إلى تقديم خامنئي بوصفه أحد أبرز قادة الثورة الإسلامية، وربط سيرته بمفاهيم التضحية والصمود في الذاكرة السياسية الإيرانية. وفي الثقافة السياسية للجمهورية الإسلامية، تؤدي مثل هذه المراسيم دوراً في إعادة إنتاج الشرعية الرمزية للنظام وتعزيز سرديته التاريخية. حيث امتدت مراسم التشييع إلى مدن ذات مكانة دينية مثل طهران وقم ومشهد، وربطت السلطات الحدث بالرموز الشيعية وثقافة إحياء ذكرى الشهداء، بما يعزز البعد العقائدي للمناسبة ويمنحها شرعية دينية إلى جانب بعدها السياسي.
-اختبار القدرة التنظيمية للقيادة الجديدة
كانت الجنازة أيضاً أول حدث وطني كبير بعد انتقال القيادة في إيران، ولذلك اعتُبرت اختباراً لقدرة القيادة الجديدة برئاسة المرشد العام الجديد مجتبي ،على إدارة مناسبة ذات أبعاد أمنية وسياسية وإعلامية معقدة، وعلى المحافظة على تماسك مؤسسات الدولة في مرحلة انتقالية. فبعد مرحلة اتسمت بالحرب والاضطرابات، سعت القيادة الإيرانية إلى تقديم صورة مفادها أن مؤسسات الدولة لا تزال متماسكة وقادرة على إدارة انتقال السلطة وتنظيم حدث جماهيري واسع وبهذا الحجم.فمن خلال تنظيم جنازة علي خامنئي، يمكن فهم الحرص على تنظيم مراسيم واسعة على أنه سعى إلى إيصال عدة رسائل متزامنة:
*إثبات كفاءة مؤسسات الدولة: فتنظيم مراسيم تمتد على عدة أيام وفي أكثر من مدينة، مع تأمين حركة الملايين المحتملين، يهدف إلى إظهار أن أجهزة الدولة ما زالت تعمل بكفاءة رغم الحرب والضغوط.
*نفي صورة الدولة المنهكة: فبعد اغتيال المرشد وبعض أعضاء النخبة الحاكمة وما رافقه من توترات عسكرية، كان من مصلحة السلطات إظهار أن الدولة لم تدخل مرحلة من الفوضى أو العجز الإداري، وأنها ما زالت قادرة على إدارة حدث جماهيري معقد وكبير.
*التأكيد على استمرار القدرة على التعبئة: حيث لا يتعلق الأمر فقط بعدد المشاركين، بل أيضاً بقدرة الدولة على التنسيق بين الأجهزة الأمنية والإدارية والإعلامية والدينية لتنظيم مناسبة بهذا الحجم.
*تعزيز الثقة في الداخل: حيث وظفت هذه الجنازة لطمأنة أنصار النظام بأن مؤسسات الدولة لا تزال متماسكة وقادرة على إدارة الأزمات والانتقال السياسي.
* التأكيد على وحدة الأسرة الحاكمة ، إذ على الرغم من الغياب اللافت للمرشد العام الجديد مجتبى خامنئي، والذي فسر إما لاعتبارات أمنية، أو صحية بعد إصابته في الهجوم الذي أدى إلى مقتل والده، ، فقد حضر ثلاثة من أبناء علي خامنئي مراسم الجنازة الرسمية في طهران، مصطفى خامنئي.ومسعود خامنئي.و ميسم خامنئي.الذين شوهدوا إلى جانب كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الإيرانيين أثناء صلاة الجنازة والوقوف بجوار نعش والدهم، في مشهد أرادت السلطات من خلاله إظهار وحدة الأسرة الحاكمة وتماسك مؤسسات الدولة.وقد رأى بعض المحللين أن حضور الإخوة الثلاثة مقابل غياب مجتبى يحمل دلالات سياسية، منها:
*الحفاظ على استمرارية الطقوس الجنائزية بحضور أفراد الأسرة.
*تجنب تعريض مجتبى، بوصفه الشخصية الأهم في النظام بعد وفاة والده، لأي مخاطر أمنية محتملة.
*عدم ربط استمرارية النظام بظهور شخص واحد، بل إظهار أن مؤسسات الدولة والأسرة القيادية تعمل بصورة جماعية.
وهكذا يمكن تفسير حرص السلطات الإيرانية على تنظيم جنازة ضخمة ومنظمة لخامنئي بأنه جزء من استراتيجية سياسية ورمزية هدفت إلى إظهار أن الدولة، رغم الحرب والضغوط والعقوبات والصعوبات الاقتصادية، ما تزال تمتلك مؤسسات قادرة على التخطيط والحشد وإدارة الأحداث الوطنية الكبرى. وبذلك تحولت الجنازة من مجرد مراسيم وداع إلى عرض لقدرة النظام على الاستمرار والتماسك في ظرف استثنائي وصعب تعيشه إيران داخليا .
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين النجاح التنظيمي للمراسيم وبين الوضع الاقتصادي والاجتماعي العام. فحتى إذا نجحت الدولة في تنظيم جنازة كبيرة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحرب والعقوبات والصعوبات الاقتصادية قد زالت أو أن آثارها أصبحت محدودة. فإيران لا تزال تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، منها التضخم، وتراجع قيمة العملة، والعقوبات الدولية، وهي قضايا مستقلة عن القدرة على تنظيم حدث استثنائي مثل جنازة علي خامنئي.
2-الإشارات الدولية لمراسيم جنازة المرشد العام المغتال
حملت مراسيم جنازة علي خامنئي بعداً دبلوماسياً وسياسياً واضحاً، إذ شاركت فيها وفود من دول حليفة، بينما رافقتها شعارات تؤكد استمرار نهج الجمهورية الإسلامية وعدم تراجعها تحت الضغوط العسكرية والسياسية. وبذلك تحولت الجنازة إلى رسالة موجهة إلى الخصوم الإقليميين والدوليين بأن وفاة المرشد لن تؤدي إلى انهيار النظام أو تغيير توجهاته الأساسية. وبالتالي ، فمراسيم الجنازة كانت مناسبة لم تقتصر على تشييع قائد الدولة المغتال السابق، بل حملت أيضاً رسائل سياسية موجهة إلى الخارج. وتختلف هذه الرسائل عن تلك الموجهة إلى الداخل، إذ تستهدف التأثير في حسابات الخصوم والحلفاء والمجتمع الدولي. وهكذا ، فمن أبرز الرسائل السياسية التي سعت السلطات الإيرانية، إلى إيصالها تتمثل بالأساس في:
-فشل استراتيجية “قطع الرأس” وهي رسالة سياسية موجهة بالأساس إلى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل اللذان تبنيا في شن حرب على إيران ربط تصفية النخبة الحاكمة بانهيار النظام أو المساهمة في إسقاطه. وهكذا فإذا كان اغتيال خامنئي قد استهدف، من وجهة نظر إيران، إضعاف النظام عبر استهداف رأس هرم السلطة، فإن تنظيم جنازة واسعة وانتقال السلطة بصورة منظمة يهدفان إلى إظهار أن هذا الهدف لم يتحقق، وأن النظام يمتلك من المؤسسات ما يجعله قادراً على الاستمرار بعد رحيل أي قائد. حيث كانت الرسالة الأساسية أن اغتيال المرشد لم يؤد إلى انهيار النظام أو حدوث فراغ في السلطة، وأن مؤسسات الجمهورية الإسلامية ما زالت تعمل بصورة منتظمة، وأن انتقال القيادة يجري وفق الأطر التي يعتمدها النظام.
*السعي إلى أن تُسجل الجنازة كواحدة من أكبر الجنازات السياسية في التاريخ الحديث وذلك على غرار جنازة جمال عبد الناصر في سنة 1970 التي تعد من أكبر الجنازات السياسية في القرن العشرين. حيث شارك فيها ما لا يقل عن خمسة ملايين مشيع في شوارع القاهرة وفق كثير من التقديرات، والتي حضرها معظم القادة العرب وعدد من كبار المسؤولين الدوليين. أو جنازة مهاتما غاندي (1948) التي شاركت فيها حشود هائلة من مختلف أنحاء الهند ، حيث أصبحت رمزاً للوحدة الوطنية بعد الاستقلال. و عادة ما تتميز هذه الجنازات بأنها لم تكن مجرد مراسم وداع، بل أدت وظائف سياسية متعددة، منها: إظهار التماسك الوطني ، وترسيخ إرث القائد في الذاكرة الجماعية.، وكذا تأكيد استمرارية مؤسسات الدولة بعد رحيل الزعيم. بالإضافة إلى توجيه رسائل إلى الداخل والخارج بشأن استقرار النظام وقدرته على الحشد. وفي هذا السياق، يمكن فهم حرص السلطات الإيرانية على تنظيم جنازة واسعة لخامنئي باعتبارها امتداداً لتقليد سياسي عرفته دول عديدة، حيث تتحول الجنازة إلى حدث سياسي بامتياز، يُراد منه تأكيد أن وفاة القائد أو اغتياله لا تعني نهاية النظام، بل تمثل لحظة لإعادة إنتاج شرعيته وإبراز قدرته على الاستمرار.
-القدرة على التعبئة رغم الضغوط الدولية والحصار الأمريكي ، حيث حملت مراسيم جنازة المرشد العام السابق رسالة بأن إيران ما تزال قادرة على تنظيم حدث جماهيري كبير رغم الحرب والعقوبات والضغوط الاقتصادية، وهو ما يراد منه إظهار أن مؤسسات الدولة لم تفقد قدرتها التنظيمية والإدارية.
-طمأنة الحلفاء فبالنسبة للقوى والجماعات المتحالفة مع إيران، كان من المهم إظهار أن مركز القرار في طهران ما زال مستقراً وقادراً على مواصلة إدارة التحالفات والسياسات الإقليمية. فمشاركة كبار المسؤولين الإيرانيين في حضور مراسيم هذه الجنازة وصدور تصريحات رسمية تؤكد استمرار نهج الجمهورية الإسلامية هدفت إلى طمأنة الحلفاء وإبلاغ الخصوم بأن وفاة المرشد لا تعني تحولاً تلقائياً في السياسات الإقليمية أو الدفاعية لإيران. فقد سعت السلطات إلى ربط جنازة علي خامنئي بمسار الثورة الإسلامية منذ عام 1979، بما يعزز رسالة مفادها أن الثورة مشروع مستمر يتجاوز الأشخاص، وأن اغتيال قائد لا يؤدي إلى نهاية المشروع السياسي.
-تعزيز المكانة الإقليمية، فقد وظف حضور وفود وشخصيات أجنبية من دول حليفة لإبراز أن إيران لا تزال تحتفظ بعلاقات وتحالفات خارجية، رغم عزلتها مع عدد من الدول الغربية. فحسب ما أعلنته السلطات الإيرانية وما أوردته وكالات الأنباء، شاركت في مراسم تشييع علي خامنئي وفود رسمية من أكثر من 30 دولة، فيما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن تلقي طلبات مشاركة من أكثر من 100 دولة ومنظمة، وإن كان مستوى التمثيل قد تفاوت بين دولة وأخرى.و هكذا كان من أبرز الوفود الأجنبية التي حضرت:
*روسيا: حيث ترأس الوفد دميتري ميدفيديف، في إشارة إلى أهمية العلاقات الاستراتيجية بين موسكو وطهران.
*الصين: التي أوفدت وفداً رسمياً رفيع المستوى، دون أن يكون برئاسة الرئيس الصيني.
*الهند: حيث شارك وفد حكومي رسمي، في إطار حرص نيودلهي على الحفاظ على علاقاتها مع إيران.
*العراق: حيث حضر مسؤولون حكوميون وسياسيون، إلى جانب شخصيات دينية، بحكم الروابط السياسية والدينية الوثيقة بين البلدين.
*سلطنة عُمان: التي شاركت بوفد رسمي، وهو ما يعكس استمرار دورها كقناة للحوار مع إيران.
*السعودية: التي مثّلها نائب وزير الخارجية، في مشاركة عُدّت استمراراً لمسار استئناف العلاقات بين البلدين، مع ملاحظة أن مستوى التمثيل كان أدنى من بعض المناسبات السابقة.
*أفغانستان: حيث شارك وفد رسمي من سلطات كابول.
وبالإضافة إلى هذه الوفود ، فقد حضرت وفود من طاجيكستان وأرمينيا وأوزبكستان ودول أخرى في آسيا الوسطى والقوقاز. كما شهدت هذه المراسيم أيضاً حضور ممثلين عن حركات وتنظيمات حليفة لإيران، من بينها قيادات من حزب الله وحركة حماس، وهو ما أبرز البعد الإقليمي للمناسبة. في المقابل، غاب قادة الدول الغربية وكبار قادة مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي، ولم تشارك الولايات المتحدة أو إسرائيل، كما كان تمثيل عدد من الدول يقتصر على سفرائها أو مسؤولين من مستوى أدنى.
وقد عكس مستوى التمثيل من الناحية السياسية، ثلاثة أنماط من العلاقات:
*حلفاء إيران الاستراتيجيون (مثل روسيا) أرسلوا وفوداً رفيعة المستوى.
*الدول التي تربطها بإيران علاقات براغماتية (مثل الصين والهند وسلطنة عُمان والسعودية) التي شاركت بوفود رسمية مع مراعاة توازناتها الدبلوماسية.
*الدول الغربية التي اختارت عدم المشاركة على مستوى القيادات، وهو ما يعكس استمرار التوتر السياسي مع طهران. بالاضافة إلى عدم حضور جل الدول الخليجية و العربية بما في ذلك الجزائر التي تعتبر حليفا لإيران وذلك إما لحسابات الدبلوماسية الخاصة بكل دولة، حيث تحاول بعض الحكومات الموازنة بين علاقاتها مع إيران وعلاقاتها مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين. أولاعتبارات أمنية ولوجستية، خاصة أن هذه المراسيم جاءت في سياق توتر إقليمي.أو لاختلاف طبيعة العلاقات مع إيران؛ فالدول ليست على الدرجة نفسها من التقارب أو التباعد مع طهران .
*التأكيد على رمزية الثورة الإسلامية ، فقد أثارت هذه المسألة اهتماماً واسعاً، لأن مراقبين لاحظوا أن الآيات القرآنية التي كانت تُتلى عند استقبال الوفود لم تكن واحدة، بل اختلفت من وفد إلى آخر، وهو ما دفع بعض وسائل الإعلام والمحللين إلى الحديث عن “دبلوماسية قرآنية” أو “رسائل مشفرة عبر القرآن”.فقد أظهرت تسجيلات المراسيم تلاوة آيات مختلفة مع دخول وفود مختلفة. وعلى الرغم من عدم إصدار السلطات الإيرانية تفسيراً رسمياً يوضح سبب اختيار آيات معينة لكل وفد. فيمكن فهم اختلاف التلاوات على النحو الآتي:
– بالنسبة لاستقبال الوفد العُماني فقد فسر من طرف بعض المراقبين بأن اختيار آيات ذات مضامين تتعلق بالصلح أو الحكمة أو الوفاء بالعهد على أنها تعكس نظرة طهران إلى سلطنة عُمان باعتبارها وسيطاً موثوقاً وقناة للحوار مع الخصوم الإقليميين والدوليين.
-بالنسبة لاستقبال الوفد الأفغاني: فقد ربط بعض المحللين الآيات المختارة بالعلاقة المعقدة بين إيران والسلطات الأفغانية، التي تجمع بين التعاون في بعض الملفات والخلاف في أخرى، فاعتُبرت الآيات رسالة ذات طابع ديني وسياسي في آن واحد.
-بالنسبة لاستقبال الوفد السعودي: فقد كان الأكثر إثارة للجدل، إذ تليت، بحسب تقارير متعددة، الآية (13) من سورة آل عمران، المرتبطة بغزوة بدر. وقد فسرها بعض المعلقين على أنها رسالة سياسية مرتبطة بموازين القوة والصراع، بينما رأى آخرون أنها تذكير بانتصار المؤمنين في ظروف صعبة.
وإذا صحت فرضية الاختيار المتعمد، وإن كان في السياسة لا تترك أي جزئية للصدفة ، فإنها تمثل شكلاً من الدبلوماسية الرمزية، حيث تُستخدم النصوص الدينية بدلاً من التصريحات السياسية المباشرة. وهذا الأسلوب ليس غريباً على الجمهورية الإسلامية، بإيران ، التي كثيراً ما تمزج بين الخطاب الديني والرسائل السياسية في مناسباتها الرسمية.
وعموما ، فيمكن القول بأن مراسيم جنازة علي خامنئي كانت أداة من أدوات الاتصال السياسي الخارجي، استُخدمت لإبراز صورة دولة متماسكة وقادرة على إدارة انتقال القيادة، وللتأكيد أن اغتيال المرشد على خامنئي لم يؤد، من وجهة نظر السلطات الإيرانية، إلى إضعاف مؤسسات النظام أو تغيير توجهاته الأساسية. فتنظيم جنازة ضخمة ومنضبطة في ظل العقوبات والضغوط الاقتصادية يمكن أن يُستخدم لإظهار أن الضغوط الخارجية لم تُفقد الدولة قدرتها على إدارة الشأن العام أو الحفاظ على تماسكها المؤسسي. كما أن هذه المراسم قد نظمت في سياق توتر شديد مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولذلك حملت أيضاً بعداً سياسياً، حيث رافقتها تصريحات تؤكد استمرار نهج “المقاومة” والدعوة إلى الثأر، بما يهدف إلى إظهار أن مقتل المرشد لم يؤد إلى انهيار مؤسسات الدولة أو تغيير توجهاتها.ففي الثقافة السياسية الإيرانية، يشكل تشييع القادة الكبار مناسبة لإدراجهم ضمن الذاكرة الوطنية والثورية، وربطهم برموز الثورة الإسلامية وبمفهوم “الشهادة”، بما يعزز استمرارية السردية الرسمية للدولة.لذلك، يمكن القول إن الهدف لم يكن فقط تنظيم جنازة كبيرة من حيث العدد، بل أيضاً تحويلها إلى حدث سياسي وديني وإعلامي يعكس، من وجهة نظر السلطات الإيرانية، استمرارية الدولة، ووحدة مؤسساتها، والقدرة على الحشد في مرحلة انتقالية حساسة.



