المقالات

في فلسفة التسويات التاريخية(إدريس مقبول)_3_

التسويات التاريخية تسعى لموازنة أوتار المجتمع ليحصل التناغم بين فئاته، فلا يصلح أن تكون بعض أوتاره مرتخية وأخرى مشدودة، وبلغة الاقتصاد تسعى لتصحيح التوزيع غير المتكافئ للثروات، التوازن المفقود بسبب شراهة الأقلية، ذلك أن الامتيازات والثروات حين تتركز بين أيدي جماعة محدودة للغاية تؤدي إلى تعميق الهوة الفاصلة  بين ما نسميه المصالح الخاصة والمصلحة العامة.

       في الواقع يؤدي وضع المسافة المتزايدة بين نخبة الأغنياء وجمهور الفقراء المتسع إذا لم يُتدارك بحكمة وسرعة إلى تحلل العلاقة بين فئات المجتمع وانفصال الأواصر بين طبقاته وسقوط معاني الولاء والوطنية، تصبح هذه المفاهيم شعارات جوفاء لا مرمى لها إلا التستر على عبودية الجماهير، مما يؤدي بالنهاية إلى تفكك الأمة بسبب حقد بعضها على بعض وتربص بعضها ببعض.

عبر التاريخ الطويل للبشر كانت نتيجة ضعف التربية والتعطش للمال هي انقسام المجتمع إلى فريقين: سارقين ومسروقين، ومن البلاهة اعتقاد العدالة في توزيع الأرزاق والخيرات بين من يَحكمون ويَملكون ومن يُحكمون ولا يَملكون..في مثل هذه الأوضاع لا يسيطر الأغنياء على الثروة فقط، بل يسيطرون على السلطة أيضا لأن السلطة حينها تحمي الثروة وتُضاعفها، وإذا لم يتم إعادة توزيع الخيرات بما يضمن التقليص من اللامساواة فإن أي حديث عن الإصلاح مجرد لغو، لأن الفقر سيبقى ويتجذر أكثر مع أي نموذج تنموي مضاد في جوهره للتنمية الحقيقية وللنمو..

التسويات التاريخية تروم بالدرجة الأولى علاج مسألة النفس الإنسانية وآلامها الناجمة عن جراح سوء التوزيع واللامساواة بين البشر، وقد كانت عملية إعادة توزيع الخيرات في المجتمع تستهدف إعادة معنى السعادة لحياة الناس، وهذه القيمة لا تجد لها موضعا في بيئات تعزز موقع الأغنياء وتزيد من ثرواتهم على حساب الجمهور الفقير، فلابد حينها من إجراءات يكون أساسها الحيلولة دون انتشار الريع وتركز الثروات بسرعة بين أيدي حفنة ضئيلة من المجتمع.

إن الريع هو مصدر آلام المجتمع كما يقول عالم الاجتماع الإيطالي أنطونيو نيغري في كتابه الشهير عن “التمرد”، وفي الوقت ذاته يُعتبر مصدر التخلف بما يغرسه في الحياة الاجتماعية من الكسل والأنانية وضروب الانتهازية، وبما يهدد به دعائم أي ميثاق مجتمعي ممكن.

في الأنظمة التي يبلغ الظلم والتجهيل غايتهما، تسود الانتهازية في كل تفاصيل الحياة، ويفقد الشعب كل قدراته البنائية إلا قدرته على التدمير الذاتي احتجاجا على سياسات التحقير والتهميش التي ترافق غلاء الأسعار وتفاحش الضرائب ولاعقلانية التدبير والتسيير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق