المقالات

وهم القوة وحقيقتها: معادلة الحسم بين الحضارات(أبو يعرب المرزوقي)

يمكن اعتبار ما سأعرضه حاليا بيانا لما تخفيه عبارة “كيفما تكونون يولى عليكم”
من مضمرات لا يدركها الحداثيون بالذات لأنهم أدعياء حداثة إذ هي أحدث ما يمكن قوله في تعريف دلالة مستوى القيادة على مستوى شعوبها وقدرتها على انتخاب افضل الممثلين لإرادتها.
الهدف من هذه المحاولة هو بيان التناسب الطردي والعكسي بين مستوى القيادات ومستوى الشعوب من حيث الصدق الخلقي والفاعلية المعرفية:
وهي محاولة للبرهان على القاعدة واستكمالا لنظرية ابن خلدون حول علل فساد معاني الإنسانية واسباب صلاحها.
لا شك أن هذا التناسب قد يتخلف طردا أو وعكسا أو بهما معا. لكن ذلك أندر من الكبريت الأحمر في تاريخ الحضارات. والشاذ النادر يحفظ ولا يقاس عليه. قلما تجد قيادات راشدة في شعوب متخلفة وشعوب متخلفة بقيادات راشدة.
فمن حيث الصدق الخلقي والفاعلية المعرفية لعبارة
“كيفما تكونون يولى عليكم”
القاعدة عامة في كل الحضارات.
وحتى الشذوذ عنها فهو في الغالب
دليل على وجود الشرط في المشروط بالقوة.
والمثال ينطبق حتى على الرسالات السماوية:
فصحيح أن الرسول الخاتم قد كان من هذا الشذوذ بين عرب الجاهلية إذا اقتصرنا على تميزه بالوحي وتميزها الصراعات القبلية العربية.
لكن من حيث الخصال المعرفية والقيمية كان بين العرب على الأقل بالقوة كل شروط توليته منهم إذ خلافهم معه لم يكن متعلقا بشخصه بل برسالته ولم يكن بخصالهم بل بعدم تجميعها في أمة ذات رسالة.
فقد كانوا يعتبرونه ممثلا لأفضل ما فيهم بشهادتهم له (كانوا يعتبرونه أصدقهم وأحكمهم إذ كانوا يحتكمون إليه مطمئنين).
وكان يسلم أنه فيهم من يمثل أفضل ما كان يدعو إليه بشهادته لهم ومسعاه لاستمالتهم إلى دعوته (“خيركم في الجاهلية خيركم في الإسلام” وحلف الفضول).
وحتى يكون لكلامي مرجعية واقعية حالية سيكون تحليل ما يجري في أوكرانيا من علاقة بين عنتريات بوتين وتهريجه ( ومثلها عنتريات الملالي وتهريجهم) وهدوء بايدن وتوريطه لبوتين (وللملالي) الذي لم يجد كيف ينزل من شجرة المبالغة في التهديد الزائف.
فليس لروسيا أدنى قدرة لا عنيفة ولا لطيفة لتكون ندا لأمريكا ناهيك عن الندية مع الغرب كله حتى لو غامرت الصين فتجاوزت مساندتها الأقوال إلى الافعال.
وهي لن تفعل لما عرف الصينيون به من الحذر ورفض خوص الحروب إلا التي من جنس ما ينصح به سن تسو. قلما خاضت الصين حرب تهدد كيانها الهش ولذلك فهي ميالة للتخريب المطاول.
ما اريد بيانه بصورة فعلية وشبه علمية هو ميزان القوة العنيفة والقوة اللطيفة بين روسيا وامريكا وعلاقتهما المعيار المضاعف الذي وصفت والذي تجمله عبارة “كيفما تكونون يولى عليكم”.
فما يستمده بوتين من فلسفة قائده الفكري ومن أوهام المافية الروسية جنيس ما تستمده إيران من فلسفة الملالي ومن أوهام مافيات حرس الثورة.
ولا بد من الحسم معهما (ومع فرنسا التي تحاول اللعب على الحبلين وأمريكا ليست غافلة عن ذلك وقد بدات بها في الحلف الذي استثنتها منه فهاجت وماجت ليس بسبب صفقة الغواصات بل بسبب دلالتها) قبل الالتفات إلى الصراع مع الصين.
وما أنوي تقديمه هو المعادلة التي تحدد طبيعة القوة ببعديها العنيف واللطيف ببعدي كل منهما بحيث تكون في آن معادلة تناسب القوى بينها وتراتبها تراتبا يحدد سلطانها على العالم خلال الحقب التاريخية التي سادت عليها.
وهذه المعادلة مؤلفة من خمسة مقومات، اثنين منها يحددان أدوات القوة العنيفة : الأرادة والعلم. واثنان يحددان القوة اللطيفة: الرؤية والذوق. والخامسة تجمع بينهما في معنى القوة السياسة عامة وهي في آن عنيفة بما يؤسس للطف المؤثر إذ يمكن أن يكون تخنثا لا قوة ولطيفة بما يؤسس للعنف المؤثر إذ يمكن أن يكون ارهابا لا قوة.
فلا بد من إرادة سياسية: أي قدرة على القيادة بصدق خلقي وفاعلية معرفية
وهو اهم ما فقدته النخب العربية ولا بد من رؤية سياسية ذات استراتيجية مديدة
وهي ثاني مفقود وتلك هي دعائم القوام الغائي بالرؤية والذوق سر العمل والقيم والاداتي بالإرادة والعلم سر النظر والحقيقة العمل بقيم التاريخ الإنساني هو الغاية
العلم بقوانين الطبيعة هو الأداة وتطبيق الاداة هو سر النجاح في الاستعمار في الارض وتطبيق الغاية هو سر الاستخلاف في الأرض:
فيتحد النظر والعمل في السلم وفي الحرب فتجتمع الرعاية والحماية ويكون المغذي والمدافع هو ما يحقق في الجماعة فاعلية المعرفة وصدق الخلق وليس الجنود في القتال وحدهم.
والحصيلة من هذه الشروط الاربعة هي غاية القوة السياسية التي:
تسد حاجات الإنسان المادية (الاقتصاد أو الذوق المادي)
والتي تسد حاجات الإنسان الروحية (الثقافة أو الذوق الروحي)
وتلك هي ثمرة كل ما تقدم في الجماعة بل هي عين الوجود الإنساني أو الحضارة ببعديها الطبيعي والتاريخي:
القيادة التي تمثل الجماعة تكون متناسبة مع وجود هذه الوظائف فيها.
فإذا تعطلت هذه الوظائف تزول القوة العنيفة واللطيفة وتصبح الحماعة مستباحة للحائز عليها سواء كان مسيطرا على القوة العنيفة خاصة (مثلا الغزو المغولي على الخلافة أو الجرماني على روما) أو على القوة اللطيفة خاصة (الفتح الإسلامي للشرق والغرب مثلا).
وبهذا المعنى فإن روسيا التي تتحدى امريكا بعنتريات بوتين لا تجهل نخبها أن دخلها القومي دون نصف دخل ولاية امريكية – كاليفورنيا – وهو بالكاد ضعف ميزانية الدفاع الامريكي وليس لها تفوق علمي أو تقني بل هي متخلفة بالقياس إلى امريكا فيهما كليهما مع فاشية أول من سيحاول تهديمها الشعب الروسي نفسه.
ونفس الأمر ينطبق على إيران التي تتحدى أمريكا وحتى اسرائيل في حين أن مجرد المحافظة على عنترياتها من قبلهما دليل على حاجتهما لتوظيف سلوكها حتى يحتمي بهما الحمقى من حكام العرب.
والاهم من ذلك كله هو الحاجة إلى الباطنية حليفا ممكنا ضد الإسلام السني – كما كانوا في كل تاريخهم – السني الذي يشغل قلب العالم ويحوز على أهم الممرات والثروات الطبيعية والطاعات البترولية والغازية والشمسية والممرات المائية.
عندئذ يكون التابع والمتبوع الذين من هذا الجنس معتمدين على الفاشية والدولة الحاضنة التي ترضي الشعب بالكفاف في علاقة السيد بالعبد وليس في علاقة القيادة الحرة لشعب حر ففيها: وتلك حال كل المحميات العربية.
فتنعدم الإرادة السياسة ويصبح من يدعيها تابعا ولا يمثل إرادة الجماعة وتنعدم الرؤية السياسية ويصبح من يقود راميا في عماية دون استراتيجية وينعدم النظر العلمي بقوانين الطبيعة ويكون الفكر ثرثرة اديولوجية وينعدم العمل بقيم الانسان وينحصر في الاخلاد إلى الارض عديم الذوق فلا يبقى إلا الأسماء وتغيب المسميات:
لا قوة اقتصادية ولا قوة ثقافية بل التسول الذي راينا في حلم الجولة في طائرة الرئيس.
وأخيرا فإن القوة السياسة مضاعفة مثل أدواتها وغاياتها:

فالادوات إرادة مع علوم والغايات رؤية مع فنون.
والاقتصاد أو الوجه المادي من الحضارة هو سد لحاجات عضوية يدفع إليها الذوق الروجي يحققها العلم (المائدة والسرير وفنونهما) وهو سد لحاجات روحية تتحقق
بفضل ترقي الحاجات العضوية وفنونها.
فمن يتصور الاقتصاد ماديا فحسب لا يفهم أن محركه الذوق الروحي، ومن يتصور الثقافة روحية فحسب لا يفهم أن محركها الذوق العضوي.
أما إذا صارت الجماعة تابعة في بعدي القوة هذين ودور كل منهما في الثاني فهي تصبح جماعة عقيمة تعيش على العارية تتسول ماديا وروحيا فلا تكون لها كرامة
وطبعا من لا كرامة له لا معنى للكلام على الحرية عنده:

فتكون اخلاقه اخلاق العبيد، وحقائقه حقائق النفاق والكذب. وهو ما يسميه ابن خلدون بفساد معاني الإنسانية. تلك هي علة احلام العبيد واخلاقهم:
ولا يمكن تصور من يقود منهم إلا دكتاتورا يحكم قطيع وهو معنى “كيفما تكونوا يولى عليكم”:
إن فسدت فيكم معاني الإنسانية صرتم:
عبيدا ويحكمكم الحمقى والعبيد من جنس الدمية، والذين أوصلوه أولا، ثم يحافظون عليه ثانيا، ويخدمون مشروعه ثالثا، ويتظاهرون بمقاومته ويسعون للصلح معه رابعا
ويبحثون عن كرسي في دولته الفاشية أخيرا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق