أخبار المركزأنشطة

منهجية التوثيق العلمي للبحوث والمقالات.. تقرير مفصل حول دورة تكوينية لفائدة طلبة الدكتوراه …(ذ. عز الدين حدو)

منهجية التوثيق العلمي للبحوث والمقالات

تقرير مفصل حول دورة تكوينية لفائدة طلبة الدكتوراه
ذ. عز الدين حدو

في إطار أنشطته الإشعاعية العلمية والتواصلية؛ نظم مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية دورة تكوينية لفائدة طلبة الدكتوراه في موضوع:  منهجية التوثيق العلمي للبحوث والمقالات أطّرها الأستاذ الدكتور:  محماد رفيع أستاذ التعليم العالي ورئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس. وذلك يوم الأحد 21 جمادى الأولى 1443هـ الموافق لـ 26 دجنبر 2021، الساعة الثامنة مساء: 20:00  على المنصة الرقمية زووم Zoom.

افتتح ميسر الدورة الأستاذ د. عياد بوكوراين بكلمة افتتاحية عرج فيها على السيرة والمسيرة العلمية لمؤطر الدورة الدكتور محماد رفيع، فهو خريج جامعة القرويين ودار الحديث الحسنية، وحاصل على شهادة الدكتوراه في أصول الفقه، وحاصل على الإجازة في القرآن الكريم حفظا وترتيلا برواية ورش بسند متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفضيلته عضويات متعددة في اتحادات وجمعيات ومراكز بحثية، فهو على سبيل المثال رئيس المركز العلمي للنظر المقاصدي للقضايا المعاصر، مدير مشروع علمي بمركز ابن غازي، عضو في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عضو المركز الدولي للأبحاث العلمية والتربوية والأكاديمية بباريس، وغيرها مما لايسع الوقت لذكره. وإلى جانب ذلك أضاف المسير أن الدكتور رفيع يتقن اللغة العربية والأمازيغية والفرنسية والانجليزية قراءة وكتابة وتحدثا. كما تفوق كتاباته ومؤلفاته السبعين.

بعد ذلك أسند الميسر الكلمة للمؤطر الذي افتتحها بدعاء لله تعالى أن يسدد وييسر فعاليات هذه الدورة ويحقق مغزاها والقصد منها. ثم فصّل القول في تعريف التوثيق العلمي الذي يعد من مقتضيات البحث العلمي، والذي أكد من خلاله أنه لا حديث عن علمية أي عمل بحثي دون التوثيق، وأشار فضيلته إلى أن التوثيق له معاني أشمل وأعظم من كونه مجرد عملية تنظيمية ترتيبية لنظام الإحالات في الهوامش، أو تنظيم لائحة المصادر والمراجع. وقد عَدَّ الدكتور رفيع مسألة التوثيق العلمي قضية حضارية علمية معرفية، قبل أن تكون قضية شكلية تنظيمية منهجية في البحث العلمي بأنواعه.

ثم عرض المؤطر الهدف الأساس والإجمالي من هذه الدورة وهو: أن يتمكن المشارك من استيعاب مفهوم التوثيق في معانيه الكبرى وتفاصيله والإجرائية الصغرى، وذلك من خلال المباحث الاستفهامية التالية:

أولا: ما المقصود بالتوثيق؟

التوثيق أو لفظة “وثق” كما تذكر ذلك معظم المعاجم اللغوية أن معانيها تؤول إلى معنى “الربط والإحكام“. أما في السياق العلمي العام، فالتوثيق هو “إحكام ربط النصوص بمصادرها، وعزوّ الأقوال إلى قائليها، وفق منهج متبع“. أما في السياق الأكاديمي الخاص فيعرَّف التوثيق كونه: “التأصيل العلمي والموضوعي لمصادر البيانات والمعلومات التي يستفيد منها الباحث لتحقيق أغراض بحثه، والوصول إلى نتائج علمية”، ومنه أكد الأستاذ رفيع على أن علمية البحث تكون باعتبار عبر جملة من المسائل من أهمها التوثيق بمفهومه الأكاديمي، بعيدا عن الذاتية والنرجسية والتخمينات الشخصية وغيرها من الانطباعات. وزاد تأكيدا على أن التوثيق هو الوسيلة التي تضمن للعمل العلمي بأن يتأصل ونتعامل معه بكيفية موضوعية. وفي تعريف مجمل للتوثيق عرفه الأستاذ بكونه: ذلكم الجسر المنهجي الذي نعبر من خلاله إلى النتائج العلمية التي ينتظرها المجتمع البحثي العلمي.

ثانيا: ما قيمة التوثيق العلمي؟

اختصر سعادة الدكتور مؤطر الدورة قيمة التوثيق العلمية في مسألتين:

الأولى: التوثيق فن أصيل في الحضارة الإسلامية: فالتوثيق ليس منهجية أو قضية طارئة على الأمة الإسلامية، وإدراك هذا المعنى الأصيل يسعفنا في تقدير التوثيق حق قدره، والعضّ عليه بالنواجد في كل أعمالنا، فهو فن أصيل في حضارتنا من حيث أنه:

  • أمر من النص القرآني. وفي هذا الاعتبار نبّه الدكتور رفيع “أن الشيء إن كان من مؤمورات القرآن الكريم فينغي أن نعلم أنه قضية مركزية في بناء الشخصية والعلاقات والمعاملات واستقامة الحياة”، فغاية التوثيق مقررة  ثابتة في كتاب الله تعالى، قال عز وجل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” البقرة:181. فهذا إرشاد قرآني إلى اعتماد مفهوم التوثيق، فلا تستقر الأحوال في المجتمع إلا باعتماده.
  • عملت به النبوة في توثيق النص القرآني: قال فضيلته: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على توثيق النص القرآني وهو غض طري يتنزل عليه، فعمل على اختيار من يوثق وأشرف على التوثيق بالكيفية الميسرة في ذلك الوقت، وبالكيفية التي ينبغي. ثم أضاف د. رفيع أن النبي عليه الصلاة والسلام وثّق عهوده، ووصاياه، وعطاياه. ومنه ندرك الأهمية المبكرة في مرجعيتنا الحضارية للتوثيق.
  • عمَل الصحابة الصحابة في توثيق النص القرآني على مرتين بأدق المناهج. وذلك في عهد أبي بكر وعثمان لمّا جمع القرآن الكريم في مصحف، بمنهجية علمية توثيقة دقيقة جدا، بغية تأمين هذه المرجعية العليا للمسلمين. كما وثّق الصحابة رضوان الله عليهم رواية الحديث بالحفظ والضبط والإشهاد، والإحكام للقرآن وقضايا العقول. وما يزال التوثيق يتعاطاه أكابر العلماء والفضلاء لعلو مكانه إلى الآن.
  • استحضر الأستاذ رفيع قولة ابن فرحون المالكي في كتابه “تبصرة الحكام”: التوثيق صناعة جليلة شريفة، وبضاعة عالية منيفة، تحتوي على ضبط أمور الناس على القوانين الشرعية. كما كانت مهنة القضاء في التاريخ الإسلامي مشروطة بالتفقه والتمرن على التوثيق.

الثانية: التوثيق مقتضى البحث العلمي لكونه:

  • مقتضى الأمانة العلمية: وفي هذا الاعتبار أكّد أستاذنا أنه لا يمكن قبول نتائج بحث صادرة من جهة غير موثوقة، وانخرمت فيها الأمانة العلمية. فاعتماد التوثيق هو نوع من التأمين لما نقوله ونديعه، ولما نتوصل إليه من نتائج، فالأمانة العلمية هي توثيق ما نقوله، وإلا فاجتناب التوثيق هو الخيانة العظمى.
  • مقتضى علمية العمل: التوثيق هو أهم معيار في التمييز بين العمل العلمي وغيره، فأي عمل خلى من التوثيق فهو ليس من العلمية في شيء.
  • مقتضى التراكمية: التراكمية خاصية من خصائص البحث العلمي، وهذا الأخير هو بناء لبنة سبقتها لبنات كثيرة في الموضوع، فعدم الإحاطة باللبنات السابقة هو إخلال بمقتضى البحث العلمي.
  • مقتضى الموضوعية البحثية: بمعنى أن الباحث يتعامل مع نصوص ونقول وأقوال ومعلومات متعددة من مصادر مختلفة، وهذا كله ينبغي أن يحال وينسب إلى أهله ومصدره.
  • مقتضى الإحاطة بالموضوع: أي –كما أشار الأستاذ- ينبغي الإحاطة بموضوع البحث من كل جوانبه، وعدم الاكتفاء بجملة من المعلومات المحدودة، فهذا ليس من البحث العلمي في شيء. وهذا يقتضي من الباحث أن يوثق كل ما رجع إليه وصادفه وأورده في بحثه.
  • مصداقية النتائج العلمية: لا يمكن أن تعتبر نتائج أي بحث علمية حتى وإن صاغها صاحبها في عبارات بلاغية رنانة راقية إلا بحسن التوثيق.
  • مقتضى الجودة والابتكار: أشار أستاذ رفيع أن العالم اليوم في حالة انفجار معرفي، فلم تعد المجتمعات العلمية تشكون قلة المعلومة وغياباها، ولهذا أكد على أنه مطلوب من الباحثين من أي وقت مضى البحث عن الجودة والابتكار في المعرفة عوض جمعها واجترارها.

ثالثا: هذا هو التوثيق. فمن الموثق؟

التوثيق بمعناه الحضاري السابق يقتضي الحديث عن مواصفات شخصية “الموثق” قبل التوثيق، حتى تكتمل صورته ويستقيم مفهومه. وفي هذا الصدد حدد الدكتور رفيع مواصفات للموثق أجملها في الآتي:

  • العدالة
  • الضبط المنهجي
  • الأهلية المعرفية

رابعا: كيف يتنوع هذا التوثيق؟

يتنوع التوثيق كما صرح المؤطر بتوثيق الاقتباس على النحو التالي:

  • النقل بالمعنى والمبنى معا (المباشر):
  • النقل بالمعنى دون المبنى (غير مباشر) وفيه مسؤولية تأمين الفهم.
  • النقل مع التصرف بالحذف.
  • النقل مع التصحيح.
  • توجيه القارئ للرجوع إلى مصادر معينة، حيث التفاصيل.

خامسا: ما شروط التوثيق؟

  • التوثيق من المصادر الموثوقة علميا، والتأكد من صحة المعلومة والنسبة لصاحبها.
  • الضبط المحكم في نقل النصوص والمعلومة، دون زيادة ولا نقصان ولا تصحيف.
  • الأمانة العلمية في نقل المعلومة والنص وعزوهما إلى مصدرهما، وتمييز ذلك عن كلام الباحث.
  • المشروعية في التوثيق، وذلك باعتماد النقل المأذون من الجهة المعنية عند الوجوب.
  • الاقتصار في الاقتباس على محل الشاهد وسوقه مساق الشاهد.

سادسا: ما طرق التوثيق التفصيلية؟

جوابا على هذا المحور الاستفهامي أشار الأستاذ رفيع إلى أنه ينبغي أن نميز في ذلك بين أمرين هما: طرق توثيق الإحالات وتوثيق المصادر والمراجع، أما الأولى فهي  ثلاثة:

  • طريقة التوثيق في المتن (مؤلف+السنة). أي داخل المتن تذكر المعلومة المقتبسة ثم تفتح القوس فتذكر داخله اسم المؤلف وسنة نشر مؤلفه.
  • طريق التوثيق في الهامش وتكون إما بطريقة APA وهي طريقة جمعية علم النفس الأمريكية بتقديم اسم المؤلِف ثم المؤلَّف. أو بطيرقة تقديم الكتاب. أو بطريقة الجمع بين توثيق النص القرآني في المتن وبين توثيق الباقي في الهامش.
  • طريقة توثيق الإحالات في نهاية البحث.

بعد سرده لهذه الأنواع الثلاث لتوثيق الإحالة، تساءل أستاذنا عن ماهية المنهج المعتمد في إيراد المعلومات التوثيقية في الهامش. ليجيب أن هذا الأمر يقوم على ناظمين –في تقديره ونظره- وهما:

  • ثنائية التفصيل والإجمال
  • الاطراد دون اختلال

ويقصد بالتفصيل؛ ذكر اسم المؤلف+عنوان الكتاب+ المحقق أو المترجم إن وجد+ بلد النشر+ الناشر+ رقم الطبعة+ سنة النشر+ الجزء والصفحة. أما الإجمال؛ اسم المؤلف+ عنوان الكتاب مختصرا+ الجزء والصفحة+ (مرجع سابق). أما في حالة التوثيق من الانترنت فتعتمد الطريقة نفسها + عنوان الموقع+ تاريخ الاسترجاع (أي تاريخ الولوج إلى الموقع). ومدار التوثيق على ثلاثة: علو السند والاطراد والخدمة.

أما الثانية: طرق توثيق لائحة المصادر والمراجع، وتذييل والتي تعد من مقتضيات البحث وعلمية البحث، وينبغي أن تكون هذه الطريق في التوثيق:

  • أصيلة: أي حشو اللائحة بالمصادر الأصيلة التي لها تعلق بالموضوع وعمقه وإشكاله.
  • غنية: أي وفرة المصادر والمراجع.
  • متنوعة: أي من حيث التخصص والمقاربات وعدم الاكتفاء بنوع واحد.
  • مصنفة: إما تصنيفها إلى مراجع عربية وأجنبية عندما تكون المرجعية مزدوجة. وإما تصنيفها إلى كتب، وأبحاث، ودوريات، ورسائل جامعية، ومصادر أخرى. وإما تصنيفها حسب الفنون.
  • مرتبة: أما ترتيبا أبجديا أو هجائيا بأسماء المؤلفين، دون اعتبار (ال) و(أبو) و(ابن). وإما ترتيبها بنفس الطريقة ولكن بعناوين الكتب. وإما ترتيبها ترتيبا تاريخيا باعتماد سنة صدور الكتاب.

وإلى هذا الحد انتهى مؤطر الدورة الدكتور محماد رفيع في بسط محاضرته التكوينية حول منهجية التوثيق العلمي، ليفتح ميسر اللقاء المجال للحاضريين الذين تدخلوا متسائلين ومضيفين ومحللين ومناقشين لموضوع الدورة وجزئياته، والتي قوبلت بأجوبة جامعة من الأستاذ المؤطر زادت الدورة متعة وثراء فكريا ومنهجيا. ثم ختم الدكتور عياد بوكوراين فعاليات الدورة بتجديد شكره للحضور وللمؤطر آملا أن تكون الدورة قد حققت القصد المبتغيى منها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق