المقالات

قول في”نسبية المعارف”(ميمون النكاز)

دعوى “نسبية المعارف” في مطلق الدعوى مدخل خفي سيار إلى “التفكيك” و”التسييل” و”الترييب” و”التشكيك”، إذ تقوم هذه الدعوى على دعوى أولية مفادها تقريرُ “استغراقيةِ الاحتمالية والمظنونية” وجريانِها في “كل المعارف الإنسانية”، الدينية والعقلية والحسية التجريبية والاختبارية، من غير تمييز بين أجناس المعارف وأنواعها، وبين مراتب الحجية والبرهانية فيها، من غير تفريق فاصل بين “الحقائق المعرفية” التي يستفاد القطع والإحكام واليقين من ذاتها أو من غيرها، وبين “مظنونات الدين والعقل والنفس والحس والتجربة والحدس”…
ليس الغرض الخوض الفلسفي والمنطقي في عامة دلالة هذه الدعوى، وإنما القصد التنبيه إلى مخاطر “الاستخدام الوظيفي لهذه الدعوى” في سياق مشاريع التفكيك الديني والثقافي والقيمي المتساوقة مع مشاريع التفكيك السياسي والاجتماعي والأمني التي تضطلع بها “السياسة الصهيوأمريكية” في العالم الإسلامي، من خلال إنشاء المؤسسات والمراكز والمعاهد والهيئات والمنصات المأجورة والمجندة لخدمة هذه المشاريع، حيث لا نجد أنفسنا أمام “اختلافية نسبية” و”تعددية معرفية” “طبيعية عادية” و”معقولة محتملة” قابلة للتسامح والتغافل والاحتمال والتعايش، بل هي أشبه كما أشرت إليه من قبل بمسجد الضرار الذي أسس باعتباره “مسجدا عاديا”، حيث كان في “الحقيقة” وواقع الأمر والحال من معاول “الهدم الداخلي”، والنص القرآني صريح في شأن هويته وطبيعته وغايته لا يحتمل التأويل:
{وَٱلَّذِینَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسۡجِدا ضِرَارا وَكُفۡرا وَتَفۡرِیقَۢا بَیۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَإِرۡصَادا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَیَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَاۤ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ یَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَـٰذِبُونَ، لَا تَقُمۡ فِیهِ أَبَداۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ یَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِیهِۚ فِیهِ رِجَالࣱ یُحِبُّونَ أَن یَتَطَهَّرُوا۟ۚ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِینَ}[التوبة١٠٧-١٠٨]…
بعد الكشف عن هوية هذه “المؤسسة الدينية” وتعرية مقاصدها سعى إليها النبي صلى الله عليه وسلم -باعتباره ولي أمر المسلمين- فنقض أسسها وهدم بنيانها، مع أنها في ظاهر أمرها تبدو “مؤالفة” و”متناغمة” مع هوية المجتمع والقيم الدينية العليا فيه، فكيف يكون المطلوب عندما يكون الحال متعلقا بمساعي التفكيك والنقض والهدم الخفي لهوية الأمة ولدينها بعناوين “النسبية” و”الاختلافية” و”التعددية” و”الحق في الاجتهاد التأويلي”!!!…
لا أعلم دينا احتفى برعاية الاختلاف الإنساني أمثل من الإسلام، وصانه بحفظ الحق فيه، حيث شرع الحوار بلاحدود، بل عمل على استثارة “المخالف” ودعوته إلى “موائد الحوار العلمي” و”المناظرة البرهانية” كما في قوله تعالي: {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا،إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ}[الأنعام ١٤٨], وكما في قوله تعالى:{وَقَالُوا۟ لَن یَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَـٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِیُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُوا۟ بُرۡهَـٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ، بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنࣱ فَلَهُۥۤ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ، وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ لَیۡسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَیۡسَتِ ٱلۡیَهُودُ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَهُمۡ یَتۡلُونَ ٱلۡكِتَـٰبَۗ كَذَ ٰ⁠لِكَ قَالَ ٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ یَحۡكُمُ بَیۡنَهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ فِیمَا كَانُوا۟ فِیهِ یَخۡتَلِفُونَ﴾ [البقرة ١١١-١١٣]، بل وجدنا الوحي الشريف -من أجل الدفع بأخلاقيات الحوار إلى منتهاها- ينزل المسلم منزلة المتجرد من الحقائق المستيقنة عنده، لكونها مشكوكا فيها عند خصمه أو مخالفه، فتحا لمنافذ الوصول إلى عقل المحاوَر وقلبه: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، قل لا تُسئَلون عما أجرمنا ولا نُسئَل عما تعملون}[سبأ ٢٤-٢٥],بل ارتقى الوحي الشريف إلى منتهى حسبان المسلم مجرما والمحاوَر المخالف مجرد جاهل كما هو في الآية الشريفة…
هذا جميعُه وكلُّه شيء، و”التطبيع السلوكي” مع “المؤسسات والمراكز والهيئات والمنصات الوظيفية” التي تسعى لشرعنة وجودها باستضافة أو محاورة من تتخذهم مطية للتلبيس والتدليس على الناس، وذلك بإرفاق دعوة المتابعين إلى الانخراط فيها والاشتراك فيها ومتابعة أنشطة الهدم والتفكيك فيها في ظرف دعوتهم أو ضيافتهم، حيث يكون وجود “الشرفاء” فيها إذا دعوا إليها عارضا وظيفيا، ويكون القصد هو الوصول إلى أكبر عدد من المتابعين الذين يراد “تفكيك مسلماتهم” و”تسييل هوياتهم”… تلك هي النكتة في الحسم القطعي والصرامة العملية في التعامل مع مسجد الضرار الذي أوردنا خصوصية تأسيسه في العهد النبوي، وكيف كانت “الاستجابة النبوية” للدعوة التي وجّهت إليه من قبل القائمين على مشروعه بمقاصده التي أجملها القرآن الكريم في : “الضرار” و”الكفر” و”التفريق” و”الإرصاد للخصوم”، وكلها كما هو ظاهر مقاصد تهدف إلى نقض مستيقنات العقيدة وتفكيك الاجتماع الإسلامي بالتشتيت والتفريق واتخاذ هذه الوظائف والأفعال “مَراصِدَ” للعدو، يتخذها عونا له عل الاستضعاف والفتنة والهيمنة….

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق