الأشجار المحظورة: (عبد السلام المساوي)

لا أستطيع أن أقدّم كتابي (الأشجار المحظورة) بوصفه مجرد سيرة. لأنني، في الحقيقة، لم أكتب حياتي لكي أرويها… بل كتبتها لكي أفهمها. لم أبدأ من سؤال: ماذا حدث لي؟ بل من سؤال أعمق: كيف تشكّلت روحي؟ وكيف صرتُ هذا الكائن الذي يرى العالم بهذه الحساسية، ويصغي إلى التفاصيل الصغيرة كأنها نداءات سرّية؟ في طفولتي – كما أستعيدها الآن – لم تكن الأشياء عادية. كنتُ أشعر أن لكل شيء ظلًا آخر: للبيت ظلٌّ لا يُرى، وللصمت صوتٌ خافت، وللوحدة اتساعٌ يشبه الأفق.
كتبتُ عن تلك الطفولة لا بوصفها مرحلة زمنية، بل بوصفها جذراً. هناك، في البدايات، بدأت تتشكّل علاقتي بالدهشة. هناك تعلّمت أن أراقب أكثر مما أتكلم، وأن أصغي أكثر مما أحتجّ. وربما كانت تلك أولى الأشجار التي نمت داخلي… شجرة التأمل. لكن الحياة لا تترك براءتها سليمة، فجاءت لحظات الانكسار: خسارات صغيرة في ظاهرها، لكنها كانت عميقة في داخلي.. خذلانٌ أول، وإحساسٌ بالاختلاف، وشعورٌ مبكر بأن العالم ليس بسيطًا كما يبدو. في تلك اللحظات، لم أكن أعرف أن الألم يمكن أن يكون معلماً، كنت فقط أشعر بثقلٍ غامض. ثم اكتشفت لاحقًا أن ذلك الثقل هو ما سيمنحني اللغة.. كل شاعر يولد مرتين: مرةً بيولوجيًا، ومرةً حين يكتشف أن جرحه يمكن أن يتحول إلى معنى.
في الأشجار المحظورة حاولت أن أستعيد تلك الولادة الثانية: لحظة إدراكي أن الكتابة ليست ترفًا، بل ضرورة. وليست زينة لغوية، بل وسيلة نجاة. سألني بعض الأصدقاء: لماذا هذا العنوان؟ لماذا (الأشجار المحظورة)؟ فأجبتهم: لأنني حين عدتُ إلى حياتي، شعرت أن هناك مناطق لم أقترب منها طويلًا.. ذكريات مؤجلة، وأسئلة مؤجلة، ورغبات خفتُ من تسميتها… الأشجار رمز الحياة والمعرفة. لكن ماذا يحدث حين تصبح المعرفة نفسها محرَّمة؟ وحين نخاف من النظر إلى داخلنا بصدق؟
كتبتُ هذا الكتاب كأنني أدخل غابة خاصة بي. كل فصل كان شجرة. وكل شجرة كانت اختبارًا: هل أملك الشجاعة لأقترب؟ هل أستطيع أن أسمّي ما كنتُ أهرب منه؟ هل أقدر على أن أنظر إلى نفسي بلا تزيين؟ في لحظة معينة من حياتي، شعرت بأنني أقف على حافة تيهٍ داخلي. كنت قد قطعتُ مسافة في الدراسة، في العمل، في العلاقات… لكنني كنت أسأل نفسي في صمت: هل هذا أنا فعلًا؟ أم أنني أرتدي صورة صنعها الآخرون لي؟ تلك اللحظة لم تكن مجرد أزمة عابرة. كانت – كما أفهمها الآن – لحظة تجلٍّ صغيرة، أدركتُ – خلالها – أن الإنسان يمكن أن يعيش عمرًا كاملًا وهو بعيد عن حقيقته، وأن أقسى أشكال الغربة ليست غربة المكان، بل غربة الروح عن ذاتها.. هناك بدأتُ أتعلم الإصغاء. ليس إلى الضجيج الخارجي، بل إلى ذلك النداء الخفيّ في الأعماق. نداء لا يصرخ، بل يهمس. وكلما اقتربتُ منه، شعرتُ أنني أقترب من جوهري. لم أكن أبحث عن يقينٍ نهائي، بل عن صفاءٍ يجعلني أكثر تطابقًا مع نفسي. وشيئًا فشيئًا، فهمتُ أن الطريق إلى الذات يشبه السير في غابة داخلية: كل شجرة ظلّ، وكل ظلّ امتحان، وكل امتحان فرصة لأن أخلع صورة وأرتدي معنى. ومن هنا بدأت علاقتي الأكثر وعيًا بالكتابة. لم أعد أكتب لأُثبت وجودي، بل لأتحقّق منه. لم أعد أكتب لأُسمِع الآخرين صوتي، بل لأسمع أنا نفسي بوضوح.
كتابة السيرة، بالنسبة لي، لم تكن اعترافًا دراميًا. ولم أرد أن أقول عبرها: انظروا كم عانيت. بل أردت أن أقول: هكذا تشكّلت رؤيتي. حين كتبت عن المدينة، لم أكتبها كمكان فقط، بل كفضاء اختبار. ففيها تعلّمت أن أكون وحيدًا وسط الزحام، واكتشفت أن الغربة أحيانًا هي المسافة بين ما نعيشه وما نكونه. وحين كتبت عن الأشخاص الذين مرّوا في حياتي، لم أكتبهم كأسماء، بل كمرايا.. كل إنسان ترك فيّ أثراً.. بعضهم علّمني الحب، وبعضهم علّمني الخيبة، وبعضهم علّمني أن أضع مسافة بيني وبين الألم.
وأنا أكتب، كنت أشعر أحيانًا أنني أحرّر نفسي. ليس من الماضي، بل من صورتي الجامدة عنه. كم من مرة اختزلنا حياتنا في حادثة واحدة؟ وكم من مرة سمحنا لذكرى مؤلمة أن تعرّفنا بالكامل؟ في الكتابة، حاولت أن أعيد توزيع الضوء. أن أرى الظل، نعم، لكن أن أرى أيضًا القدرة الخفية على النهوض. اليوم، وأنا أتأمل هذه الرحلة، أجد أنني لم أكن أبحث فقط عن فهم نفسي، بل عن صورة أصفى للإنسان في داخلي. في التراث الصوفي، هناك حديث عن”الإنسان الكامل”، لا بوصفه كائنًا بلا نقص، بل بوصفه إنسانًا يسعى إلى التوازن بين ضعفه ونوره.. بين طينته وروحه، ثم بين انكساره وسعيه إلى المعنى. لم أدّعِ يوماً أنني بلغت هذا المقام. لكن كتابة السيرة كانت، بالنسبة لي، خطوة في هذا الاتجاه: أن أكون أكثر صدقًا مع ضعفي، وأكثر شجاعة في مواجهة ظلي، وأكثر قدرة على تحويل التجربة – مهما كانت قاسية – إلى معرفة. وإذا كان هناك من اكتمالٍ أطمح إليه، فهو اكتمال السعي، لا اكتمال الوصول.
حين يكتب شاعر سيرته، فإنه لا يتحول إلى مؤرّخ، بل يظل شاعرًا. لهذا لم أستطع أن أفصل بين لغتي وحكايتي. حتى وأنا أكتب عن وقائع ملموسة، كنت أبحث عن معناها الباطني، عن صداها في داخلي. اليوم، وأنا أتحدث إليكم، لا أشعر أنني أقدّم كتاباً فقط،
بل أفتح نافذة.. أعرف أن لكل واحد منكم أشجاره المحظورة.. ذكريات لم يكتبها بعد. وأسئلة أخفاها طويلاً، وأيضاً أحلام تردّد في الاعتراف بها. وإذا كان لكتابي من قيمة، فهي لا تكمن في تفاصيل حياتي، بل في قدرته – إن وُفّق – على أن يدفع قارئًا ما إلى مساءلة حياته هو. أن يسأل نفسه: ما الذي أخشاه في ذاكرتي؟ وأيّ شجرة في داخلي ما زلت أعتبرها محظورة؟ وأيّ طريق يمكن أن يقودني – ولو خطوة – نحو إنسانيتي الأصفى؟
لم أكتب سيرتي لأقول إنني وصلت. بل كتبتها لأقول إنني ما زلت في الطريق.. طريق البحث وطريق المصالحة. طريق أن أكون – ما استطعت – أقرب إلى إنساني الكامل الممكن فيّ. هذه هي تجربتي. وهذه هي غابتي التي دخلتها مرتجفًا… وخرجتُ منها أكثر وعيًا بنفسي.



