المقالات

كورونا للمرة الخامسة علاج فواريس الحصانة الروحية(أبو يعرب المرزوقي)

ما تعاني منه الأمة من استباحة الأرض والعرض قد تشغلها عن العلة العميقة التي جعلت ذلك يصبح ممكنا في أمة فقدت شروط العزة والكرامة بعد أن فسدت في نخبها معاني الإنسانية كما عرفها ابن خلدون. فقدت الأمة القدرة على حماية المناعة العضوية والحصانة الروحية. وقد أنهيت الكلام على التعليل بالفيروس الباطني وأمر الآن إلى الفيروسي الماركسي.

فلنبدأ الآن الكلام في فيروس الماركسية واليعقوبية اللتين أصابتا فكرنا الحديث بعد الباطنية التي أصابت فكرنا القديم. والان اجتمعت الإصابتان اللتان بدأت أولاهما بالفتنة الكبرى ونشأت الثانية بما سميته الفتنة الصغرى. وكلتاهما تتعلقان بموقف من الدين حربا عليه بتحريفه تحريفا يحوله إلى دين العجل بمعدنه وخواره. لا اعتقد أني بحاجة لشرح “دين العجل”. فكل مسلم قرأ ما فعل قوم موسى بعد تركه له وذهابه إلى حيث آنس نارا. فقد صنعوا عجلا من الذهب الذي احتالوا على المصريين واخذوه فصار ذا خوار وعبدوه تقليدا لرمز الدين المصري الذي هو العجل. وإذن فالامر يتعلق بعبادة رمز المال (الذهب) ورمز الإيديولوجيا (الخوار).

بينت في محاولات سابقة أن دين العجل بهذا المعنى هو البنية العميقة المشتركة بين الثيوقراطيا (الحكم باسم الله) والانثروبوقرطيا (الحكم باسم الإنسان). وهما أصل الفتنتين الكبرى والصغرى. فالباطنية ثيوقراطيا في الظاهر والماركسية انثروبوقراطيا في الظاهر. وكلتاهما أبيسيوقراطيا في الباطن.

وما قد يغيب عن الاذهان هو أن الحكم باسم الإنسان مشترك بين الشيوعية والرأسمالية. ولذلك فمن حيث البنية العميقة لا فرق بينهما. كلتاهما أبيسيوقراطيا. والفرق بينهما لا يتعلق بطبيعتهما بل بإسلوبهما. فما تحققه الرأسمالية بما يمكن أن أسميه بالاستبداد اللطيف على الأرواح تحققه الشيوعية بما يمكن أن أسميه بالاستبداد العنيف على الابدان.

وقد يكون ما نتصوره شرا دليل خير من الغيب لا نفهمه. فجائحة كورونا قد تكون مناسبة ليعلم الجميع حقيقة النساء 1 (كلنا أخوة من نفس واحدة) وحقيقة الحجرات 13 (كلنا متساوون خلقنا للتعارف معرفة ومعروفا وليس للتناكر) ولا تفاضل بين البشر إلا عند الله بالتقوى يعني باحترام القيم الكونية المنظمة للتعمير والاستخلاف مهمتي الإنسان كما يعرفه القرآن.

وهذا الفرق بين الرأسمالية والشيوعية يتعلق باستراتيجية الاستبداد وليس بالاستبداد ذاته. فإذا فشل الاستبداد اللطيف يلجأ الرأسمالي إلى الاستبداد العنيف مثل الشيوعي. ومعنى ذلك أن الاستبداد الرأسمالي أخطر لأنه يستعمل استراتيجية أكثر خبثا فهو يجعل ضحاياه تحقق إرادته بعد أن يسيطر على أرواحهم.

فإذا لم ينجح في السيطرة على أرواحهم فإنه يكون أشد عنفا من الاستبداد الشيوعي. وذلك هو الفرق بين الاستراتيجية الاسرائيلية والامريكية من جهة والاستراتيجية الروسية والصينية من جهة ثانية في العالم الحالي. وإيران تجمع بين الأسلوبين كما يتبين من دستورها الذي يجمع وبالتزامن بين الثيوقراطيا (الولي الفقيه) والأنثروبوقرطيا (الحكومة).

فنفهم لماذا لا يمكن لإسرائيل وأمريكا وإيران وروسيا والهند والصين ومعهم أوروبا وكل عملاء العرب الذين هم أدواتهم الا اعتبار الحرب على الإسلام حربا مقدسة لأن رؤيته هي الوحيدة التي تعتبر “ربا الأموال” و”ربا الاقوال” أي بعدي العجل الذهبي في قصة موسى وهما الفيروس أو التحريف الحائل دون حرية الإنسان وكرامته.

ولأشرح الآن تكوينية فيروس الفتنة الصغرى التي بينت أنها مشتركة بين الرأسمالة والشيوعية. فهما وجهان لنفس العملة. والماركسية تعترف بذلك صراحة لأنها تعتبر بدايتها مشروطة بوصول الرأسمالية إلى غايتها أي إن النظرية الماركسية تقول إن الانتقال إلى الشيوعية لا يكون إلا بعد أن يصل النظام البرجوازي إلى غايته فتتحقق الاشتراكية بتجاوزه.

وإذن فنشأة الرأسمالية متقدمة على نشأة الاشتراكية ومعدة لها. ورغم أن التاريخ كذب انتظار الغاية في الأولى لنشأة الثانية أو كذب توقع نشاتها في البلاد الراسمالية لأنها لم تجرب إلا في بلاد لم تصبح رأسمالية – روسيا ثم الصين وتوابعهما وكلها زراعية وشبه اقطاعية وليست صناعية ولا برجوازية – إلا أن علاقة الرأسمالية والشيوعية ثابتة على الأقل في تفاعلهما في الاتجاهين بمعنيين.

فكلتاهما أدخلت على سياستها تعديلات حتى تستطيع الصمود أمام الثانية. ذلك أن الراسمالية فهمت أنها لا تستطيع مقاومة الاشتراكية من دون سحب بساط الاجتماعيات منها وخاصة بعد أزمة 1929. والاشتراكية لا تستطيع مقاومة الرأسمالية من دون سحب بساط الحريات ولو شكليا. فحصل نظام رأسمالي اجتماعي (يسار اليمين) ونظام اشتراكي ديموقراطي (يمين اليسار).

وأصبحا بذلك مشتركين في بعدي العجل أي في ربا الأموال وهو الذي كان غالبا على الرأسمالية فصار معمولا به في الشيوعية والمثال البين في الصين الحالية وربا الأقوال وهو الذي كان غالبا على الاشتراكية فصار معمولا به في الرأسمالية بحيث جمع كلا النظامين بين البعدين أي نوعي الربا – ربا العملة وربا الكلمة – وهما الفيروسان الأساسيان في السيطرة على الأبدان والارواح.

وهكذا أراني غنيا عن الكلام على نشألة الرأسمالية كما يفسرها ماكس فيبر. فلها علاقة بالإصلاح الديني في أوروبا أي بعودة المسيحية إلى أصلها التوراتي ودور البنوك فيه -حاجة شارل الخامس للاستدانة من بنوك اليهود لما كان ولي العهد ومشجع لوثر في في معركته مع البابا-وذلك هو جوهر دين العجل أي تحريف دين موسى عليه السلام. فالسيطرة على العالم ببعدي العجل بربا الاموال والبنك وبربا الأقوال والأيديولوجيا هو حقيقة دين العجل وهو منطق العولمة الحالية.

وينبغي في هذه الحالة أن يكون ما حصل في الإصلاح البروتستنتي قد صاحبه رد فعل في الكاثوليكية بعد فشلها في القضاء على الإصلاح بعنف الدولة -وخاصة الفرنسية- أن يصل الأمر إلى الغلو في الإصلاح الكاثوليكي الذي مر بمرحلتين هما الجانسينية ثم الثورة الفرنسية التي ابتدعت العلمانية المطلقة (اليعقوبية).

وبخلاف الأوهام فاليعقوبية ليست شيئا آخر غير كاثوليكية معلمنة بأن أخذت الدولة كل وظائف الكنيسة وجعلتها وظائفها أي التربية والصحة والعناية بالمعوزين وهو معنى علمنة وظائف الكنيسة وصارت الدولة هي التي تحدد معتقدات الناس وجعلت المدرسة وظيفتها علمنة الثقافة فكنست الدولة ووثنت الفلسفة. والكلام على الفصل بين السلطتين الروحية والزمانية كذبة لأن الدولة صارت صاحبة السلطتين.

وقد كان للثورة الفرنسية دورا رئيسيا في فكر هيجل وفي فكر ماركس ولكن في اتجاهين متقابلين. فهيجل عالج الأمر بتمسيح الفلسفة وهو لا يخفي ذلك كما هو بين من دروسه في فلسفة الدين. وماركس عالج الأمر بتهويد الفلسفة. الأول روحن التاريخ والثاني مدده. فرد هيجل على وحدة الوجود الطبعانية عند سبينوزا كان بتذويت الجوهر. ورد ماركس على رد هيجل كان بتمديده.

والروحنة والتمديد هما تعريف ديكارت للوجود بالمقابلة بين الفكر والامتداد اللذين يعتبران عند سبينوزا صفتين محمولتين على الجوهر ذي الصفات اللامتناهية. فيكون ما حصل في رد التاريخ الإنساني الحضاري إلى نظير للتاريخ الطبيعي عند هيجل وإلى التاريخ الطبيعي عند ماركس وجهين لنفس التوفيق بين الديني والفلسفي.

وكل من له دراية بهذه التكوينية يفهم الفرق الجوهري بين العلمانية الألمانية والعلمانية الفرنسية لأن الأولى نتجت عن الإصلاح الذي وفق بين المسيحية واليهودية أي بين الأناجيل والتوراة في حين أن الثانية اقتصرت على الرد المتطرف على التطرف الكاثوليكي فأخذتها كما هي واكتفت بعلمنة غلوها الديني.

فالمرحلة الجنسينية في الكاثوليكية كانت بنحو ما تصويف للكاثوليكية. وصدرت عن الفكر المسحيي في كاثوليكية اسبانيا التي كانت في ذلك الحين من قوى أوروبا الكبرى ذات التأثير الديني العميق -ومنها خرجت هذه الفرقة وفرقة أخرى مناظرة للاعتزال- حتى إن ديكارت وباسكال كانا من طائفة الجنسينية وأقرب إلى الأشعرية. وهي نزعة شديدة الروحنة وشبه متصوفة إذ إن ديكارت كان متدينا وكان ينتظر تلقى الوحي.

وما كنت لأورد هذه المعلومات لو لم يكن القصد تحرير رؤية المسلمين للغرب التي يقدمها لهم اميو الحداثة العربية ممن يتصورون الحداثة هي الصورة المبتورة التي يرجعونها إليها بتوهمها مثل الماركسية واليعقوبية علمانية وملحدة. لكنها في الحقيقة علمنة معان دينية. فغالبية فلاسفة الغرب خريجو الكنيسة وكذلك علمائه وأدبائه.

والقصد من كلامي على هذه التكوينية هو أن ما حاول الإسلام إصلاحه من تحريف في اليهودية والمسيحية هو عين ما صار فيروسا سعت الكنيسة أولا لاستعماله في حربها الدينية على المسلمين وتخصيص بعض الرهبان في هذه المهمة للتبشير والحوار في الاندلس والمغرب عشية الإصلاح. ثم عظم مفعولها بما حصل للغرب من سيطرة على العالم بمكتشفات الحداثة العلمية والتقنية.

والاستشراق لم ينتظر العصور الحديثة لينشأ كما قد يتوهم الكثير بل هو بدأ منذ أن شرعوا في رد الفعل على تأثير الحضارة العربية الإسلامية وخاصة بعد فشل الحروب الصليبية ومحاولات التدارك التي سعت إليها الكنيسة والدولة في الغرب من أجل التصدي للفتح الإسلامي في البلقان وأوروبا شرقا وفي الأندلس وإيطاليا غربا.

واعترافا بموضوعية هيجل على الأقل في كلامه على تاريخ تلك الحقبة أنه اعتبر أوروبا الحديثة من صنع العهد الجرماني وخاصة واعتبر شارل الخامس الذي كان قيصر أوروبا مؤسسها الحقيقي لأنه جمع بين حكم ألمانيا وأسبانيا وكان الخصم الاساسي للخلافة العثمانية وخاصة في السيطرة على الأبيض المتوسط الذي حررته بأسطولها منه.

فالباب الرابع من فلسفة التاريخ خصصه للعصر الجرماني وضم إليه فصلا خصصه لما سماه “تنوير الشرق أو المحمدية” وتوقع فيه أن الإسلام خرج من التاريخ لأنه حسب رأيه غرق من جديد في عادات الشرق الكسول وشبه النائم ولم يبق له في أوروبا إلا جزء قليل (اي القسم الحالي التابع لتركيا) وتمنى على الغرب أخراجه منها.

طبعا لا أنتظر من هيجل الذي يقرأ التاريخ بوصفه حروب أرواح الشعوب أن يفهم طبيعة الثورة الإسلامية إذ هي عين من يعيبه على الإسلام أعني ثورته التي تنفي التمييز بين الاعراق وتساوي بين البشر وتؤجل الحسم بين الأديان شرطا في تعايشها رغم تعددها كأمر واقع مع إيمانه بوحدة الديني فيها أي الإسلام الذي حرفته.

وهكذا أصل إلى النتيجة التي أطلبها في هذا الفصل: الفيروس الذي تمثله الماركسية هو مجموع هذه العناصر التي لخصتها والتي تراوح بين صراع أرواح الشعوب عند هيجل وصراع الطبقات عند ماركس. والصراع الذي يتكلم عليه هيجل ثيوقراطي ليبرالي والصراع الذي يتكلم عليه ماركس انثروبوقراطي اشتراكي. وكلاهما استبدادي بالجوهر.

وهما يشتركان في البنية العميقة أي الأبيسيوقراطيا أو نظام دين العجل المحكوم بما فسر به ماكس فيبر نشأة الرأسمالية التي هي مقدمة الاشتراكية في الرؤية الماركسية. وهما اليوم أساس العولمة التي لا يحكمها إلا دين العجل أي ربا الاموال (العملة والذهب) وربا الاقوال أوالإيديولوجيا (الكلمة والخوار).

من يعرف الإسلام جيدا لا يمكن ألا يكون قد لاحظ أمرين بينين حتى للأميين: الأول هو ان القرآن يتضمن آية تعتبر أن الله قد أعلن الحرب على ربا الاموال. الثاني هو أن القرآن يتضمن آية تعتبر أن الله يمقت أشد المقت من يقول ما لايفعل. وذلك هو ربا الأقوال. والنوعان من الربا يفسد دور العملة ودور الكلمة.

فدور العملة هو أن تكون أداة تبادل. وفسادها يجعلها ذات سلطان على المتبادلين: وهذا هو الأصل الأول للاستبداد المادي. ودور الكلمة هو أن تكون أداة تواصل. وفسادها يجعلها ذات سلطان على المتواصلين: وذلك هو أصل الاستبداد الروحي. ومجموع الاستبدادين هو علة الفساد في الأرض وسفك الدماء.

وكل الحروب الجارية في العالم وخاصة على الأمة الأسلامية هذا موضوعها: حرب ربا الأموال وحرب ربا الاقوال. فالهدف من الحروب الجارية اليوم في دار الإسلام هو السيطرة على ثروتها والسيطرة على تراثها أي على شرط مناعتها المادية وعلى شرط حصانتها الروحية. وذلك هو فيروس الفتنة الصغرى حليف الفتنة الكبرى.

والمعلوم أن القادر على التشخيص هو القادر على العلاج حتى وإن كان تشخيصه لو استمع إليه لكان مغنيا عن العلاج بالوقاية. وهذا هو دور القرآن: كان للوقاية. لكن الإنسانية لم تتق لأنها لم تسمع له. وحان السماع للتشخيص القرآني لعل الانسانية تجد العلاج بعد أن فوتت فرصة الوقاية. ولنبدأ بأنفسنا.

فأغلب بلاد المسلمين عامة والعربية خاصة مرهونة بالديون للنظام البنكي الدولي. وجل الثروات الإسلامية والعربية مسيطر عليها. وكل أموالها السائلة في بنوك الغرب بعضها من سرقات الحكام وأزلامهم وبعضها من توظيفها في الشركات الأمريكية خاصة. وهي كلها تحت تصرف الأقوياء ويمكن تجميدها في أي لحظة .

ليس موضوعي الآن ربا الأموال. وقد سبق أن درست ذلك وبينت طريقة التخلص منه. لكني الآن مهتم بربا الاقوال أو فواريس الحصانة الروحية التي هي سلاح الغزو الفكري والحضاري الذي يجعل النخب العربية بفهم سطحي للحداثة يصبحون مخربين لشروط الحصانة الروحية: جل بلاد العرب أفلست بخرافة الاشتراكية.

فالعراق والجزئر وليبيا كان يمكن أن تكون أقطارا غنية لولا خرافة الاشتراكية التي أسست لدولة حاضنة بشعب عاطل عن العمل المنتج والفكر المبدع. ودول الخليج الأربعة التي لها ثروات بترولية أفلست لأنها أولا لا سلطان لها على ثرواتها وحتى على حكمها وتربيتها بخرافة الليبرالية الاستهلاكية.

فلا بلاد العرب التي اختارت تجريب الاشتراكية نجحت ولا التي اختارت تجريب الليبرالية نجحت. وذلك لأن الحصانة الروحية في الحالتين خربت بالفهم السطحي لشروط النجاح التي جعلوها شروط تخريب وأعني استحالة النجاح بشروط التفتيت الجغرافي والتاريخي علة استحالة التنميتين المادية والروحية: وذلك ما حققه مشروع سايكس بيكو الأول ويواصله الثاني الجاري حاليا.

وهو مخمس: 1-الدولة القطرية 2-الدولة الحاضنة 3-التعليم لمحو الأمية وليس للإنتاج والإبداع 4-مضاعفة العمالة من دون قدرة على استيعابها باستعمال النساء الامر الذي لم يلجأ الغرب إليه إلا لضرورة الحرب والاقتصاد 5-قتل الاقتصاد الأساسي الذي يسد الحاجات الأولية مثل الزراعة وكل البنية التقليدية لمصادر العيش بالتحديث الاستهلاكي المؤسس على الاستيراد الذي هو تصدير للعمل.

وهذا يعني أن فوضى الروح أو انعدام الفكر الاستراتيجي يجعل الشعوب العربية تتصور التحديث قابلا لأن يستورد بالمحاكاة ولا يقتضي استراتيجية خاصة تنطلق من شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية وشروط التنمية العلمية والتقنية الفعلية والتي تخضع لأمرين جوهرين: مقتضيات نظام العالم وإمكانات البلاد وأولها الحجم المناسب وتكوين الإنسان القادر على تحقيق هذه الشروط.

وسأختم بمثالين من تونس: الأول هو تجربة التعاضد. وقد كان أول خلاف وقع لي مع صاحب هذه السياسة-الاستاذ احمد بن صالح-لما كانت طالبا في سنة التخرج خلال لقاء حصل مع طلبة دار المعلمين العليا حول فساد هذه السياسة لأنها تتجاهل ثقافة الشعب وأهمية احترام الملكية الخاصة. وقد حصلت الفاجعة كما هو معلوم. والجزائر نكبت أكثر منا.

والمشكل الثاني هو اختيار السياحة مصدرا لحل مشكل العملة الصعبة وحل مشكل البطالة. فالسياحة لا تحل ايا من المشكلين بل هي طريقة لجعل الاقتصاد هشا وتوطيد التبعية لشركات السياحة التي يتحكم فيها مافيات معلومة مع يسر تعطيلها بمجرد إشاعة حول الأمراض أو حول الإرهاب أو حتى لغرض سياسي.

وعلة ذلك كله فقدان الحصانة الروحية. فالافكار التي جعلت الحداثة تؤخذ بالمقلوب أي من غاية ما وصلت إليه أعني بإهمال حصيلة ثمرات خمسة قرون من التنمية العلمية التقنية والاقتصادية والاجتماعية مع ما نهبوه من ثروات المستعمرات تستورد حصيلتها من دون هذه الارضية فلا تكون إلا قشورا لا تسمن ولا تغني. فتصبح حائلا دون شروط السيادة والكرامة.

وعندما تحارب ثقافة التضامن والتعاون وخاصة الصبر في حضارتنا الإسلامية وتغير ذلك بثقافة مختلفة تماما ومثالها النزعة النقابية على الطريقة التي كانت سائدة في نقابات فرنسا الشيوعية فإنك لا يمكن أن تؤسس لاقتصاد قوي يحافظ على مصلحة المؤسسات المنتجة ويحقق شروط الجودة والانتاجية اللتين من دونها لا نجاح في المنافسة وخاصة بالحجم الذي عليه تفتيت دار الإسلام.

وبهذا المعنى فلا يمكن بثقافة الحقوق دون الواجبات عند النقابات والعمال الذين يريدون معاملة لم يحصل عليها العامل الغربي -8 ساعات في اليوم مثلا- فلن تحقق ما حققه اقتصاد الغرب الذي لم يصل إلى ما هو عليه الآن إلا بشرطين نراها تتكرر في الشرق الاقصى. فكم العمل وكيفه وجودة المنتج والاخلاص للمؤسسة المنتجة كل ذلك ثقافة بعيدة النظر بدون أنانية العامل العربي وكسله: فمن الساعات الثمانية لا يعمل حتى ربعها.

وأخيرا فإن فيروس الحصانة الروحية ليس مطلق الدلالة بل هو إضافي للمزاج. فما هو فيروس ضار في ثقافة معينة يمكن أن يكون عامل تحفيز في ثقافة أخرى. ومعنى ذلك أن الكثير من فضائل الثقافة الغربية فيها يصبح في غيرها رذائل والعكس بالعكس.وتلك علة خطر فيروس الحصانة الروحية وعسر التصدي له وما لم نفهم أن التنمية العلمية والتقنية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ثقافة وهي لا تتكون إلا بمنطق الابداع وليس بالمحاكاة.

يحتاج الفصل الأخير حول كورونا الحصانة الروحية خاتمة تصلها كورونا حول المناعة العضوية في كيان الفرد والجماعة لأن كلا منهما تفعل في الثانية إيجابا بقوتها وسلبا بضعفها. وينبغي أن تكون الخاتمة متعلقا بأدواتهما الأساسية التي حددها ابن خلدون في ما سماه الترف الذي يقضي على الحضارات.

فالترف قد يوحي بأنه مسألة خلقية فحسب لكنه في الحقيقة هو ثمرة فقدان المناعة العضوية للفرد والجماعة وله علاقة بنظام الغذاء ونظام الجنس والعلاقة بالمحيط الطبيعي والحضاري أي بالتلويث المادي والروحي وجودا وعدما. وتلك هي العوامل التي حذر منها ابن خلدون في فصل الترف من المقدمة. فلنعمق.

وقد ربط ابن خلدون ذلك بمستويي نظريته أعني بسد الحاجات المادية وبسد الحاجات الروحية وهما مستويا عمله أعني العمران البشري وهو الاقتصاد وأخلاقه والاجتماع الإنساني وهو الثقافة واخلاقها. والأول هو المؤثر الأساسي في المناعة العضوية والثاني هو المؤثر الأساسي في الحصانة الروحية: فكيف؟

وهنا لا بد من فهم معنى ربا الأموال وربا الافعال. فقد ظن الفقهاء أن الربا يتعلق بالعملة وحدها. وظنوا أن ربا الأقوال يتعلق بالكذب فحسب. لكن المفهومين في القرآن أوسع بكثير. ولو فهموا ذلك لعلموا أن المسلمين اليوم هم أكثر شعوب الدنيا عملا بنوعي الربا. ومثال ربا الأموال أوضح لفهم ذلك.

إنه يتعدى الربا بمعنى تجارة العملة بل هو يشمل كل أخلاق التعامل الاقتصادي أي ما يجعل التبادل غير عادل مثل التطفيف (ويل للمطففين) فهو ربح بغير وجه حق ومثل الغش ومثل الاحتكار ومثل الغلو في الأسعار وكلها تتعلق بأخلاق التبادل التي تشترط التعاون في تقاسم الأعمال والتعاوض العادل فيهما.

فينتج عن ذلك اختلال التوازن في توزيع الثروة التي هي حصيلة العمل الجمعي بمعنى أن المسيطرين بربا الأموال -وهي تجتمع في السيطرة على العملة- هم من يأتي بالأمراض كلها لأنهم يفسدون الأبدان (نصف الطبيب) ويفسدون البلدان (نصف الفقيه) كما يقول أبن تيمية: والعلة نصف القيمين على الشأن العام.

وهذا ليس مقصورا على السياسة الاقتصادية والاجتماعية في الداخل بل في العالم كله. ولهذه العلة فرعاية البشر فردا وجماعة والمحيطين الطبيعي والثقافي هما المقصود بالفساد الذي ينتج عن الاستبداد الذي يحول دون الشعوب والعيش بكرامة فتمنع الاستحواذ على الثروة بعنف الدولة أو بالتطفيف والغش.

فالعلاج قرآني بين ولعله جوهر الحسبة التي هي عين ما يشمله مفهوم ربا الأموال. وسنرى أنها تشمل ربا الأقوال. ولكنها لا تتعلق بالقيمين على الشأن العام بل على أمر هو عيب العيوب في ثقافتنا الحالية: فابن تيمية ذكر نصفين آخرين المتكلم والنحوي. والأول يفسد الأديان والثاني يفسد اللسان.

ومشكلنا أن هذين النصفين تضاعفا في حضارتنا العربية الحديثة: فالمتكلم والنحوي كلاهما تعدد. أكثر المتكلمين اليوم ليسوا رجال الدين بل ادعياء -تفلسف- وأكثر النحاة اليوم ليسوا ناطقين بالعربية بل راطنين بلغات أجنبية ولو مثل “البوتي ناجر” (يعني الطفل الاسود وهي عبارة فرنسية استعمارية للتحقير من الأفارقة). وهذا هو المحيط الثقافي الذي يفسد الأذهان والاعيان في كيان الإنسان.

وهكذا فقد ختمت البحث وانتقمت من “الكورونا” قبل أن تصل لي لا قدر الله. والاعمار بيده. لكني أحمد الله ما زلت معافى بدنيا لأني ربيت في مناخ نظيف طبيعيا وحضاريا لم أتجاوز ما ربيت عليه حتى لما عشت في أوروبا لم أغير عاداتي الغذائية والجنسية فالوالد رحمه الله زوجني قبل السماح بسفر إلى باريس وفيها أنجنبت نجلي نزار يعرب.

وما يقضي على الحضارات عضويا وروحيا يمكن حصره في فساد ما جهز به الإنسان ليعالج علاقته بالطبيعة وعلاقته بالتاريخ أعني شرطي الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها أو بعبارة ابن خلدون شرطي سد الحاجات المعضوية والحاجات الروحية وهما جهازا الحصانة الروحية الأسمى من المناعة العضوية.

والجهاز الاول هو جهاز العمل والشرع أي الجهاز الذي يجعل الإنسان أهلا للاستخلاف في الأرض أي ما به يكون الإنسان إنسانا كما عرفه ابن خلدون “رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له” (المقدمة اا.24): وهو شرط الحرية والكرامة بفضل التنظيم السياسي تربية دون وساطة وحكما دون وصاية.

والجهاز الثاني هو جهاز النظر والعقد اي الجهاز الذي يجعل الإنسان قادرا على تعمير الارض بالعلم وتطبيقاته التقنية التي تمكنه من سد حاجاته المادية فلا يكون عالة على غيره فيفقد سيادته ويصبح تابعا للمتحكم فيها كحال كل بلادنا العاجزة عن إنتاج الأغذية المادية والروحية والأسلحة والأدوية.

وتعطل الجهازين -جهاز العمل والشرع الذي يعالج العلاقة بالتاريخ وجهاز النظر والعقد الذي يعالج العلاقة بالطبيعة- هو الذي اعتبره ناتجا عن تحريف بعدي الجماعة التي تحكم نفسها وتنتج شروط حريتها وكرامتها بصورة جعلتها عالة على غيرها بحيث إن جائحة كورونة ينتظر المسلمون علاجها من الغرب.

وهذه الظاهرة يعللها ابن خلدون بما يسميه “فساد معاني الإنسانية” التي تجعل الأمة تصبح عالة بحيث إنها تفقد عنفوانها وقدرتها على الإبداع النظري والعقدي والعلمي والشرعي فتصبح أمة تعيش عالة على غيرها وذلك هو “مسرب” كل الاختراقات والفيروسات والخلط بين التحديث المستقل والتحديث التابع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق