المقالات

من تاريخ مؤسسة الاستخبارات في الإسلام(براء نزار ريان)_4_

دفاع وتأصيل
وبعد ذلك بنصف قرن؛ نجد حفيده ملك دمشق المعظَّم عيسى الأيوبي (ت 624هـ/1227م) -وقد كان فقيها على المذهب الحنفي- يكرر الأسلوب ذاته في تجنيد النساء الصليبيات، وتتفق معهن مخابراته على “شِفْرات” أمنية لتبليغ أخبار تحركات الجيش الصليبي، بل وتستعمل مخابراته إحداهنّ في إسقاط مساعد كبير لقائد هذا الجيش، ثم يتم استخدامه هو الآخر في توجيه العدوّ الوجهة التي يريدها قادة المسلمين!

يقول سبط ابن الجوزي في ‘مرآة الزمان‘: “وكان [المعظَّم] في أيام الفَسْخ (= انتهاء الهدنة) مع الفرنج يرتِّب النِّيران على الجبال من باب نابُلُس إلى عكا، وعلى عكا جبلٌ قريب منها يقال له الكرمل، كان عليه المنوِّرون وبينهم وبين الجواسيس علاماتٌ، وكان له في عكا ‘أصحاب أخبار‘ وأكثرهم نساء الخيّالة [الفرنج]، وكانت طاقاتهن (= نوافذهن) في قبالة [جبل] الكرمل، فإذا عَزَمَ الفرنج على الغارة فتحت المرأة الطاقة، فإن كان يخرج مئة فارس أوْقَدَت المرأةُ شمعةً واحدةً، وإن كانوا مئتين [أوقدت] شمعتين، وإن كانوا يريدون قَصْدَ حوران وناحية دمشق أشارت إلى تلك النَّاحية، وكذا إلى نابُلُس؛ فكان [بذلك] قد ضيَّق على الفرنج الطرق إذا قصدوا جهة سَبَقَ إليها بعسكره، وكان يعطي النِّساء والجواسيس في كل فَسْخٍ جملةً كبيرة”.

ثم يورد سبط ابن الجوزي -وقد كان واعظا مشهورا- حوارا بينه وبين المعظَّم تكشف لنا تفاصيل هذا الاختراق المخابراتي وآلياته ومنافعه: “فقلتُ له في بعض الأيام: هذا إسرافٌ في بيوت الأموال! فقال: أنا أستفتيك، لمّا عَزَمَ الإنبرور (= الإمبراطور: ملك الألمان) على الخروج إلى الشَّام أراد أن ينزل عكا بغتةً ويسير إلى باب دمشق، فبعث فارسًا عظيمًا وقال له: أخفِ مجيئنا إلى البلاد لنغير بغتةً!

وكان بعكا امرأة مستحسَنة فكتبتْ إليَّ تخبرني [بالأمر]، فبعثتُ لها ثيابًا ملونة وعنبرا ومقانع حرير، فلبستها واجتمعتْ بالفارس، فدُهش وقال: من أين هذا؟ فقالت: من عند صديقٍ لنا من المُسْلمين! فقال: مَنْ هو؟ فقالت: الكُرَيْدِي (= المعظّم الكردي النَّسَب)، فصلَّب (= رسم الصليب) على وجهه وقام فخرج من عندها، فما زالت تلك المرأة تتلطَّف بالفارس وأهاديه حتَّى صارت كُتُب الإنبرور تجيء إليه مختومةً فيبعثها إليَّ، وأقول له يكتب ما أُريد، فلو لم أدارِ عن المسلمين جاء الإنبرور بغتةً، وساق من أهل الشَّام ومواشيهم وأموالهم ما لا يُعَدُّ ولا يحصى، فأنا أفدي المسلمين بالشيء اليسير”!!

وقصص استعمال النساء في المهام الاستخباريّة في التاريخ الإسلاميّ عديدة، سواء من قِبل المسلمين أو من عدوّهم. ولعلّ أقدمها قصة المرأة التي بعث معها الصحابيّ حاطب بن أبي بلتعة (ت 30هـ/652م) رسالة معلوماتية إلى قادة قريش.

فقد روى البخاريّ -في صحيحه- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اكتشف أمرها أرسل جماعة في أثرها بقيادة عليّ، فأدركوها وهددها علي -حين أنكرت الرسالة- قائلا: “لتُخْرِجِنَّ الكتابَ أو لنلقينَّ الثياب، فأخرجته من عِقاصها (= ضفائرها)، فأتينا به النبي فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي”. وفي هذا الحديث نرى عليًّا -على ورعه المعروف- لا تأخذه في تنفيذ مهمّته الأمنيّة لومة لائم!

مهمات متعددة
كان من أهمّ وظائف ‘صاحب الخبر‘ مراقبة كبار الموظفين من وزراء وولاة وقضاة وقادة عسكريين وأمنيين. ويذكر المؤرخ ابن الأثير (ت 630هـ/1232م) -في ‘الكامل‘- أن ملك تونس تميم بن المعزّ الصنهاجيّ (ت 374هـ/984م) “كان له في البلاد ‘أصحاب أخبار، يُجري عليهم أرزاقًا سنيّة، ليطالعوه بأحوال أصحابه لئلّا يظلموا الناس”.

ولذلك نجدُ ذوي الخبرة السياسية والأمنية ينصحون الأمراء بمراقبة كبار موظفيهم؛ فقد أوصى طاهرُ بن الحسين (ت /822م) -وكان من كبار قادة الخليفة المأمون وهو مؤسس الدولة الطاهرية بخراسان- ابنَه عبد الله بن طاهر (ت 230هـ/844م) حين ولّاه المأمون بعض البلاد؛ فقال له: “اجعلْ في كل كُورة (= منطقة) من عملك أمينًا يُخبرك أخبارَ عُمّالِك، ويكتبُ إليك بسِيَرِهم وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله، معاينٌ لأموره كلها”؛ حسب ابن طيفور (ت 280هـ/894م) في ‘كتاب بغداد‘.

ومن عجبٍ أن الحكام كانوا يرتبون مُخبراً أمنيا على الموظف، ثم يجعلون على هذا المخبر مخبرا آخر، ثم مخبرا ثالثًا عليهما جميعًا، وهو أدق ما يمكن تصوره فيما يُعرف اليوم بـ”الاستخبارات الإدارية” لمكافحة الفساد! فالمقريزي يذكر في ترجمة عبد الله بن دسومة (ت قبل 270هـ/884م) أن أحمد بن طولون (ت 270هـ/884م) أقامه “أمينا على أبي أيّوب أحمد بن محمد بن شجاع لمّا أقرّه على الخَرَاج (= وزارة المالية) من قِبله، وجعل نُعيمًا المعروف بـ‘أمين الذُّويب‘ عينًا عليهما”!!

وكان ‘أصحاب الأخبار‘ يراقبون نفقات كبار الموظفين ولا سيما القضاة منهم، فيقارنون بينها وبين مدخولاتهم لكشف فسادهم بالرشوة؛ فقد أورد ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- أن المأمون عاتب القاضي بشر بن الوليد (ت 238هـ/852م) في فساد زملائه من القضاة؛ فخاطبه قائلا: “ولّينا رجلا -أشرتَ به علينا- قضاءَ الأُبُلّة (= اليوم منطقة العشار بالبصرة)، وأجرينا عليه ألف درهم (= اليوم 1200 ألف دولار أميركي تقريبا)، ولا له ضيعة ولا عقار ولا مال، فرجع ‘صاحب الخبر‘ بالناحية أن نفقته في الشهر أربعة آلاف درهم؛ فمن أين هذه الثلاثة آلاف درهم؟!”. وقد تكرر هذا الأمر أيام المتوكل مع “صاحب الخَرَاج” بالأهواز عمر بن فرج الرخجي (ت نحو 240هـ/854م).

ولم يكن يسلم من هذه المراقبة أحد حتى وليُّ عهد الخليفة! فالطبريّ يروي -في تاريخه- عن الشاعر المؤمل المحاربيّ (ت نحو 190هـ/806م) قصة جرت له مع المهديّ (ت 169هـ/785م) ووالده المنصور؛ يقول الشاعر: “قدمتُ عليه [أي: المهدي] الرّيّ وهو ولي عهد، فأمر لي بعشرين ألف درهم (= اليوم 25000 دولار تقريبا) لأبيات امتدحتُه بها، فكتب بذلك ‘صاحب البريد‘ (= موظف المخابرات) إلى المنصور..، فكتب إليه المنصور.. يلومه”؛ ثم قبض عليه واستردّ منه ستة عشر ألف درهم.

كان ‘أصحاب الأخبار‘ يصرفون جهدًا عظيمًا في مراقبة العامّة والمعارضين، بما يكادُ يقتربُ -مع حفظ فروق الزمان والمكان والإمكان- مما تفعله المخابرات المعاصرة؛ بل إنه كان يشمل من يمدح المغضوبَ عليهم من السلطة حتى ولو بعد موتهم، فالذهبيّ يروي -في ‘تاريخ الإسلام‘- أنه لَمَّا صُلِبَ جَعْفَرٌ (بن يحيى البرمكي ت 190هـ/806م) وَقَفَ الرَّقَاشِيُّ الشَّاعِرُ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا خَــــوْفُ وَاشٍ ** وَعَـــيْنٍ لِلْخَــــلِيفَةِ لا تَـــنَامُ
لَطُفْنَا حَوْلَ جِذْعِكَ وَاسْتَلَمْنَا ** كَمَا لِلنَّاسِ بِالْحَجَرِ اسْتِلامُ”!

ومن عجائب الملاحقة الأمنية للمعارضين بعد وفاتهم ما حكاه ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- ضمن أحداث سنة 237هـ/852م؛ فقال إنه “في عيد الفطر من هذه السنة أمر (الخليفة) المتوكل (ت 247هـ/861م) بإنزال جثة [الثائر المصلوب الإمام] أحمد بن نصر الخزاعي (ت 231هـ/846م) ودفعه إِلى أوليائه..، فاجتمع العوام يتمسحون بجنازته وبخشبة رأسه؛ فكتب ‘صاحب البريد‘ بذلك، فنهى المتوكل عن اجتماع العامة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق