المقالات

كورونا و الدرس الوجودي(عبد الحق دادي)

لن نكون هنا لنقول هذا القول عندما تعترينا و تجتاحُنا هذه الجائحة، ولنا بعد ذلك أن ننظر إلى الأمر كأنه شريط  مُسَلٍّ له بداية ونهاية، غير أن الأمر أكبر من هذه الفسحة الزمنية المتاحة لنا في عالم الناس، كيف لنا أن نغوص في ذواتنا ونستخلص منها نقطة البدْء. لن نستمر في سردِ تسلسل العِلَلِ و الأسباب و نعمّق الاختلاف حول من يدعي العلمية و يتحرر مما يدعي أنه خرافة الدّين ولطالما كررها أشخاص في أزمنة الأوبئة و الجوائح، وبين من يرى أن الأمر  وإن  حُدِّدَتْ أُطُرُهُ العلمية وتمَّ استقصاءُ عِللهِ و أسبابه لايمكن بأي حال قطعُه وفصله عن غائية أبعد من ذلك.

إننا سنجني على الفكر العلمي أكبر جناية إذا ما نحن تجاهلنا تلك الغائية الداخلية و تلك الغائية الفكرية التي تبعث الروح في المنظومة العلمية وتعطيها قُوتها ووضوحها، وتمنحها قوة الربط فيما بين الوظائف الفكرية، فالعلماء لايقمون أيّ اعتبار لكل إعدادٍ أخلاقي ويقرون بأنهم يقبلون ويستوعبون كل الدروس التي تمليها عليهم التجربة أو المبادىء التي تمليها عليهم البداهة العقلية، ومن ثم فموضوعات الأخلاق و الدين و السلوك لا تسلك في مسامعهم إلا عندما ينتهون ويقفون على حافة نظرهم العقلي و التجريبي.

إن التأمل في نماذج الفكر المنسق بين النظر العلمي و النظر الديني يعصف بكل المشكلات التي ينتجها النظرُ المتناقض لِكِلاَ الطرفين حيث يستنفدان ويهلكان قُوَتيهما أمام عقبتين إبيستيمولوجيتين؛ وهما الشمولية الدنية، و الانتقائية العلمية، دون إدراك أن القيم الدينية و النظر العلمي قد يتبادلان مراكزَهما دون الإخلال بموضوعات الفكر الذاتية وغائيتة المنفردة، ومن ثمّ فنحن بحاجة إلى فكر يستطيع أن ينسق بين موضوعات الفكر العلمي  بموضوعاته( التجريبية و العقلية) و الفكر الديني بموضوعاته الغائية، و يطرح ويكشف الشروط الأساسية للنظر المستقيم الذي يطلق العنان للمهمة في ميدان الراحة

الكلية، ذلك أن عوالم الوجود مُدمَجةٌ في بعضها، فعوالم المعرفة العقلية و العلمية جزءٌ من بنية التأطير وهي بعْضٌ لاحقٌ ومُدْمجٌ في كلية هذا الفضاء اللاّمتناهي من عوالِم الوجود، على أن بعضه كُلٌّ بعين الجمع، وكُلُّه بَعض بعين التفرقة، وذلك ماغاب عن النظر العقلي، وتاه في منظورات المعرفة الجزئية المنغلقة المزهوة بانغلاقها؛ حيث جعلت كلُّ المعارف عالمَها على أنه كلٌّ مهيمين على أجزاء المعارف الأخرى.

يستعصي علينا النظرُ في المرآة إذا كانت باتجاه الشمس، ذلك أن هذا الانعكاس يبعث دَفقْا من النور الهائل الذي يُجبِرُ أعيننا على الإغماض، وتلك حقيقة مَرْئية يشهد عليها الجاهل و العالم، ولا نحتاج فيها إلى دليل علمي، و للعلماء الحق في الحديث عن الأسباب و العلل ومحددات الضوء و أشكاله و التشكيل الخارجي و الداخلي للعين. كل ذلك لايغير الحقيقة..

تلك إذن هي قصة الأشياء و الحقائق التي تدفعنا إلى هاوية التيه، وتفضح حقيقة وجودنا الذي كان يختفي وراء نظّارات الزهو و الغرور.

لقد أدركنا حقيقة خارج الوباء وهي صادرة عنه. لقد أدركنا مسارات فهمنا للعالم و الوجود، فنحن لسْنا وحدنا، كما أننا لسنا الأقوى، وذواتنا لا نملك علّة وجودها وأسبابَ بقائها وحفظِها. كم نحن صغار بالمعنى الوجودي .. وهذه هي نقطة البدء.

ولنا بعد ذلك أن نعترف أننا تزيّلنا عن حقيقة الوجود، فاكتشفنا أن هذا الزِّيال هو سبب مِحنَتِنَا وشقائنا.

فكن أنت أنت وانزع نظارة غرورك، ووجّه المرآة نحو الخلق لتضيء الطريق، فالتحدي يقتضي الموازنة والموازنةُ تقتضي الْخلُو، و الخلُو يقتضي الانفراد، وأنت لَسْتَ وحْدَك.

التقوى زعزعة لقيم الأنانية وموضوعات الطغيان، إنه أمان يتجلى بأبهى صوره الكونية وينبع من صورة الوحدة الخالصة المرتبطة بجوهر الوجود، فهي أمان من المغايرة والتناقض، وهي تحتمل الاختلاف حيث الحركة ذائبة في الوَصل والفصل. التقوى جوهره الحزم و عينه اليقظة وحرَكتُه الاجتهاد، ذلك أن النفس إذا سلكت هذه الدروب تتعافى من الاختلاف الحاصل، ويصفو جوهرها المرتبط بجوهر وجودها. انظر إلى هذا الإجمال الشامل: ((ما خلْقُكم ولا بعثُكم إلا كنفسٍ واحدة)) في معارف الوجود الكلي المطلق الحافل بالخلوص الأبدي في جوهره الأزلي السرمدي؛ فلا بيْنَ بَيْن ولا مفارقة، و بيانه في قِصاصه؛ قال الله العظيم: ((وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذْن بالأذن والسن بالسن والجروح قِصاص)). إنها لحظة صفاء عندما يَرِفُّ علينا الوجود بسرّه ويُطلعنا على حقيقة لا تتجلى إلا بهذا المخاض المؤلم؛ حيث تسرب ألطاف الوجود ببرد لطيف لا يد لأحد في تدبيره، كان قَبْلَ القَبْلِ لكننا لم ندركْه إلا بعد الْبَعد. درسٌ عنوانُه هو بيانُه..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق