المقالات

تأملات في الأمة والتغيير وشروط الانتقال(إدريس مقبول)

يمكننا مع بعض التجوز أن نتكلم عن ثلاثة معان للأمة:

_ الأمة بمعناها القُطري أو الترابي حين تكون شروطها متوفرة جامعة للعناصر البشرية في الوطن الواحد سواء اتفقت في معتقداتها ولغاتها أم اختلفت، فيمكن حينها أن تكون المواطَنة أساسا والانتماء للوطن أرضية لهذه الأمة المصغرة، فنتكلم عن أمة مغربية وأمة مصرية وهكذا.

_ والثانية الأمة التي يجتمع فيها ذوو المروءات من كل العالم على نصرة المظلوم وقضايا المستضعفين، وأهلها يجتمعون على ما يمكن أن نسميه مواطنة أخلاقية، يحب الأستاذ طه عبد الرحمن أن يسميها (المخالقة) بديلا عن (المواطنة)، وهي ذات طابع معنوي وسلوكي، إنها أمة المروءات التي تُخرج لنا مواطنة المروءة، وقد سميت بذلك لمركزية المروءة في نسقها السلوكي الذي باركه الإسلام ولم يؤسسه، لأن تأسيسه كان سابقا على مجيء الإسلام من خلال ثقافة أخلاقية لاشك أن لها أصولا دينية قديمة، اشتهر من أعمالها الخالدة ما سمي بحلف الفضول، وما نراه اليوم من اجتماع ذوي الضمائر الحية في العالم على الانتصار لغزة هو من هذا القبيل.

_ والثالثة بمعناها الموسع العابر للأقطار والعابر للغات والثقافات المحلية وللجغرافيات والحدود السياسية، يكون حينها مفهوم الأمة كيانا يجمع المؤمنين الموحدين على امتداد العالم، وإذ ذاك هناك شعور ورابطة نفسية أو لنقل مُواطَنة قلبية إيمانية تشكل العنصر الحيوي لهذا المفهوم، يجتمع الناس حول قبلة واحدة ورب واحد ورسول واحد، ووظيفة واحدة هي دلالة البشرية على رسالة السماء باللطف لا بالعنف.

أظن ان الجغرافيا لها دور كما للتاريخ دور وللدين والثقافة دور لا يمكن تجاهله في إضفاء الشرعية على نوع المفهوم الذي نختاره لنتكلم عن الأمة التي ليس من المفروض أن نعممها على كل السياقات ولا كل التجارب، فقد تجد أمة يجتمع فيها أكثر من قومية وأكثر من ديانة وأكثر من لغة، تجتمع على مصالح وطنية محضة، وهي صورة يمكن أن تجد لها أمثلة في دولنا التي تعرضت للاحتلال تاريخيا، وتأسست شخصيتها بعد الاستقلال بمساهمة مختلف القوميات عربية وأمازيغية وكردية، إسلامية ومسيحية ودرزية إلخ..

من المهم أيضا أن لا نسقط التعارضات التي قد تنشأ في بعض السياقات نظرا لظروف تاريخية معينة على باقي صور الائتلاف في أوطاننا، فنعمم الفشل أو إمكان نشوب حروب أهلية، فهناك حاجة دائما لتوخي الحذر من الانزلاق إلى منطق الصراعات وافتراض الصدام مثلا بين العامل القومي والديني، فقد تكتفي بعض الأمم في تطوير قدراتها وتقوية جبهتها الداخلية والخارجية على الروابط الاجتماعية والاقتصادية، فالتركيز على العلاقة بين البناء الاجتماعي والبناء الاقتصادي قد يكون كافيا في مرحلة ما لتمتين النسيج إذا رافقه نظام سياسي وقانوني يحقق الكرامة وتكافؤ الفرص، وإذا رافقته ثقافة تعلي من قيمة المعرفة والأخلاق والعمل أو الإنتاجية بدل ثقافة الريع. حينها تتأسس الأمة على قاعدة الانتماء الوطني الذي يتساوى فيه الجميع أمام القانون ويحضون بنفس التقدير وتفتح أمامهم نفس فرص النجاح وتقديم الأفضل في الإدارة والسياسة والحكم.

لا يجب أن ننسى أن ما خضعت له المنطقة ابتداء من الاستعمار الذي تباينت نتائجه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على البلدان التي مر بها، ومرورا بتجارب الحكومات الوطنية بُعيد الاستقلال مع التفاوت في تشبعها وقربها وبعدها من (الحس الوطني) وانتهاء بالطفرات أو الانقلابات العسكرية وعمليات التقسيم القسري بعد سايكس بيكو تجعلنا ملزمين بالتفكير مليا فيما نسميه أمة إسلامية بملامح محددة وواضحة.

كما أن وجود إسرائيل في المعادلة ونشاط برامج التطبيع قد أسهمت من جانبها في مزيد من التعقيد، لأن مفهوم الأمة الإسلامية بات أكثر تشويشا، فهناك دول وأنظمة إسلامية بادرت للدخول في حلف التطبيع، بحيث باتت مسألة احتلال فلسطين والموقف من الاحتلال عاملا جديدا يسائل مفهوم (الأمة) ويعيد ترتيب الصورة وفق تصور مغاير تتداخل فيه المصالح الداخلية والمصالح الخارجية لهذه الدول، ويعيد هندسة الاصطفافات القسرية، فضلا عن واقع الحماية الذي تفرضه الولايات المتحدة منذ زمن على دولنا والذي يعني فقدان السيادة ولا شيء غيرها. والحماية كما هو معلوم لا تنفصل عن قانون المقايضة، ففي السياسة لا شيء مجاني، كل موقف له ثمنه.

هل نستطيع بالرغم من القيود والإكراهات أن نذهب في اتجاه (أمة إسلامية) من جديد، أعتقد ان ذلك ممكن ولو جزئيا بالاشتغال التدريجي على إعادة الحياة للإنسان وشروطه المادية والروحية، أن نهتم في المقام الأول بما هو اقتصادي بالدرجة الأولى، بمعنى إعطاء المجال لما يدخل في دائرة المصالح المادية بتعزيز المبادلات الاقتصادية وإنشاء سوق للتبادل تحل مشكلات الخصاص والنقص في الموارد، طبعا هذا لا يمكنه أن يتم بمعزل عن التسلح بقدر من الإرادة والوعي السياسي المتدرج للتخلص من قبضة الكماشة الاستعمارية الجديدة.

يمكن أن نراهن على كفاءة المجتمع المدني والأهلي بطاقاته وإمكاناته في تذويب النتوءات وتقريب وجهات النظر والسعي في دعم مبادرات التعاون وفتح الحدود عبر إزالة الحواجز النفسية وتعزيز سياسة التراكم الإيجابي والبَنَّاء للأعمال والمشاريع الوحدوية المشتركة.

لابد من التذكير أيضا أن المراهنة يجب أن تكون على تحقيق نجاح وتقدم ولو جزئي، بدل الاستسلام لنفسية الإحباط والفشل، فما يتحقق من تقدم طفيف في عمر الائتلافات والأمم هو عظيم في حد ذاته، وليس من الضروري أن تتحقق كل الأحلام دفعة واحدة، الانقلابات وحدها التي تَعِد الشعوب بانتقال فوري من النار إلى الجنة، ومن الفقر إلى اليسار والغنى، وهو مجرد هراء للاستهلاك والتضليل، فليس هناك تغيير يقع في غمضة عين، كما أن أي تغيير حقيقي يتطلب زمنا ومراكمة وشجاعة في التصحيح والنقد. الشجعان وحدهم من يتحملون المسؤولية فيراجعون ويتراجعون إذا لزم الأمر.

في العادة يستسلم الناس للخطابات التخديرية او الشعارات الساخنة، وترتفع توقعاتهم وأحلامهم، كما لا تقبل قوى التغيير نفسُها أن تمارس النقد والمراجعة أثناء عمليات الانتقال بدعوى الاستثناء، ولربما بسبب نرجسية سياسية أو فقر في أفقها الثقافي أو بسبب غرور طائفي، يجعل كل ممارس للنقد سواء من الداخل أو من الخارج يُواجهُ بالتخوين والتشهير..

لحظات الانتقال هي لحظات ضعف وهشاشة من كافة الأوجه، والخروج من مرحلة انهيار وضعف لا يعني الدخول مباشرة في مرحلة قوة، بل إن الضعف يرافق أي مرحلة انتقالية، بعبارة أخرى الضُّعف في ظل الانتقال يكون أشد وأقوى لدخول عناصر التفتيت على الخط ولسخونة الأوضاع ولهيجان قوى المعارضة وعقارب  الثورة المضادة، العقارب تنشط في صيف الشعوب الساخن، فإذا لم يتسلح رواد التغيير بالشفافية اللازمة والشجاعة الأخلاقية ونكران الذات والصبر والصدق المطلوب مع الذات ومع الناس ذهبوا بالأمة المتشظية وعيونهم مفتوحة إلى السفوح السحيقة والحفر الضيقة.

     هناك تحد كبير أمام كل تيارات التغيير أن تروض نفسها على فكرة التسويات وثقافة التوافق والتناوب والتقاسم والتشارك، فليس من شيء عظيم يمكن أن يتحقق من طريق التسابق والاستفراد والاحتكار، كما أن الحكمة تقتضي أن لا يُترك الناس يَهرمون ويموتون في مواقعهم مهما أظهروا من إخلاص، الإخلاص وحده لا يكفي في العبادات فكيف بإدارة الأمور الدنيوية أو لنقل في العادات فهو غير كاف، لابد من الكفاءة ولابد من الإنتاجية ولابد من الإصابة والصواب، ولهذا فالتغيير يجب أن يكون سُنّة مؤكدة بل هو واجب متعين في كل مساحات الحياة لتتجدد الطاقات والعطاءات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق