القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان: الجمع والرسم (عبد الله الجباري)_3_
5 – عبد الله بن مسعود والجمع العثماني:
أوردت سابقا الإرشاد النبوي الموجه إلى عموم الصحابة بأخذ القرآن عن أربعة، عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب، ولما أراد عثمان جمع القرآن لم يكن على قيد الحياة آنئذ إلا عبد الله وأبي، فأشرك في العملية الثاني دون الأول، لذلك كان لابن مسعود موقف لاحِق من الجمع العثماني.
روى الترمذي من طريق الزهري أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَيَتَوَلَّاهَا رَجُلٌ وَاللَّهِ لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ ؛ يُرِيدُ زَيْدَ بن ثَابِتٍ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ “وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” فَالْقَوا اللَّهَ بِالْمَصَاحِفِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ[1]، وفي بعض روايات ابن أبي داود “ولقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة ، وإن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان ، أفأنا أدع ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم”[2].
تأسيسا على هذه النصوص، صنّف بعض الباحثين ابنَ مسعود ضمن المعارضين لعملية الجمع التي أشرف عليها الخليفة الراشد عثمان بن عفان، فما هي مسوغات “إقصائه” من اللجنة؟ وهل كانت هناك معارضة حقيقية للمصحف العثماني؟
أول ملاحظة نوردها في هذا الباب هي أن كثيرا من التفاصيل المذكورة في رواية الترمذي غير مذكورة في الصحيحين، رغم إيراد الشيخين لأصل الحديث، مما يدل على أن هذه التفاصيل لم تحظ بأعلى درجات الصحة[3].
وعلى افتراض صحة الواقعة، فإن الحافظ ابن حجر التمس عذرين لعثمان بن عفان:
أولهما: استعجال الجمع، وعبد الله آنئذ في الكوفة، ولو استدعاه لتأخر العمل.
ثانيهما: أن عثمان بن عفان سيعتمد على صحف أبي بكر، لذلك اقترح زيدا على اعتبار أنه من تولى نسخها[4].
إضافة إلى ما ذكره الحافظ ابن حجر، يمكنني أن أقرر أن عثمان بن عفان كان حكيما حين لم يشرك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وذلك مراعاة منه لعدة اعتبارات، منها :
1- استعان عثمان بن عفان بزيد بن ثابت وأبي بن كعب لإتقانهما الكتابة كما تقدم، وكانا يكتبان الوحي والرسائل لرسول الله، وابن مسعود لم تثبت عنه مهارته بالكتابة وتميزه بها، نعم، كان من القراء المهرة، وإتقان القراءة والحفظ لا يستلزم إتقان الكتابة.
2- شكّل عثمان بن عفان أعضاء اللجنة من صغار الصحابة وشبانهم[5]، وهم الأجدر بمثل هذا العمل المضني الذي يتطلب منهم سائر يومهم، أما كبار الصحابة – ومنهم ابن مسعود – فلم يشركهم عثمان في الجمع إلا ما كان من أبي بن كعب الذي لم يكن عضوا نشيطا كسائر الأعضاء، بل كان عضوا شرفيا لا يحضر معهم، بل يلجأون إليه لحل المعضلات لإتقانه الكتابة كما تقدم.
3- كانت خطة عثمان جمع القرآن على حرف واحد تفاديا للاختلاف، لذلك أرشد أعضاء اللجنة إلى الاحتكام إلى اللسان القرشي عند الاختلاف، وكانت عضوية سعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير بناء على تمكنهما وضبطهما للغة قريش، بل قيل : “إن عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص، لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله صلى الله عليه وسلم”[6]، أما عبد الله بن مسعود فلم يكن قرشيا ليُحتكم إليه، بل كان هذليا، وهذيل تختلف في لهجتها كثيرا عن قريش، من ذلك قولهم “متى” بمعنى “مِن”، فيقولون “أخرجها متى كُمِّه” أي : منه[7]، ومن مخالفاتهم أيضا قولهم “عتّى” بدل “حتى”، لذلك كان ابن مسعود يقرأ “عتّى حين” بدل “حتى حين”، ولما سمع بذلك عمر بن الخطاب قال له : “أقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل”[8].
بناء على ما سبق، يتبين أن عدم مشاركة ابن مسعود في اللجنة لم تكن إقصاء من عثمان، بل إن الشروط المؤطرة لعملية الجمع لم تتوافر فيه رضي الله عنه، ولو كان إقصاء مقصودا لما ارتضاه الصحابة الكرام، ولنبهوا إليه سيدنا عثمان، بل العكس هو الذي وقع، وهو أن أفاضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا صنيع ابن مسعود كما حكى ذلك الإمام الزهري في النص السابق.
6 – شبهات وردود:
أورد المستشرقون وبعض من اتبع نهجهم من الباحثين العرب بعض الشبهات حول جمع سيدنا عثمان، ويمكن في هذه العجالة إيراد بعض أقوالهم ومناقشتها :
أ – بلاشير وجمع عثمان:
** زعم ريجي بلاشير أن عثمان ورهطه أرادوا جمع القرآن في المصاحف خدمة للجماعة الأرستقراطية التي كان يمثلها[9].
لم نلمس؛ ونحن نتتبع دقائق وتفصيلات الجمع العثماني؛ أي أثر لنزعة أرستقراطية أو غيرها، بل وجدنا غيرة عثمانية على كتاب الله، وخشية على الأمة من الاختلاف والشقاق، ومن أثبت غير هذا فمُطالب بالدليل، أما إطلاق الكلام وإرساله دون دليل أو برهان فليس من شيم الباحثين والدارسين.
** قال ريجي بلاشير : “ففي خلافة عثمان بن عفان، أخذت معارضة علي بن أبي طالب في التشكل، فقد كان لهذا الفريق صحفه القرآنية التي جمعها علي بن أبي طالب بنفسه، ولكي يقطعوا الطريق على الصحف المذكورة، صار بوسع عثمان بن عفان واللجنة التي أُلّفت بأمره بصفتها تمثل ورثة كبار السلف جمع صحف هؤلاء اعتمادا على تلك التي كانت في حوزة أبي بكر الصديق.
ولا بد بعد العودة إلى الوراء من الاعتراف بفضل عثمان بن عفان الذي استطاع الفوز بإجماع أكثرية المسلمين على نص أدى بفضل الظروف المواتية إلى تأليف مصحف الإسلام”.
لا يستطيع المرء اقتحام مجال البحث في الدراسات الإسلامية دون التسلح بزاد معرفي يؤهله لذلك، وأول ما يحتاجه المرء في هذا الباب معرفة المصطلحات الخاصة بالعلوم الإسلامية وطرق استعمالها، ومن قرأ عبارة بلاشير “إجماع أكثرية المسلمين” يجزم بضعف الرجل وضحالة زاده المعرفي غير المؤهِّل لخوض غمار البحث في التراث الإسلامي، لأن الإجماع لا يحصل باتفاق الأكثرية، بل لا يتحقق إلا إذا اتفق الجميع بدون استثناء، أما إذا كانت عندنا أكثرية وأقلية فلا حديث عن الإجماع ألبتة.
وفي هذا النص تحدث بلاشير عن بداية تشكل معارضة علي بن أبي طالب، ومعلوم أن المستشرقين مثبتون لبداية تشكل معارضة علي مباشرة بعد السقيفة، بمعنى أنه يجب أن تكون هذه المعارضة في عهد عثمان قد قويت واشتد عودها، أما الحديث عن بداية تشكلها فاضطراب وتناقض.
تحدث بلاشير عن فريق علي بن أبي طالب وعن صحفه القرآنية، ولنا أن نتساءل عن أعضاء هذا الفريق، كم عددهم ؟ وما هي أسماؤهم ؟ أما أن لهم صحفا خاصة، فهذا مسلَّم، لأن عموم الصحابة كانوا ذوي صحف، سواء من كان منتميا إلى فريق علي، أو من كان منتميا إلى فريق عثمان (إذا سلمنا بهذا التقسيم)، وقد أوردت سابقا جمع عثمان للصحف من كل الصحابة بشرط أن يشهدوا بكتابتها من سماعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون واسطة.
ب – طيب تيزيني وجمع القرآن:
قال د. طيب تيزيني : “إن القرآن – وفق آراء جمع من الكتاب الإسلاميين – خضع أثناء جمعه – وبتأثير من المصالح السياسية المتصارعة خصوصا للتكونات السياسية والإيديولوجية الإسلامية الناهضة – لعمليات أدت إلى اختراق متنه زيادة ونقصانا، ويكفي الآن أن نشير إلى أن ذلك قاد إلى حالة من القلق والاضطراب في هذه التكونات، دون أن يتمكن من حفر جذور له في أوساط الجمهور الإسلامي العمومي، الذي يندرج في إطار ما تعرفنا عليه باسم “الإسلام الشعبي””[10].
بوقفة بسيطة مع هذا النص، يمكننا أن نفهم أن المتن القرآني عرف زيادة ونقصانا أثناء الجمع العثماني، لكن من الذي تولى هذه الزيادة ؟ وما هي العبارات أو الكلمات أو حتى الحروف التي زيدت ؟ قد يكون الباحث الأكاديمي د. تيزيني في غنى عن الإجابة عن هذه الأسئلة، المهم هو إثارتها وكفى.
ومحاولة منه لإقناع القارئ، يحيل إلى “جمع من الكتاب الإسلاميين” (كذا)، ومن المقرر المعلوم في أبجديات البحث العلمي أن الإحالة لا تجوز إلى نكرة أو نكرات في القضايا والإشكاليات البسيطة، فما بالك إذا كان الباحث يتغيى من تلك الإحالة تقرير حكم خطير يخص الكتاب المقدس لأمة من الأمم.
ولما لم يجد دليلا واحداً يُسند رأيه، عمد إلى ما عمد إليه بلاشير، فتحدث عن المصالح السياسية المتصارعة، والتكونات السياسية والإيديولوجية الصاعدة، وكل هذا كلام مرسل لا يُقبل من صغار الطلبة والباحثين.
ومن حقنا أن نتساءل عن السبب وراء عدم اختراق مثل هذه القناعات “لأوساط الجمهور الإسلامي العمومي” حسب عبارة د. تيزيني؟ هل فرض عليهم عثمان بن عفان مصحفه بالسيف والقهر؟ أم بالترغيب والإغراء؟ أم أنهم لا يعيرون للمصحف كبير اعتناء بحيث يقبلونه رغم ما وقع فيه من زيادة ونقصان ؟ … كثيرة هي الأسئلة التي يجب على باحث من حجم د. طيب تيزيني أن يجيب عنها، لكنه لم يفعل.
ج – محمد أركون وجمع القرآن:
تناول الدكتور محمد أركون قضايا إسلامية عديدة في كثير من أبحاثه ومؤلفاته، ومن جملة تلك القضايا ما كان متعلقا بالقرآن الكريم، والملاحظ على كتابات أركون أنه يطلق أحكاما ويستنتج خلاصات كبرى دون أن يسندها بدليل أو يعضدها ببرهان، وهذه طريقة بعيدة جدا عن منهج البحث العلمي كان حريا بباحث كبير ومفكر شهير أن يترفع عن مثلها، وأن يربط النتائج بمقدماتها.
ومثال ذلك ما قاله د. أركون حول عمليتي جمع القرآن التي تحمل عبأهما الخليفتان الأول والثالث رضي الله عنهما، حيث ذكر أن أبا بكر فكّر “بتجميع أكبر عدد من السور وكتابتها من أجل حفظها، وتم بذلك تشكيل أول مصحف (…) راح الخليفة الثالث عثمان (أحد أعضاء العائلة المعادية لعائلة النبي) يتخذ قرارا نهائيا بتجميع مختلف الأجزاء المكتوبة سابقا، والشهادات الشفهية التي أمكن التقاطها من أفواه الصحابة الأول، أدى هذا التجميع عام 656 م إلى تشكيل نص متكامل فرض نهائيا بصفته المصحف الحقيقي لكل كلام الله كما كان قد أوحي إلى محمد.
رفض الخلفاء اللاحقون كل الشهادات الأخرى التي تريد تأكيد نفسها (مصداقيتها) مما أدى إلى استحالة أي تعديل ممكن للنص المشكل في ظل عثمان”[11].
بنظرة عجلى على هذا النص، يتبين تسرع الباحث وإرساله للكلام البعيد عن التحقيق العلمي، وإلا فما معنى أن أبا بكر فكر في تجميع أكبر عدد من السور ؟ ماذا تستبطن هذه العبارة ؟
إن الجمع الأول الذي كان عمدة عثمان فيما بعد، جمع كل سور القرآن، ولم يجمع أكبر عدد من سوره فحسب، ولم يتحفنا د. أركون بدليل أو نص تراثي منسوب إلى أبي بكر أو من عاصره أو من بعدهم يفيده في دعواه، وهذه عادته كما هي عادة ومنهج كثير من المستشرقين مثل بلاشير المذكور من قبل.
تحدث المستشرق بلاشير عن معارضة علي بن أبي طالب لعثمان بن عفان، وذكر الدكتور طيب تيزيني الصراع السياسي والإيديولوجي الذي كان سائدا في عهد الخليفة الثالث، أما الدكتور أركون فكان أكثر وضوحا وصراحة منهما، لأنه بيّن لنا طبيعة هذا الصراع[12]، حيث ذكّرنا بانتماء عثمان بن عفان إلى (العائلة المعادية لعائلة النبي)، مما يدل على وجود صراع مواقع بين عائلة عثمان الأموية، وعائلة النبي/علي بن أبي طالب الهاشمية، فما مدى صحة هذه الدعوى ؟
لم يكن عثمان بن عفان عدوا للعائلة الهاشمية على الإطلاق، بل هو جزء منها ، وفرع من فروعها، حيث تربطه بها علاقة الخؤولة والقرابة، لأن جدته لأمه – أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب – توأمة عبد الله بن عبد المطلب أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمعنى أن عثمان ابن بنت عمة النبي[13]، وتربطه بالعائلة الهاشمية أيضا علاقة المصاهرة، وذلك من خلال زواجه من كريمتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولو كان سيدنا عثمان ممن يؤثر آصرة القرابة والنسب على دينه ومبادئه وقيمه لتراجع عن الإسلام منذ البداية إيثارا لقرابته وذويه، حيث أمره عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية بالتراجع عن الإسلام، بل أوثقه رباطا وقال : “أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث ؟ والله لا أحلك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين”. فقال عثمان : “والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه”. فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه”[14].
ثم استرسل د. أركون في حديثه عن تجميع القرآن بواسطة الرواية الشفهية، لكنه شكك في استيعابها لعموم النص القرآني، بدعوى أن الخلفاء اللاحقين رفضوا تعديل النص القرآني بناء على الروايات الشفهية الأخرى التي تريد تأكيد نفسها ومصداقيتها، وكعادته، لم يأت بدليل أو شبهة تعزز ما جنح إليه، ولم يبيّن لنا من طلب هذه التعديلات، ولم يذكر الخلفاء الذين رفضوا هذه الشهادات، وهل رفضها علي بن أبي طالب أم الذين تولوا الأمر من بعده ؟ كما لم يسَمِّ لنا أصحاب هذه الشهادات ونصوصهم التي يودون إدخالها على النص القرآني، ورغم خطورة مقوله، فإنه لم يسنده ولو بنص واحد ولو كان ضعيفا أو موضوعا.
وفي نص آخر، تقدم أركون خطوة إلى الأمام، حيث لم يركز على الرواية الشفهية ذاتها، بقدر ما حاول تبيان الخطورة التي اعترضت النص القرآني في مرحلة الانتقال من الرواية الشفهية إلى مرحلة الكتابة، على اعتبار “أن الانتقال من مرحلة الخطاب الشفهي إلى مرحلة المدونة النصية الرسمية المغلقة[15] (أي : مرحلة المصحف) لم يتم إلا بعد حصول الكثير من عمليات الحذف والانتخاب والتلاعبات اللغوية التي تحصل دائما في مثل هذه الحالات، فليس كل الخطاب الشفهي يُدوَّن، وإنما هناك أشياء تُفقَد أثناء الطريق، نقول ذلك ونحن نعلم أن بعض المخطوطات قد أُتلفت كمصحف ابن مسعود مثلا، وذلك لأن عملية الجمع تمت في ظروف حامية من الصراع السياسي على السلطة والمشروعية، وهذا ما أثبته النقد الفيلولوجي الاستشراقي”[16].
بناء على ما سطره الأستاذ أركون، فإن الكتابة الرسمية للقرآن بنيت على “الحذف والانتخاب والتلاعبات اللغوية”، وهذه مسألة في غاية الخطورة، لأنها تعطي انطباعا على أن القرآن الكريم كان نصا ربانيا خالصا، ثم امتدت إليه يد البشر بالحذف والتلاعب (كذا)، مما يفقده القدسية اللازمة، وينزل به إلى مصاف سائر الكتب السماوية التي تعرضت للتحريف والتغيير.
ولما كان هذا الاستنتاج في غاية الخطورة، كان لزاما على الأستاذ المذكور أن يعززه بمجموعة من البراهين والأدلة القطعية التي لا تبقي مجالا للشك والريب، لكنه استدل لذلك بجملة صغيرة بسيطة، وهي أن هذه التغييرات “تحصل دائما في مثل هذه الحالات” !! أبمثل هذه العبارة نستدل على تحريف القرآن أو تعديله ؟
أما قضية إحراق المخطوطات القرآنية الأخرى فلا تعد دليلا، لأن عثمان بن عفان أراد جمع الناس على مصحف واحد تلافيا للاختلاف الواقع في القراءة، وهذا الاختلاف واقع في محفوظ الناس وفي مكتوباتهم ومدوناتهم أيضا، لذلك كان ملزما بإتلاف تلك الصحف والمصاحف المخطوطة وإلا كان عمله غير ذي جدوى، أضف إلى ذلك أن في الصحف الموجودة بأيدي الناس بعض الإضافات والشروحات التي لا تختلط على أصحابها بالقرآن لتمام ضبطهم وإتقانهم، يضيفونها لبيان مجمل أو تقدير محذوف أو تفسير لفظ …، أما غير كتَبتها فقد يحسبونها قرآنا وهي ليست كذلك، مثل القراءة التفسيرية لسعد بن أبي وقاص : “وله أخ أو أخت من أم”، أو قراءة ابن عباس : “ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج”، أو قراءة ابن الزبير : “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم”، ومما يدل على شيوع مثل هذه الزيادات التفسيرية بين عموم الصحابة أن عمرو بن دينار تساءل عن زيادة ابن الزبير المذكورة فقال : “ما أدري، أكانت قراءته أم فسّر ؟”[17].
كل مقولات أركون السابقة ليست إلا مقدمات وممهدات لمطلبه الهام، وهو المراجعة النقدية الشاملة للنص القرآني، وذلك لن يتم إلا باتباع الخطة الآتية :
“1 – ينبغي أولا إعادة كتابة قصة تشكل هذا النص بشكل جديد كليا، أي : نقد القصة الرسمية للتشكيل التي رسخها التراث المنقول نقدا حذريا، هذا يتطلب منا الرجوع إلى كل الوثائق التاريخية التي أتيح لها أن تصلنا، سواء كانت ذات أصل شيعي أم خارجي أم سني، هكذا نتجنب كل حذف ثيولوجي لطرف ضد آخر، المهم عندئذ هو التأكد من صحة الوثائق المستخدمة.
2 – بعدها نواجه ليس فقط مسألة إعادة قراءة هذه الوثائق[18]، وإنما أيضا محاولة البحث عن وثائق أخرى ممكنة الوجود، كوثائق البحر الميت التي اكتشفت مؤخرا، يفيدنا في ذلك أيضا سبر المكتبات الخاصة عند دروز سوريا أو إسماعيلية الهند أو زيدية اليمن أو علوية المغرب، يوجد هناك – في تلك المكتبات القصية – وثائق نائمة متمنعة، مقفل عليها بالرتاج، الشيء الوحيد الذي يعزينا في عدم إمكانية الوصول إليها الآن هو معرفتنا بأنها محروسة جيدا”[19].
من خلال هذا النص، يدعو أركون إلى قراءة وثائق قديمة للبحث عن النص القرآني الأصيل، والخبير بالتراث الإسلامي يعلم أن علماء المسلمين أثبتوا في مصنفاتهم وكتبهم كل الروايات التي يمكن اعتمادها دون أن يقصوا شيئا، وقام بعد ذلك علماء الإسلام بحركة نقدية لمعرفة الصحيح من الضعيف والواهي والموضوع، ودوننا كتاب المصاحف لابن أبي داود، فهو مليء بالروايات المتعلقة بالقرآن الكريم على اختلاف درجاتها ووثوقيتها، لذلك نقول مطمئنين بعدم وجود أية وثائق أخرى غير مذكورة في التراث الإسلامي يمكن البحث عنها واعتمادها في إصدار مصحف جديد منقح ومحقق، ولو وجدت وثيقة واحدة لطاف بها أعداء الإسلام – وهم ليسوا قلة – أرجاء الأرض، ولرفعوها إلى عنان السماء.
أما إحالته إلى وثائق البحر الميت، فإن القارئ لها والمطلع عليها يخيل إليه أنه يقصد النص التوراتي لا النص القرآني !! على اعتبار أن وثائق البحر الميت المكتشفة في كهوف جنوب أريحا ابتداء من سنة 1947م تغطي الفترة الممتدة ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الأول بعد الميلاد، وهي وثائق مكتوبة باللغات العبرية والآرامية واليونانية والنبطية[20]، فهل يعقل أن نجد ضمنها وثيقة واحدة تمت بصلة إلى القرآن الذي نزل على سيدنا محمد بعدها بقرون ؟
أما المكتبات القصية التي أحال أركون على وثائقها النائمة والمتمنعة فمنعدمة لا وجود لها، ويكفي دليلا على ذلك أنه ذكر منها المكتبة الخاصة بعلوية المغرب، ومعلوم أن الباحثين قد سبروا الخزانات المغربية سبرا، الخاص منها والعام، وكل مكتبة إلا ولها بيبليوغرافيتها الخاصة والمنظمة، بل تعرضت الخزانات المغربية عبر التاريخ للنهب والسرقة خصوصا في العهد السعدي من قِبل القراصنة الإسبان، وكثير من تلك المخطوطات توجد اليوم في خزانة الإسكوريال بإسبانيا، ولو كانت فيها وثيقة واحدة تثبت تحريفا أو تبديلا أو زيادة أو نقصا في القرآن لكشفها الباحثون، إذ لا فائدة للإسبان من سترها حتى يقول أركون “الشيء الوحيد الذي يعزينا في عدم إمكانية الوصول إليها الآن هو معرفتنا بأنها محروسة جيدا”.
[1] رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله، باب ومن سورة التوبة : 5/285، وقال عقبه : “حديث حسن صحيح، وهو حديث الزهري لا نعرفه إلا من حديثه”.
[2] ابن أبي داود، المصاحف : 1/184.
[3] وبعض رواياتها ضعيف، قال الحافظ البوصيري تعليقا على قول ابن مسعود : “إني غال مصحفي، فمن استطاع أن يغل مصحفا فليفعل …” هذا إسناد ضعيف لضعف راويه عمرو بن ثابت. إتحاف الخيرة المهرة : 5/178.
[4] ابن حجر، فتح الباري : 9/19، طبعة دار المعرفة بعناية الشيخ عبد العزيز بن باز، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، تصحيح محب الدين الخطيب.
[5] كان عبد الرحمن بن الحارث وعبد الله بن الزبير بالغين من العمر أثناء الجمع حوالي خمسة وعشرين سنة، وكان سعيد بن العاص يصغرهما بحوالي سنة، أما زيد بن ثابت فكان أكبر الأربعة، وكان عمره آنذاك حوالي ستة وثلاثين سنة.
[6] ابن أبي داود، المصاحف : 1/211.
[7] ابن هشام، مغني اللبيب : 2/21.
[8] الزمخشري، الكشاف : 1/388.
[9] علال الفاسي، مدخل لعلوم القرآن والتفسير : 70.
[10] تيزيني، النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة: 65.
[11] محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي: 288.
[12] قال أركون في موضع آخر: “خصوصا أن جمع القرآن قد تم في مناخ سياسي شديد الهيجان” الفكر الإسلامي نقد واجتهاد: 81.
[13] السيوطي، تاريخ الخلفاء: 140.
[14] ابن سعد، الطبقات الكبرى : 3/52.
[15] يطلق الدكتور محمد أركون على المصحف عبارة “المدونة النصية الرسمية المغلقة أو النهائية أو الناجزة”، قضايا في نقد العقل الديني : 187 – 189. الفكر الإسلامي نقد واجتهاد : 81.
[16] أركون، قضايا في نقد العقل الديني : 188.
[17] السيوطي، الإتقان : 2/507. جرى العمل عند الصحابة بمثل تلك الزيادات الموضِّحة في كتابتهم للقرآن وللسنة على السواء، وهو ما يسمى عند علماء الحديث بالمدرج، وقد أفرد بالتأليف.
[18] الصواب أن يقول : “بعدها لا نواجه مسألة إعادة قراءة هذه الوثائق فقط”، أما عبارة “نواجه ليس فقط” فركاكة يُترفع عنها، ولست أدري مصدرها، هل المؤلف أم المترجم ؟
[19] أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي : 290 – 291.
[20] معلومات مقتبسة من موقع http://www.marefa.org



