المقالات

حول محن المتصوفة المغاربة في العصر المرابطي(إبراهيم القادري بوتشيش)

شكل التيار الصوفي في معظم مراحل تاريخ المغرب قوة اجتماعية هامة فرضت على المؤسسة الحاكمة اتخاذ حسابات دقيقة في اختيار أساليب التعامل معها ، سواء بالاصطدام معها ومواجهتها بالعنف والبطش ، أو احتوائها ومداراتها وكسب ودها . وقد آثرنا في هذه الورقة الوقوف على الاختيار الأول المعتمد على أساليب المواجهة العنيفة ، وما تمخض عن ذلك من محن عصفت بالمتصوفة ، كان الهدف منها هزم نفوذهم الروحي ، وإبراز سلطة الدولة فوق أي نفوذ ، فكيف كانت علاقة السلطة المرابطية بهم ، وما هي أساليب المواجهة التي نهجتها معهم ؟

1- المتصوفة والسلطة تقارب أم تنافر ؟

إذا كان من الصعب تعميم حكم على ظاهرة تاريخية ، فإن معظم النصوص والروايات الصوفية تنحو نحو إثبات صور النفور والتباعد التي أطرت علاقة السلطة المرابطية بالمتصوفة . في هذا الاتجاه ، يسرد ابن الزيات[1] في ترجمة أحد متصوفة المرحلة مدار الدراسة أنه (( لم يمش بقدمه في مظلمة ولا إلى باب سلطان )) . ومن جهته كان المتصوف أبو عبد الله المجاهد (( مباعدا للملوك ، مع شدة رغبتهم فيه ، منافرا لهم ، لا يقبل منهم قليلا ولا كثيرا )) [2] . وفي نفس السياق ، يخبرنا ابن صعد[3] عن متصوف آخر اشتهر بشدة الزهد ومباعدة الأمراء و المترفين . كما عرف المتصوف ابن العريف أيضا بتحاشيه مجالسة الأمراء وعدم قبول هداياهم ، وحسبنا أنه بعد ثبوت براءته من التهمة التي كالها له بعض الفقهاء ، سعى الأمير المرابطي علي بن يوسف إلى استرضائه (( فسأله عن حوائجه )) ، بيد أنه ترفع عن ذلك ولم يقبل إغراءات الأمير المذكور [4] .

وبلغ من شدة حرص المتصوفة على تجنب تقاربهم مع السلطة ، أن كانوا يوصون تلامذتهم ومريديهم بالابتعاد عن السلطان و التعفف عن تقلد المناصب والخطوط حتى لا يكونوا (( كبائع السلاح من اللصوص )) [5] .

وحتى المتصوفة الذين قبلوا هدايا الأمراء وإنعاماتهم ، لم يستأثروا بها ، بل وهبوها بدورهم صدفة للفقراء وذوي الحاجة[6] .

وإذا كان المؤرخ المنصف لا يمكن أن ينكر أن أسلوب الإحتواء والتقارب ومحاولة كسب المتصوفة لم يكن غائبا في استراتيجية المؤسسة الحاكمة خلال العصر المرابطي ، فإن تحليل ظرفية سياسة التقارب هاته ، يكشف أنها جاءت نتيجة فشلها في هزم النفوذ الروحي للمتصوفة ، ودخولها هي نفسها في مرحلة الهرم والانهيار ، مما جعلها تسارع مكرهة نحو مهادنة المتصوفة والتقارب معهم .

ولعلّ أهم معلم من معالم سياسة التقارب التي تبنتها السلطة المرابطية ، يكمن في نموذج أسرة آل أمغار الصوفية بعين تيط الفطر بـأزمور ، إذ بادرت إلى منح شيوخ هذه الأسرة ظهائر التوقير والاحترام كما يشهد على ذلك الظهير الذي بعثه الأمير علي بن يوسف إلى أبي عبد الله محمد بن الشيخ أمغار سنة 527هـ/1132م ، يلتمس فيه دعاء الشيخ ويتوق للحصول على بركته ورضاه [7] .

والواقع أن سنة 527هـ مليئة بالدلالات ، إذ أنها تشكل بداية دخول الدولة المرابطية مرحلة الانهيار ، وفيها بدأت موارد خزينة الدولة في النضوب ، وخلالها حصدت الدولة أيضا أول هزيمة ضد الموحدين ، لذلك حاول الأمير المذكور استقطاب بعض المتصوفة وضمنهم آل أمغار لكسب ودهم . بيد أن هذا التقارب لا يعني أنهم استطاعوا استقطابهم نهائيا ، أوأن آل أمغار انبطحوا أمام إغراءات السلطة المرابطية . وحسبنا دليلا على ذلك أن هؤلاء عارضوا بشدة إحراق كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ، مخالفين في ذلك اتجاه الرياح التي كانت تسير فيها المؤسسة الحاكمة . وانعكست هذه المعارضة في عدم حضور شيخ الطريقة الأمغارية الاجتماع الموسع الذي كان قد دعا إليه الأمير المرابطي علي بن يوسف كافة صلحاء المغرب للاجتماع قصد مناقشة مسألة إحراق كتاب الإمام الغزالي[8] ، وهو اجتماع أشبه ” بمؤتمر” كبير ضم عددا من أقطاب التصوف بالمغرب , و شكل في حد ذاته حدثا هاما لم تفصح عنه المصادر أو تعطينا تفاصيل عنه للأسف ، رغم أهميته كمحطة من محطات التصالح والتقارب بين السلطة والمتصوفة ، واكتفت بالقول بأنه (( اجتمع له – علي بن يوسف – في الوقت المعين كل من اشتهر فضله وصلاحه في ذلك العصر )) [9] .

يتضح من حصيلة المعطيات السالفة أن علاقة السلطة بالتيار الصوفي كانت في معظم مراحلها علاقة مشوبة بالحذر ، تميل إلى التباعد والتنافر أكثر من التقارب والمهادنة ، لأن التقارب ارتبط في مخيال المتصوفة ” بصك اتهام ” قد يفسد صورتهم أمام الرأي العام الذي كان يكنّ لهم كل آيات الاحترام والإجلال والوقار .

وإذا كان من الصعب الغوص في نفسية هؤلاء المتصوفة لاستكشاف خبايا مشاعرهم، والوقوف على جوهر حقيقة موقفهم من السلطة ، فإن المصادر على تنوع مشاربها تجعل الباحث يميل إلى الأخذ بالصورة التي تفرضها المصادر على مخياله، و نقصد بها صورة التباعد والتنافر بين السلطة والمتصوفة ، وهو ما سيعالجه المبحث الثاني من خلال دراسة تطبيقية حول المحن التي تعرض لها هؤلاء ، وأساليب المواجهة التي نهجتها الدولة المرابطية لكسر شوكتهم والحد من نفوذهم الروحي .

2- أساليب مواجهة المتصوفة :

أ‌- المراقبة والمتابعة :

اتبعت السلطة المرابطية سياسة المراقبة الصارمة لكل من اشتبه في أمره من المتصوفة ، باعتبارهم يشكلون معارضة صريحة أو ضمنية لها ، خاصة بعد إحراق كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ، فصارت تلتقط أنفاسهم ، وتمنع إرسال الرسائل و الخطابات المتبادلة بينهم . كما كانت تستدعيهم للاختبار والتحقيق معهم ، وحسبنا أن الرسائل المتبادلة بين المتصوف ابن العريف ومريديه كانت من الكثرة ما جعلت السلطة المرابطية تتوجس منها خيفة فتلجأ إلى التضييق على هذه المراسلات ، حتى أن ابن العريف شكا في إحدى رسائله الموجهة لأحد مريديه انقطاع الأخبار عنه بقوله : (( ….واجعل منها معنى كتابي السالف الذي لم يكن عليه جواب ، وكنت في عام تسعة وعشرين (529هـ) لم يصل إلينا في وجهة المشرق مخبور يأنس ولا مخبور بطيبة نفس …)) [10] ، وهو نص يعكس دور السلطة المرابطية في مراقبة الاتصالات والمراسلات التي كانت تجري بين المتصوفة ، ومحاولة التعتيم على أنشطتهم ، ولو أنها لم تنجح نجاحا كليا في قطع التواصل بينهم كما تشهد على ذلك نفس الرسالة التي تكشف عن تمكن التنظيم الصوفي من اختراق هذا التضييق بواسطة شخص يدعى (( أبو موسى )) [11] .

و الراجح أن عدم تمكن السلطة المرابطية من لجم حركة التواصل بين المتصوفة بواسطة الرسائل والخطابات المتبادلة بينهم ، جعلتها تلجأ إلى أسلوب التحقيق مع زعمائهم ، فالمصادر تجمع على استدعاء الأمير علي بن يوسف لابن العريف إلى مراكش بضغط من قاضي ألمرية ابن الأسود الذي بالغ في تهويل خطوه ، فأرسل مقيدا إلى العاصمة المرابطية ليتم التحقيق معه ، لكن الأمر انتهى بتبرئة ساحته وهو في سبتة [12] ، ولكن تبرئته لم تحل دون اغتياله كما سنبين بعد حين .

وعلى كل حال ، يبدو أن أسلوب المراقبة والمتابعة الذي نهجته السلطة المرابطية لم يكن عفويا ، وإنما كان وليد استراتيجية شاملة وضعت المتصوفة ضمن قوى المعارضة التي شكلت خطرا داهما على السلطة المرابطية ، خاصة بعد ازدياد شعبيتهم نتيجة مناهضتهم لإحراق كتاب الإحياء .

ب – اتهام النص الصوفي بالتأويل والخروج عن السنة :

سعت السلطة المرابطية لإيجاد مبرر شرعي يطلق يدها في البطش بكل من اشتبه في أمره من المتصوفة ، لذلك سعت إلى وضعهم خارج سياج الشرع عن طريق اتهامهم بتأويل النصوص القرآنية والخروج عن السنة . ويحضرنا في هذا السياق التهمة التي كيلت للمتصوف ابن برجان الذي (( سئل عن مسائل عيبت عليه ، فأخرجها على ما تحتمله من التأويل ، فانفصل عمّا ألزمه من النقد )) [13] ، وهو نص يعكس أن مجرد التأويل كان يشكل مطية تركب عليها السلطة المرابطية لإثبات صحة الاتهام ، لولا أن ابن برجان تمكن بذكائه من دفع التهمة عنه بتوضيح ما كان غامضا من تأويلاته .

وفي نفس المنحى حاول فقهاء المرابطين ضرب الاتجاه الصوفي بتوجيه التهمة إلى كتاب الإحياء نفسه بأنه يحتوي على مسائل منافية للسنة ، واقتنعت السلطة المرابطية ” بصحة ” هذا الادعاء ، فأمرت بإحراق الكتاب في كل من في قرطبة [14] ومراكش [15] ، وتشددت في متابعة كل من يقرأه أو يقوم بنسخه ، على اعتبار أنه يساهم في ترويج الفكرالصوفي ، لذلك لا غرابة أن يقوم المريدون بنسخه سرا .

ورغم كل الجهود التي قامت بها السلطة المرابطية لإلصاق التهمة بالمتصوفة بتأويلهم القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة ، فإنها لم تفلح ، بل كانت النتيجة عكسية ، فانتصر التيار الصوفي الغزالي فوق حدود المتوقع [16] .

ج – الملاحقة والإبعاد :

لم تكتف المؤسسة الحاكمة بالتتبع والمراقبة ، بل لجأت إلى منع بعض المتصوفة من التدريس، تحسبا لأي ترويج لأفكارهم ؛ ولا غرو فقد منع المتصوف أبو الفضل بن النحوي من إلقاء دروسه في أحد مساجد سجلماسة [17] ، بل إنه تعرض بعد ذلك للملاحقة ، فاضطر إلى الاختفاء في جنة كانت في ملكه ، وبقي مختفيا بها (( إلى أن أشرف على الموت من شدة الجوع )) [18] . كما طالت الملاحقة والإبعاد متصوفة آخرين نذكر من بينهم المتصوف الشهير أبو يعزى الذي تم إبعاده عن حومة البليدة بفاس ، تحت ذريعة أن أهل البدع كانوا يشاركون في مجالسه [19] .

وبذلك يتضح أن أسلوب الملاحقة والإبعاد كان يدخل ضمن استراتيجية السلطة المرابطية في اجتثاث التيارات الصوفية التي كانت ترى فيها مسا بأمنها واستقرارها .

د – السجن والتعذيب :

لم يقتصر اضطهاد السلطة المرابطية للمتصوفة على الملاحقة والإبعاد ، بل ذهبت إلى الزج بهم في السجون وتعريضهم للضرب والتعذيب . ومن النماذج التي يمكن أن نسوقها في هذا الصدد المتصوف الشهير أبو الحسن علي بن حرزهم الذي تم سجنه في مدينة فاس[20]، وأبو عبد الله محمد بن عمر الأصم ، وأبو عبد الله الدقاق الذي سجن مع مجموعة من المريدين في فاس أيضا [21] ، فضلا عن متصوف آخر يدعى أحمد بن وشون [22] .

ومن أبرز المتصوفة الذين امتحنوا بالسجن أيضا ابن برجان السالف الذكر وذلك بسبب أفكاره التصوفية وتأويلاته للنصوص القرآنية ، حتى أنه لقي حتفه نتيجة هذا الأسر [23] .

وشملت عمليات الاعتقال كذلك المتصوف الذي عرف في المصادر التاريخية باسم الميورقي . ويورد ابن الأبار خبر اعتقاله وسجنه بقوله ” (( وامتحن بالقبض عليه مع أبي الحكم بن برجان وأبي العباس بن العريف ، وتخلص دونهما ، فقصد المشرق ثانية وأقام بمدينة بجاية برهة في هربه من المغرب )) [24] ، مما ينهض دليلا أن الاعتقالات لم تكن فردية أو متعلقة بشخص بعينه ، بقدر ما كانت موجهة ضد تيار اعتبر آنذاك من أخطر التيارات المناوئة للسلطة .

وبالمثل سجلت لنا المصادر لائحة من المتصوفة الذين ألقي بهم في غياهب السجن نذكر من بينهم محمد بن أحمد نمارة الحجري ومحمد بن خلف اللخمي [25] وأبو عبد الله الشبوقي الذي تم إبعاده من الأندلس واعتقل بحضرة مراكش [26] .

ومن غير المستبعد أن يكون هؤلاء السجناء قد تعرضوا أثناء فترة اعتقالهم لشتى أنواع التنكيل والتعذيب . شفيعنا في ذلك ما ورد في إحدى رسائل ابن العريف من أن رجال الأمن المنخرطين في ما كان يعرف بخطة الشرطة ، أمعنوا في تعذيب امرأة لإجبارها على الإخبار عن أسماء بعض المتصوفة ، فلما يئسوا من الحصول بواسطتها على معلومات فقأوا عينها دون رحمة[27]. كما يخبرنا ابن الزيات[28] عما تعرض له متصوف آخر من أصناف الضرب والتنكيل ، لذلك حاول زعماء التنظيمات الصوفية الرفع من معنويات مريديهم الذين زج بهم في السجن ؛ ومن هذا القبيل ، رسالة وجهها ابن العريف لأحد مريديه يهوّن فيها عليه عذاب السجن وأهواله من خلال الإحالة على بعض المرجعيات الدينية ، خاصة بعض الأنبياء الذين تعرضوا للسجن ، فضلا عن سرد بعض أقوال الحكماء ، ومما جاء بها : (( وفي بعض سير الملوك السالفة ، كانوا كلما سجنوا عاقلا قرنوا به جاهلا ، وقالوا إنما السجن للأرواح لا سجن الأشباح ، فلا أدري من أي الفرق أتت فأهنئك أو أعزيك …فسمّ الله إذا كان سجنا سراحك ، وتكفل لك و للحق أنك تكفل العناية )) [29] .

ويفهم من نص هذه الرسالة أن ابن العريف كان يدرك تماما عذاب السجن وأهواله ، لذلك كان يسعى إلى رفع معنويات مريديه من خلال الإحالة على مجموعة من المرجعيات التي تصور السجن بأنه دليل حق ، وليس وسيلة عقاب ، وأن الصبر واجب لبلوغ هذا الحق ، وتتجلى تلك المرجعيات في :

1- المرجعية النبوية : حيث تتضمن الرسالة بيانات حول سجن بعض الأنبياء وارتفاع معنوياتهم رغم أهوال السجن وظروفه المقيتة .

2- المرجعية الحكمية ، حيث تشير الرسالة إلى منظور بعض حكماء الملوك حول السجن واعتباره ممرا لتبليغ رسالة الحق والوصول إلى طريق الصواب.

3- مرجعية تضاد المفاهيم غير المألوفة في مخيال المجتمع ، حيث أن كاتب الرسالة يعتبر السجن – على عكس ما هو شائع – حرية إذا كان سببه الجهر بالحق .

4- مرجعية التمييز الإيجابي ، إذ تميز الرسالة بين سجن العاقل وسجن الجاهل .

5 ـ مرجعية الصراع بين الأضداد : الحق /الباطل والعقل /الجهل ، إذ تؤكد الرسالة على أن سجن العقلاء هو طريق الوصول إلى الحق .

وتجدر الإشارة أنه رغم ما تعرض له بعض المتصوفة من محن داخل السجون ، فإنهم لم ينقطعوا عن التعبير عن آرائهم وأفكارهم داخل معتقلاتهم ، فألفوا كتبا في هذا المجال نذكر من بينهم محمد بن خلف اللخمي الذي صنّف داخل زنزانته مجموعا في التصوف ، انتهى من تأليفه سنة 529هـ/1139م [30] .

يتضح مما سبق أن وسيلة السجن التي نهجتها السلطة المرابطية لم تفلح رغم قساوتها في إطفاء جمرة الفكر الصوفي ولذلك لجأت إلى وسيلة الاغتيال .

هـ – اغتيال المتصوفة :

وصل حد المواجهة بين المرابطين والمتصوفة إلى حد اغتيال هؤلاء ، وإن كان الفقهاء يتحملون وزر هذه المواجهة التي بلغت هذا الحد الخطير . فإذا كانت العوامل المذهبية تظهر كعامل أساسي في الصراع بين بعض الفقهاء والمتصوفة حيث اختص الفقهاء بالإفتاء والأحكام العامة في العبادات والمعاملات ، في حين تميز المتصوفة بالمجاهدة ومحاسبة النفس والكلام في الأذواق [31] ، فإن ذلك لم يكن سوى غطاء للصراع الاجتماعي بين تيار ثري وآخر يدعو إلى الزهد والتقشف ، لذلك تفننوا في تأليب السلطة المرابطية عليهم ، وتدبير أسباب اغتيالهم . فجلّ المصادر تجمع على حسد القاضي ابن الأسود لابن العريف وتدبير أمر اغتياله [32] . ورغم تبرئته مما نسب إليه ، فقد استأسد القاضي المذكور في نسج مؤامرة اغتياله ، ونجح فيها حيث قتل ابن العريف في مراكش أو سبتة حسب اختلاف الروايات [33] . كما تم اغتيال ابن برجان بعد اعتقاله في مراكش نتيجة آرائه التصوفية ، لا بل أمر الأمير علي بن يوسف أن تلقى حثته على المزبلة ومنع أن تقام عليه صلاة الجنازة [34] .

ولم ينج المتصوف أبو عبد الله الدقاق من موت محقق مع جماعة من مريديه من مدينة سجلماسة، إلا بعد تدخل أحد أشياخ قبيلة فاس الذي تشفع له لدى الأمير المرابطي[35] .

ويبدو أن وصول منحى التوتر بين السلطة المرابطية وأقطاب التصوف إلى هذا الحد من القتل والاغتيال يعكس الخطورة التي أصبح يشكلها الفكر الصوفي عليها ، مما جعلها سلاح الاغتيال إحدى الأساليب التي نهجتها للحدّ من تسرب الفكر الصوفي . بيد أن الأمور كانت قد استفحلت ، وكان التنظيم الصوفي خاصة الباطني منه قد بلغ مرحلة من النضج ، مما هيّأ المناخ لقيام ثورات صوفية كثورة ابن قسي التي قضت مضجع المرابطين .

والخلاصة أن علاقة السلطة المرابطية بالمتصوفة كانت في أغلبها علاقة تنافر وتباعد ومواجهة ، وسلكت المؤسسة الحاكمة في مواجهة التيار الصوفي مجموعة من الأساليب التي تراوحت بين المراقبة والمتابعة وإلصاق تهم الخروج عن السنة ، والملاحقة والإبعاد والاعتقال والسجن والاغتيال، وكلها أسليب تفصح عن مدى خطورة المتصوفة كتيار فكري فرض نفسه في المجتمع المغربي الوسيط ، بيد أنها عجزت عن قطع دابر المتصوفة ، فاضطرت إلى نهج أسلوب جديد معهم يتجلى في أسلوب الاحتواء والمهادنة ، ولكن وضعيتها آنذاك كانت قد بدأت تجنح نحو الانهيار، فهل يمكن اعتبار التيار الصوفي عاملا من عوامل انهيار دولة المرابطين ؟ سؤال نطرحه ونترك الإجابة عنه لأقلام الباحثين .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق