المقالات

هل نحن كائنات تراثية؟(عز العرب لحكيم بناني)

هل نحن كائنات تراثية؟كنت يوما ما بصدد البحث عن رسالة جامعية لباحث أمريكي ميتشيل إييش Ash في موضوع نظرية الجيشتالت، أثناء إعداد دراسة عن الظاهراتية. وقد استطعت الحصول على الميكروفيلم، وتبيّن لي أنّ الرسالة لم تكن مسجلة في قسم الفلسفة ولا في قسم علم النّفس، بل كانت مسجلة في قسم التاريخ بجامعة كامبردج. وقد أدركت فعلا أنَّ التنظيم الأكاديمي على هذا النّحو منطقي ومعقول، بما أنَّ الأمريكي يميّز بوضوح بين الماضي والحاضر والمستقبل. كلُّ ما يدخل في تاريخ الأفكار والعلوم والمذاهب الفكرية جزءٌ من التاريخ. فالتاريخ ليس فقط تاريخ الدول والأمصار والحضارات. عندما ينحصر التاريخ في هذا المعنى، لا نستطيع أن نجيب بصدق عن السّؤال: ما هو موضوع التاريخ؟ أما الأمريكي فهو لا يميّز بين الأحداث السياسيّة والثقافية والفكرية، بما أنَّ كلَّ الأحداث تتمتّع بأهمّية متساوية. أمّا الحاضر فهو حاضر الابتكار والبحث المستمرّ واستشراف المستقبل، وهو الحاضر المطلق الذي يظهر في جوائز نوبل خلال هذه الأيام. فهي تظهر بوضوح أنَّ هناك فرقا بين العلم وتاريخ العلم وهي تُظهِرُ بوضوح أنَّ أغلب ما نكتبه لا يدخل في ممارسة العلم لاستشراف المشاكل والبحث عن حلول، بقدر ما يدخل في تاريخ الأفكار. إذا صدق ما أقول، سنكتشف شيئا رهيبا، ولو أنّني أبالغ بعض الشّيء، وهو أنّ أغلب التّخصّصات تدرّس التاريخ؛ هذا ما يصدُقُ على العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، بل وقد يصدُقُ على العلوم الطبيعيّة، مع أنَّ الاندماج في المحيط العلمي ممكن في هذه المجالات بحكم وجود لغات مشتركة ومختبرات دولية متعاونة. نكتشف شيئا رهيبا وهو أنّنا تحوّلنا إلى كائنات تراثيّة لا نميّز بوضوح بين الحاضر الذي يتطور بسرعة رهيبة والماضي في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية اعتمادا على التكنولوجيات الحديثة وثورة المعلوميات والذكاء الاصصطناعي والعلوم المعرفية والمدن الذكية والروبوطات، وما إلى ذلك. ويمكننا أن نذكر في هذا المجال أنّ استثمار الذكاء الاصطناعي في اللسانيات والطب وهندسة المدن في مجال البحث والابتكار يثبت أنّنا نحتاج إلى آليات جديدة للتكيف مع الحاضر وإعادة الاندماج فيه وفتح آفاق المستقبل.أكتشف في الأخير أنَّ المغاربة أصبحوا ماركسيين، بما أنّهم يؤمنون بوجود علم واحد هو التاريخ، وهو العلم الذي يحضر غالبا في حقول التلقين، بينما تُذَكِّرُنا جوائز نوبل، أنّنا نستفيد من الماضي، ما دام قادرًا على الامتداد في الحاضر، من أجل دعم القدرة على الابتكار وفتح أفاق المستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق