المقالات

معالم الرؤية التحريرية عند عبد الحليم أبي شقة من خلال كتابه: “تحرير المرأة في عصر الرسالة”(بقلم مصطفى الحكيم)

لا يملك المرء و هو يجلو بصر فكره في الفقه التجديدي الذي قبس من مشكاته, ومتح من نبعه عبد الحليم أبو شقة -وهو يبسط اجتهاده في قضية المرأة- إلا أن يسجل هذا الموقف الشهم، والخطوة المباركة التي تضع لبنة في صرح الفقه التجديدي الإسلامي عموما، وفقه المرأة المسلمة خصوصا. بإزاحته لكل العوائق النفسية، والذهنيات التجزيئية التي تقطع طريق الفهم والاعتبار، وسبيل التمثل والاستبصار بمجمل القضايا المطروحة على بساط الاجتهاد الإسلامي المعاصر.

إن مكمن الداء ومعقد الإشكال -في قضية المرأة وسواها من القضايا- ما أصيب به العقل المسلم من شلل فكري، وعطل اجتهادي أقعده عن النظر المجرد، والفهم المسدد، وقيده بأغلال التقليد، وآصار الجمود. هذا التقليد -الذي شل إرادة العقل المسلم- حال بيننا وبين أن نقبس من مشكاة النبوة، وفهمها الراشد، ونرد حياض العلم النبوي الصافية، ونتتلمذ على السيرة النبوية الغراء.

ومن ثم أصبح العقل المسلم عاجزا عن مقاربة القضايا المطروحة ومنها قضية المرأة؛ لذا نعتقد أن السبيل الأقوم والمسار الأصوب لتحرير العقل المسلم تحريره من التقليد وآفاته، وتخليصه من الجمود وسيئاته. حتى ينهض هذا العقل من كبوته، ويستفيق من غفوته، ويستعيد عافيته ليقارب القضايا بفهم راشد، ونظر سديد، متوسلا إلى ذلك بالآليات الأصولية، والفهوم المقاصدية التي أرست منهجا سليما، ونظرا قويما للاجتهاد الإسلامي وطرقه ومسالكه.

شأن المقلد أن يسكت كما نص على ذلك حجة الإسلام أبو حامد الغزالي حين قال: «شرط المقلد أن يَسْكُتَ ويُسْكَتَ عنه، لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج. ولو كان أهلا له لكان مستتبَعا لا تابعا، وإماما لا مأموما. فإن خاض المقلد في المحاجة فذلك منه فضول، والمشتغل به صار كضارب في حديد بارد، وطالب لإصلاح فاسد، وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر»[1]. وهذا حال كثير ممن أنكروا الحقوق المكفولة بكفالة الشرع الحكيم للمرأة المسلمة؛ فراحوا يشنعون على من خالف رأيهم، وتجافى عن سبيلهم، وعاب مسلكهم، وسفَّه منطقهم.  

لم يكن صوت عبد الحليم أبي شقة صوتا نشازا، أو رأيا شاذا حين نادى بضرورة النظر لقضية المرأة وفق هديِ فقهٍ تجديدي، ونظر اجتهادي، وفهم مقاصدي يجلي آفاق تحرير المرأة في الشريعة الإسلامية، ويعيد لها حقها الضائع، وكرامتها المسلوبة، وإرادتها المكبلة. بل كان صوتا أصيلا، ورأيا أثيلا قبس من مشكاة جلة من العلماء رزقوا الفهم السديد والنظر الصحيح ممن نادوا بتحرير المرأة التحرير الشرعي وتكريمها التكريم الرباني.

لقد خاض عبد الحليم أبو شقة قبل هذا الوقت بزمن ليس بالطويل معركة فكرية انبرى فيها لبيان تهافت أدلة خصومه، ودحض حججهم. في دراسة جمعت بين دفتيها نصوصا من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة الصحيحة؛ قصرها على صحيحي البخاري ومسلم، مجليا بها الصورة المشرقة للمرأة المسلمة المكرمة على عهد النبوة، صورة أبعد ما تكون عن فقه سد الذرائع، واتقاء الفتنة الذي حَشَر المرأة في رُكن حَرِجٍ مَرِج.

سنعرض في هذا المقام رؤيته التحريرية، سالكين في ذلك الخطة التالية: 

الفصل الأول: نعرف فيه بالمؤلف وبكتابه “تحرير المرأة في عصر الرسالة”، مبرزين مقاصد تأليف الكتاب وغاياته ومكانته، كاشفين المنهج الذي أعمله المؤلف في بنائه، ثم عارضين لأهم النتائج والخلاصات التي انتهى إليها في بحثه.

الفصل الثاني: نستجلي من خلاله الرؤية التحريرية بوضع قضايا بعينها على مجلى النظر، وبساط البحث كقضايا نموذجية تمثيلية لا غير؛ وإلا فما عالجه أبو شقة ومثَّل له من كتاب الله وسنة نبيه r أكثر بكثير من أن يستوعبه مقال.  

الفصل الأول: كتاب “تحرير المرأة في عصر الرسالة”

المبحث الأول: عبد الحليم أبو شقة عطاء وبلاء 

يعد عبد الحليم أبو شقة في طليعة المفكرين الإسلاميين الذين اضطلعوا بمهمة تنوير المجتمع الإسلامي، وتحرير العقل المسلم من الشلل الذي أصابه، والعطل الذي أقعده. وقد شغلته قضية المرأة ووضعيتها زمنا طويلا، وهاله ما رآه في واقع المجتمع المسلم من ظلم للمرأة، وهضم لحقوقها، وامتهان لكرامتها، وشجاه ما قرأه مبثوثا في بطون الكثير من كتب الفقه وغيرها من نظرة مزرية بوضعية المرأة، ومزهقة لحقوقها. فانبرى مؤكدا أن إحقاق الحق في موضوع المرأة مثل إحقاق الحق في أي جانب من جوانب الشريعة هو انتصار لشرع الله، وتمثل لسنة رسول الله r.

وقد تصدى أبو شقة لإحقاق الحق في هذه القضية الخطيرة، وتبيان وجه الصواب فيها بشجاعة محمودة وإيمان راسخ. يقول يوسف القرضاوي الذي عرف المؤلف، وخبر معدنه، واطلع على أحواله: «إن الذين عرفوه أعجبوا به وقدروه، واعترفوا له بالقدرة على التفكير الهادئ العميق، إلى جوار النظرة النقدية الإصلاحية، إلى الشجاعة في إبداء ما يرى أنه الحق، إلى الصدق والاستقامة التي جعلت ظاهره كباطنه. وأشهد لقد عرفته عن كثب منذ أكثر من ربع قرن من الزمان.. فما عرفت فيه إلا إيمانا صادقا، وقلبا نقيا، وخلقا رضيا، وحسا مرهفا، وعقلا ناقدا…»[2]. 

ولقد أخذت هذه القضية من فكر أبي شقة حيزا كبيرا، وشغلت منزلا أثيرا طوال سنوات عديدة، حين اغترف من معاني الكتاب والسنة فوجدها تخالف كثيرا مما عليه المسلمون من تشدد وتزمت في موقفهم من المرأة. وكلما ازداد نظرا في تلك النصوص، وبصرا بحقيقتها وكنهها ازداد إيمانا ويقينا بمكانة المرأة المشرفة، ومنزلتها المتميزة.

المبحث الثاني: الكتاب: غايته ومكانته 

يعد الكتاب في أساسه دراسة اجتماعية فقهية عن المرأة في عصر الرسالة. وقد اجتهد مؤلفه في أن يحوي كل النصوص التي تشير إلى المرأة من قريب أو بعيد، في حياتها الخاصة وحياتها العامة، إلى طبيعة علاقاتها الاجتماعية ونشاطاتها المتنوعة…[3].

لقد سعى المؤلف من خلال كتابه إلى الإسهام في إعادة تحرير المرأة المسلمة المعاصرة، وذلك بتبيان كيف تم تحرير المرأة في عصر الرسالة، باعتبار أن العصر الذي عاشته المرأة المسلمة قبل بزوغ فجر الإسلام كان عصر ظلم للمرأة، وهضم لحقوقها، وامتهان لكرامتها. ومن ثم حذا المؤلف خطى التحرير الأول، وسار على هديه، ونسج على منواله، مقتفيا آثار النبوة، مستحضرا فضائلها.

وقد وضع المؤلف لدراسته هدفا عاما لخصه بقوله: «تحرير العقل المسلم المعاصر؛ تحريره من قيود هائلة، وموازين باطلة، وأفكار فاسدة سيطرت عليه عبر القرون، فأعجزته وشوهته، فإذا تحرر من كل ذلك استيقظ وعمل على نور من هدى الله… لأنه هو السبيل الذي لا سبيل غيره إلى التحرير الكامل والأصيل للمرأة، وتحرير الرجل معها»[4].

لقي كتاب: “تحرير المرأة في عصر الرسالة” قبولا لدى فئات عريضة من العلماء والمفكرين ممن خلعوا عن أنفسهم ربقة التقليد، وكسروا عن أعناقهم طوق الجمود؛ فانتصب للثناء على الكتاب ومؤلفه جم غفير منهم، شدُّوا على يد مؤلفه مشجعين ومنوهين بالمنهج السليم الذي سلكه في حجاجه على حقوق المرأة وقضاياها. يقول أحدهم وهو الشيخ محمد الغزالي رحمه الله مشيدا بالكتاب، مثنيا على صاحبه: «هذا الكتاب يعود بالمسلمين إلى سنة نبيهم دون تزيد ولا انتقاص، لأنه كتاب وثائق ومؤلفه عالم غيور على دينه، رحب المعرفة، متجرد لنصرة الحق، كره الجدل الذي برع فيه أنصاف العلماء، وآثر مسلكا قائما على عرض المرويات كما استقاها من البخاري ومسلم…»[5].

ويمضي مبرزا قيمة الكتاب، وحاجة الأمة إليه في وقت وجدت فيه فهومٌ معوجة، وآراء شاذة، ومواقف ظالمة في حق المرأة. يقول الغزالي في تقريظه للكتاب: «وددت لو أن هذا الكتاب ظهر منذ عدة قرون، وعرض قضية المرأة في المجتمع الإسلامي على هذا النحو الراشد. ذلك أن المسلمين انحرفوا عن تعاليم دينهم في معاملة النساء، وشاعت بينهم روايات مظلمة، وأحاديث إما موضوعة، أو قريبة من الوضع؛ انتهت بالمرأة المسلمة إلى الجهل الطامس، والغفلة البعيدة عن الدين والدنيا معا…»[6].

المبحث الثالث: منهج الكتاب

أعمل المؤلف في عرض كتابه منهجا معلوما، وخطا مرسوما مكنه من بناء نسق فكري يدحض بآلياته حجج الخصوم، ويكشف على ضوئه تهافت آرائهم، وتداعي مسَلَّماتهم. وقد اعتمد في بنائه للرؤية التحريرية التي بسطها في كتابه: “تحرير المرأة في عصر الرسالة” على المنهج الاستقرائي، عارضا على ضوئه جميع النصوص ذات الدلالة على موضوعات البحث، وهي نصوص واضحة الدلالة لأنها في الأعم نصوص تطبيقية عملية، ولا حاجة معها لبذل جهد كبير في الاستنباط، مع ذكر بعض أقوال الفقهاء بغرض إثبات دلالة النص، وليس كل الأقوال سواء مؤيدة أو مخالفة[7].

ولقد كان من ثمرات إعمال المؤلف لهذا المنهج تحقيقه نوعا من التصنيف الموضوعي للنصوص المتعلقة بالمرأة في القرآن الكريم، وصحيحي البخاري ومسلم. يقول يوسف القرضاوي مبرزا قيمة هذا المنهج وفائدته كما يظهر في الكتاب: «وهو في دراسته هذه لا يعتمد على قول فلان أو علان من الناس، بل يدع النصوص وحدها تتكلم وتحكم. ولهذا أكثر من النصوص عمدا وقصدا، لتتولى التعبير عما يريد توضيحه وتأكيده وتثبيته من القيم والمفاهيم. وهو لا ينقل عن العلماء والشراح إلا بالقدر اللازم للشرح والتوضيح عند الغموض أو الاشتباه أو الخلاف»[8].

وهذا عمل نحن في مسيس الحاجة إليه في وقت اختلت الموازين، وانتشرت الأباطيل، وحُرفت الحقائق، وكثرت الدعاوى التي تلتمس لخطلها وانحرافها سندا من حديث نبوي أو آية قرآنية أو قول مأثور، وتبني عليها آراء ملزمة وقرارات نافذة، وتجعل منها ميزانا للتقوى، وحدا فاصلا بين الكفر والإيمان؛ ولمَّا يحصل لديها العلم بما ذُكر في المسألة المطروقة في السياقات المختلفة والمواقف المتباينة. لذا تُمسي الحاجة ملحة لهذا التصنيف الموضوعي للأحكام والنصوص المتعلقة بالمواضيع المختلفة إفرادا لموضوعاتها، وجمعا لمادتها، وتحديدا لمجالاتها توثيقا واستقصاءً. وهذا ما سعى أبو شقة لتحقيقه، وبَذَل من جهده وخبرته، وهمِّه وهمته حتى استوى العمل على سوقه، واكتمل نضجه، وطابت قطوفه؛ مما جعل من هذا الكتاب موسوعة جامعة ضمت بين دفيتها ما يتعلق بالمرأة المسلمة دقيقه وجليله في كل ما يتصل بحياتها ووجودها، والمهام المنوطة بها، وعلاقاتها ومجالات اشتغالها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وتربويا…

المبحث الرابع: أهم نتائج الكتاب وخلاصاته 

سنحاول من خلال هذا المبحث استعراض أهم الخلاصات والنتائج التي انتهى إليها المؤلف من خلال جولته في متون النصوص التي جلت قضية المرأة ومنزلتها ومواقفها في الأسرة والمجتمع. نظرا لضخامة الكتاب وطابعه الموسوعي، والذي يقع في ستة  أجزاء، بصفحات تنيف على الألف وثمانمائة..

وهاهي أهم الخلاصات والنتائج كما كشف عنها المؤلف في كتابه القيم “تحرير المرأة في عصر الرسالة”: 

-كانت المرأة المسلمة في العهد النبوي واعية بشخصيتها التي قرر الإسلام الحنيف معالمها، ثم إنها مارست حياتها في مختلف المجالات انطلاقا من هذا الوعي.

-كان كشف الوجه هو السائد في العهد النبوي، وهو الأصل أما النقاب الذي يبرز العينين ومحجريهما فكان مجرد عادة من عادات التجمل عند النساء قبل الإسلام وبعده. 

-قدر من التزين المعتدل في الوجه والكفين واللباس مشروع في حدود ما يتعارف عليه نساء المؤمنين.

-لم يفرض الإسلام طرازا محددا بشأن اللباس، ولكن فرض ستر البدن، ولا جناح في تعدد الطرز حسب الظروف المناخية والاجتماعية. 

-شاركت المرأة في الحياة الاجتماعية واطرد لقاؤها بالرجال حتى شمل جميع المجالات العامة والخاصة.

-شاركت المرأة في النشاط الاجتماعي في ميادين التثقيف والتعليم والبر والخدمات.. كما شاركت في مجال النشاط السياسي، والنشاط المهني من رعي وزراعة وصناعات يدوية وإدارة وعلاج وتمريض.. 

-تأكيد حق اختيار المرأة لزوجها، وتأكيد حقها أيضا في فراقه إذا كرهته دون مضارة منه.

-توزيع المسؤوليات بين الزوجين كان يصاحبه تعاون بينهما يؤدي إلى كمال تلك المسؤوليات. 

-حقوق الزوجين متماثلة )وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ( (البقرة: 228)، والدرجة هي القوامة، أو هي فضل تنازل الرجل عن بعض ما يجب له. ومن هذه الحقوق حق الحب، فاللطف ثم الرحمة، وحق التجمل والاستمتاع الجنسي، وحق المشاركة في مشاغل وهموم الطرف الآخر..    

-وضعت الشريعة للطلاق وتعدد الزوجات شروطا وآدابا، ولا يستقيم حال الأسرة المسلمة مع الإخلال بهذه الشروط والآداب، ولذلك لا حرج علينا في العصر الحديث من تقرير النظم التي تكفل ضمان تحقيق هذه الشروط والآداب. 

-سار الرسول r وصحبه على منهج يحقق التربية الجنسية السليمة، والثقافة الجنسية الرصينة. وقد ترتب على ذلك صحة نفسية ينعم بها الجميع رجالا ونساء. وينبغي إزالة الهالة الضخمة من الإخفاء والتعتيم التي تحاط بكل ما يتصل بالجنس بقريب أو بعيد.

هذا بعضٌ مما انتهى إليه المؤلف من نتائج وتوصيات[9] استقاها من وحي تلمذته على النموذج النبوي، الفهم الراشد الذي سرى في جسم المجتمع المسلم -إبان تنزل الوحي- ببركة المصحوب الأعظم r

الفصل الثاني: الرؤية التحريرية عند عبد الحليم أبي شقة 

المبحث الأول: تعدد الزوجات بين الإطلاق والتقييد[10]

قد يمنع عدم النظر إلى مقاصد الشارع من تشريع الحكم من تحقيق الفهم السليم والنظر القويم لواقع الحكم ومخرجاته ومآلاته. وهذا حال كثير من المسلمين الذين غاب عنهم المقصد الرئيسي من تشريع حكم التعدد الذي قرره الشارع حين قال: )فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ( (النساء: 2)، أي ما كان فيه خيركم، وصلاح حالكم حال الرجل وحال الزوجات والأولاد؛ لأنه لا شك أن صلاح الزوج متوقف على صلاح أهله وأولاده، كما أن سوء حالهم منعكس على صلاح حاله. فقد قصد الشارع من تشريع حكم التعدد تحقيق صلاح حال الأسرة، وليس متعة الرجل وحده. وإذا كان لرجل حاجة في التعدد يتم بها صلاح حاله وحيل بينه وبين التعدد فلا بد أن يتضرر ويضعف نشاطه، وتقل راحته، حسب أهمية تلك الحاجة، ولا بد يضر ذلك بحال الأسرة كلها.

وإذا كان صلاح الرجل في الزوجة الواحدة وتزوج بأخرى خضوعا لهوى عارض، ودون توفر الشروط، فلا بد أن يقع الحرج. وقد يعجز عن توفير الرعاية الأدبية والأسرية، فيصيب الضرر جراء ذلك نفسه وأسرته. وقد وضع الشارع الحكيم للتعدد شروطا ليمنع تسلط الأهواء، وانتصاب الغرائز من قدرة على العدل، وقدرة على النفقة على الزوجات وأولادهن، وقدرة على حسن رعاية الزوجات وأولادهن. 

كما نصت السنة الغراء على الحالات التي يصبح فيها التعدد أمرا ملحا. من هذه الدواعي:

-علاج مشكلة في الأسرة بوجود عقم لدى الزوجة، أو عيب خلقي أو مرض مزمن لديها سواء كان بدنيا أو نفسيا مما قد يكدر صفو الحياة الزوجية، ومن ثم يصبح التعدد في هذه الحالة بديلا صالحا عن الطلاق. 

-عمل معروف في امرأة صالحة لا تجد راعيا لها إما لكبر سنها، وإما لوجود أيتام في حجرها أو لغير ذلك من الأسباب.

-الرغبة في مزيد من الاستمتاع مع وفرة الصحة والمال: وهذا الداعي يخضع في تلبيته للعرف، والعرف كما يساعد على تلبية رغبة الرجل، يخفف من ثقل الأمر على المرأة، ويكفكف من غيرتها سواء كانت المرأة الأولى أو الثانية، حيث يصبح التعدد أمرا مألوفا. 

وقد كان العرف عند عرب الجزيرة يقر بالتعدد قبل الإسلام وبعده ولكن في ظل الإسلام وضعت كثير من الضوابط التي تحكم التعدد ومنها: عدم الزيادة على أربع، واشتراط العدل بين الزوجات، وعدم الجمع بين المرأة وأختها وعمتها وخالتها.

إن الناظر في واقع المجتمع النبوي الأول ليجد أن التعدد كان منبثقا عن رؤية ترى فيه مصلحة اجتماعية بها صلاح الأسرة رجلا وامرأة. وقد جمع النبي r بين الإفراد والتعدد لغايات ومقاصد نستخلصها من وحي سيرته العطرة؛ فقد أفرد خمس وعشرين سنة، وعدَّد ما يقرب من عشر سنين. وذلك أن خديجة رضي الله عنها أغنته عن غيرها بمروءتها ورجاحة عقلها، وظل يذكرها بالخير، ويثني عليها بعد موتها، كما روت ذلك السنن الصحيحة. 

وقد يغيب عن بال كثيرين مما يطلقون أمر التعدد على عواهنه ما ورد في السنة الصحيحة أن رسول الله r أقر بأن التعدد يسبب ضررا كبيرا لبعض النساء، وذلك بسبب غيرتهن البالغة. كما في قصة علي رضي الله عنه حين شرع في خطبة امرأة أخرى على فاطمة رضي الله عنها دون إعلامها، ثم عدوله عن ذلك بسبب غضب رسول الله r لابنته كما روى ذلك البخاري ومسلم[11]. 

شرع الله التعدد لتحقيق مصالح الناس، فإذا حدث وبرزت مفاسد في زمن معين وبيئة معينة إما لعدم تنفيذ الشروط والآداب التي رسمها الشارع، وإما لاختلاف أحوال الناس وظروف معيشتهم. فعندها ينبغي تقرير التنظيم الذي يراعي أحوال الناس من ناحية، ويعين على تنفيذ الشروط والآداب من ناحية أخرى، ويحقق في الوقت نفسه المصالح التي قصدها الشارع الحكيم من التعدد. وهذا التنظيم يبدأ بتضامن المجتمع المسلم وأهل الرأي فيه على إشاعة الآداب والضوابط الشرعية عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، حتى تصبح عرفا صالحا من أعراف المجتمع. ثم يأتي بعد ذلك النظام القانوني الذي بإمكانه ضمان تنفيذ ما شرعه الله تعالى من شروط وآداب، فيكون دور القاضي التحري عن قدرة الزوج المالية، وكفاءته الأدبية.

المبحث الثاني: الطلاق ومقاصد التشريع[12]

       قال الإمام الشاطبي: «ثبت الدليل الشرعي على أن الشريعة إنما جيء بالأوامر فيها جلبا للمصالح… فإذًا لا سبب مشروعا إلا وفيه مصلحة لأجلها شُرع، فإن رأيته وقد انبنى عليه مفسدة فاعلم أنها ليست بناشئة عن السبب المشروع… وإنما هي ناشئة عن أسباب أُخر مناسبة لها»[13].

بهذا النظر الاجتهادي لإمام المقاصد صدَّر أبو شقة الفصل الذي أفرده للحديث عن قضية الطلاق، لَمَّا رأى أن الطلاق كحكم شرعي يراد به تحقيق المصلحة الزوجية جُرد عن مقصده، وحُوِّل عن مساره، يقول الكاساني: «إن شرع الطلاق في الأصل لمكان المصلحة؛ لأن الزوجين قد تختلف أخلاقهما، وعند اختلاف الأخلاق لا يبقى النكاح مصلحة؛ لأنه لا يبقى وسيلة إلى المقاصد، فتنقلب المصلحة إلى الطلاق؛ ليصل كل واحد منهما إلى زوج يوافقه، فيستوفي مصالح النكاح منه»[14]. 

إن الإسلام يراعي في توجيهاته وتشريعاته حال المؤمنين الأسوياء الذي يطيعون الله ورسوله r ويحرصون على تطبيق أوامر الشرع المتعلقة بظواهر الأمور وبواطنها. والطلاق في جوهره تشريع علاج لمشكلات عملية، قوامها تعذر التوافق بين الزوجين، وهو علاج اضطراري عند بروز تلك المشكلات. ولكن قد يحدث ضعف خلقي عند البعض فيستخدم هذا التشريع في غير موضعه، أي دون وجود المسوغات الضرورية، ودون مراعاة لتوجيهات الشارع الحكيمة والرحيمة. مما قد ينتج عن ذلك من أضرار لا سبيل إلى دفعها إلا بمزيد من التوجيه والتربية، حتى يكون الزوجان دائما على مستوى من المسؤولية التي حمَّلهما الله إياها؛ وهذا يؤكد ضرورة تساند التشريع مع التربية في المجتمع المسلم.

وقد وضع الإسلام لإنفاذ الطلاق شروطا تشكل ضغطا على الزوجين حتى يتريثا قبل الإقدام على خطوة الانفصال، كما أن فيه بعض التعويض للطرف الآخر، فحق الطلاق المعطى للرجل يشترط عدم أخذ شيء مما أعطاه للمرأة من مهر وهدايا. لكن حين ينقطع حبل المودة وتغيب معاني الرحمة بين الزوجين يصبح الطلاق علاجا لا بد منه لزواج فاشل، فيكون إيقاعه مصلحة للعباد. 

وقد كان حسن الظن بالمطلقات عرفا شائعا في العهد النبوي؛ وهذا يدل على فهم صحيح لطبائع البشر، فقد لا يتوافق الزوجان ويفترقان ثم يهيء الله لكل واحد منهما زوجا موافقا ينعم معه بصحبة طيبة. ومما يؤسف له أن العرف في بعض المجتمعات المسلمة في عصرنا يلقي على المطلقة سحابة من الريبة وسوء الظن، حتى لتظل منبوذة ولا يقدم أحد على الزواج منها. وقد يمتد سوء الظن هذا إلى الرجل أيضا، فيحرم الإثنان -المطلق والمطلقة- من الإحصان الواجب لكل مسلم.

لذا يجب تنظيم هذا الحقل حتى لا يبقى بعيدا عن المقاصد التي وضعها الشارع الحكيم؛ باعتبار أن التنظيم دخل على كثير من مجالات الحياة في عصرنا، وكلنا يقر ويمتدح صورا عديدة من التنظيم: تنظيم المدينة، تنظيم البناء، تنظيم الزراعة بتحديد مساحة الأرض المزروعة قطنا أو أرزا مثلا وغيره من المجالات التي شملها التنظيم. 

ويتساءل أبو شقة عن الفرق بين تحديد سن الزواج وبين تحديد سن العمل؟ كان قديما كلاهما مباحا لا يقيده غير الحد الأدنى من الصلاحية للزواج أي البلوغ، ومن الصلاحية للعمل وهو حسب نوع العمل. فكما أنه بناء على مصلحة راجحة يرفع الحد الأدنى لسن العمل، وذلك حتى يتمكن الفرد من الحصول على حد أدنى من التعليم، فضلا عما فيه من توفير النمو السوي للطفولة، ومن الصيانة أيضا من الاستغلال. كذلك يرفع الحد الأدنى لسن الزواج في بعض أقطار العالم الإسلامي بناء على مصلحة راجحة، وهي توفير فرصة تحصيل الحد الإلزامي من التعليم، وتوفير درجة من النضج البدني والاجتماعي -خاصة بعد تعقد الحياة- تعين على نجاح الزواج واستقراره.

إذن ليس المقصود من التنظيم تغيير أحكام الشرع، خضوعا لصرخات شاطحة منبعثة من الغرب والمفتونين به؛ بل هو ضبط لتصرفات الفرد حتى لا يخرج عن مقاصد الشرع، ويسيء استعمال ما أباحه له الشارع. وإذا أقررنا مبدأ التنظيم فالمطلوب أن تناقش صورة التنظيم فقد يكون العيب في الصورة لا في المبدأ، وعندها نبحث في الصورة المثلى، كما أنه من الضروري عمل دراسات إحصائية وميدانية قبل وضع أي نظام حتى يكون ملبيا لحاجة حقيقية لا وهمية، ومحققا لمصالح مشروعة. يؤكد أبو شقة أن المقصود من هذا التنظيم المقترح[15] هو تحقيق أمرين: -أولهما: محاولة الإصلاح بين الزوجين –ثانيهما: التأكد من توفر شروط صحة الطلاق.

ختاما؛ هذه بعضٌ من معالم الرؤية التحريرية عند عبد الحليم أبي شقة كما بسطها في كتابه: “تحرير المرأة في عصر الرسالة” اقتصرنا فيها على استعراض معالم التحرير، وملامح التنوير مما يتصل بقضيتين اثنتين في غاية الأهمية؛ أخذناهما على سبيل التمثيل فقط، وإلا فرؤية مثل هاته تحتاج إلى بحث معمق يرصد مواطن الإبداع والتجديد، ويعرض لهذه المقاربة المنهجية وامتداداتها المعرفية، وفوائدها الاجتماعية، وتأثيراتها الفكرية التي زلزلت تصورات نمطية عن المرأة؛ وقعت فيها بين فهمين وتصورين واتجاهين: تقييد بائد أو تحرير فاسد.

فريق المرأة عنده منطقة سواد شكلا وروحا، ونكرةٌ غير مُعَرَّفة، وطيفُ مخلوق لا حضور له في ساحة الكسب الحضاري، والعطاء البشري، والتفوق العلمي، والتدافع المجتمعي؛ غير تدافع في ساحةِ فراش هي فيه جسد للإمتاع بلا استمتاع؛ بتاريخ صلاحية إذا انتهت استُبدلت بأخرى، أو أُلحقت بها أخرى، فالمرأة عند هؤلاء كائن ذليل طيِّع لا رأي له ولا قرار، يُساق كما تساق البهائم إلى الحظائر، ويحاسب على الكبائر والصغائر، ولسنا نبالغ أو نتجافى عن الحقائق فيما أثبتناه؛ فواقع الأمة شاهد على الحضور الفكري والاجتماعي لمن يحمل هذا الرأي، ويسلك على منواله، ويحاجج ويخاصم عليه، ويكفر مخالفيه بسببه. 

وفي الاتجاه المعاكس فريقٌ المرأةُ عنده صورة للاستهلاك البصري، والترويج التجاري، والتوظيف الإعلامي، فريق اختزل التحرر في إطلاق العِنان وإسْلاَسِ القِياد لجسد المرأة تفعل به ما تشاء، وتَعرضه كيف تشاء. أرادوا لها أن تكون بضاعة في سوق الإمتاع والاستمتاع، وتصريف الرغبات، والتمرد على القيم الأخلاقية، ومخاصمة السنن الإلهية؛ أن تكون بلا مقصد يسمو بهمتها إلى طلب الكمال ومزاحمة الرجال في ساحات العمل المنتج، والبناء المثمر صعودا في مراقي التميز العقلي والروحي.

وتبقى الرؤية التحريرية التي أبرز معالمها وبيَّن أصولها عبد الحليم أبو شقة رؤية تتسم بالوسطية، وتتحلى بنوع من المعقولية، وتتميز بروح واقعية لا تصادم شرعة الله تعالى، ولا تناقض منهاج رسول الله r، ولا تطلق العنان للغرائز والأهواء.  

[1]  فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة لأبي حامد الغزالي: 22. دار البيروتي: دمشق، ط1، 1413هـ/1993م.

[2]  تقديم كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة لعبد الحليم محمد أبو شقة، بقلم يوسف القرضاوي: المجلد الأول 1/18. دار القلم: الكويت-القاهرة، ط7، 1430هـ/2009م.

[3]  المرجع نفسه: المجلد الأول 1/38.

[4]  المرجع نفسه: المجلد الأول 1/39.

[5]  المرجع نفسه: المجلد الأول 1/6.

[6]  المرجع نفسه: المجلد الأول 1/5.

[7]  راجع منهج الكتاب ضمن مقدمة المؤلف: المجلد الأول 1/40-45.

[8]  المرجع نفسه: المجلد الأول 1/1.

[9]  انظرها وغيرها مبسوطة في مقدمة الكتاب: المجلد الأول 1/45-48. 

[10]  لمزيد توسع وبسط وتفصيل يُرجع إلى الفصل التاسع من المجلد الثالث 5/291-311.

[11]  عن الْمِسْوَر بْنَ مَخْرَمَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي، وإِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا، وَإِنَّهَا وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا. قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ. انظر: -صحيح البخاري 3/1364. تحقيق مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة: بيروت، ط3، 1407هـ/1987م -صحيح مسلم 4/1903. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي: بيروت

[12]  لمزيد توسع وبسط وتفصيل يُرجع إلى الفصل الثامن من المجلد الثالث 5/255-288

[13]  أورد أبو شقة هذا النص بتصرف المجلد الثالث 5/255. انظر الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي: المجلد الأول 1/175. شرح وتخريج عبد الله دراز، دار الكتب العلمية: بيروت. 

[14]  بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لأبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي 4/247. تحقيق علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية: بيروت، ط2، 1424هـ/2003م.  

[15]  لمعرفة الخطوات العملية التي اقترحها عبد الحليم أبو شقة لتنظيم الطلاق يرجع في ذلك إلى الفصل الثامن ضمن المجلد الثالث 5/279-280.    

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق