المقالات

في طبيعة السلط الوسيطة بين الفرد والأمة(أبو يعرب المرزوقي)

التمهيد :

هذا الفصل من أعسر الفصول واطولها لذلك قسمته إلى قسمين. وهو اعسر لأنه يبين معنى فشو السلطة في كل الكيان الجمعي وهي اذن ليست مقصورة على السياسة بالمعنى العامي, وهذا الفشو يفهمه من قرأ القرآن والسيرة النبوية ويفهمه من يفهم معنى ما بعد الحداثة التي ادركت هذه الحقيقة وظنتها من عناصر التاريخ الطبيعي بمعزل عن الخير والشرلكن الإسلام بخلاف فكرها يبين أن حقيقتهما الفعلية هي معنى كونهما من فطرة الإنسان ومن شروط قياميه العضوي والروحي ومن ثم ففهم ذلك يبين أن الإسلام -وذلك هو هدف هذه الدراسة- هو مستقبل الإنسانية ليس لانه جنيس ما بعد الحداثة بل لأنه فوق التاريخ زمانه ومكانه ويتضمن البداية والغاية من مصير الإنسانية والعالم شاهده وغيبه. الفصل الحادي عشر ومعه نشرع في فهم ثورة الإسلامتكلمنا على أصناف السلط في خلال تحديدنا لمقومات السياسي تحديدا جامعا مانعا. لكن ذلك تعلق بها من حيث هي معبرة عن مقومات تعينها في الدولة التي هي صورة العمران البشري والاجتماع الإنساني . وهذه السلط الجمعية المقومة للدولة تختلف عن السلط الجمعية المقومة للجماعة. فالسلط التي هذه وظيفتها تختلف طبيعتها التصويرية (تصوير ذو أثر رمزي يمكن أن تكون له تبعات مادية) عن السلط السياسية (تصوير فعلي يمكن أن تكون له تبعات معنوية) التي تتقوم بها الدولة مباشرة. تلك هي السلط الأهلية التي نريد فهمها وفهم دورها في السياسي الذي يبدو متعاليا عليها-لكونها مادة العمران ولكونه هو صورتها-رغم أن السياسي لا فاعلية له من دونها. لكن ما يحدد منطق الدينامية الجامعة بين الاجتماعي والسياسي هو علاقة التفاعل بينهما في الاتجاهين والأصل الجامع للمستويين وللتفاعلين يحدد منطق الدينامية. وهذه الدينامية هي الأساس العميق لعدم كفاية الدولة لانها بخلاف ذلك تصبح عملا فوقيا لا أثر له ولا فاعلية موجبين.ذلك أن الدولة أو صورة العمران بلغة ابن خلدون إذا استحوذت على المجتمع الأهلي فإنها تصبح سلطة مطلقة لأنها حينها لا تقتصر على وظائف الحماية الخمس بل تتعداها فتسيطر على وظائف الرعاية الخمس. وهي بذلك تكون سلطانا مطلقا أو استبدادا بمعنى أعمق من مجرد الاستبداد السياسي. فحينها تكون دولة وكنيسة أو بصورة أدق دولة من جنس تصورها الأفلاطوني وتحققها الشيوعي في الاتحاد السوفياتي سابقا والصين حاليا وجل الفاشيات في العالم وخاصة في البلاد العربية حيث إن المستبد يكون من جنس القذافي شعبويا أو من جنس العسكر في الأقطار الانقلابية أو من جنس دول الريع البترولي الذين يستعملون العبيد ويسكتون شعبهم بالمكرمات بين الحين والحين (الدولة والحزب الذي هو كنيسة علمانية ). حيث لا يكون للفرد بينه وبينها أي وسائط تحميه من تسلطها فضلا عن السياسي والروحي لأنه يصبح تابعا لها مطلق التبعية في كل شيء إذ حتى الحماية القبلية فإنها تنتهي في هذه الأنظمة لأن المستبد يحيط نفسه بشيوخها وبشيوخ الدين فيصبح مطلق السلطان في الداخل ومطلق التبعية في الخارج لأن له حاميا غالبا ما يكون من الغرب بتوسط إسرائيل أو من الشرق بتوسط إيران.ولما كانت الدولة من حيث كيانها المجرد تمثل الجماعة كلها لكنها من حيث تعين كيانها بمن يملأ خانات بنية كيانها المجرد في تعينه التاريخي متعينا في جماعة بعينها فإن هذه الجماعة التي لا تثمل إرادة الجماعة كلها بل تمثل إرادتها هي وتقدم مصلحتها الخاصة على المصلحة العامة سواء كانت طبقة أو طائفة أو حتى نخبة تتحدد بدورها الإداري لأجهزة الدولة فإن الجماعة الكلية تصبح تابعة لبعضها الحائز على سلطان مباشر على أجهزة الدولة فتصبح رعية في الحقيقة ويبقى هذا البعض هو الراعي المطلق بسبب سيطرته على نوعي الوظائف الحمائية والرعائية.ويوجد دائما تواطؤ بين القوة السياسية الحاكمة والقوة السياسية المعارضة في البلاد التي فيها شيئ من الديموقراطية الشكلية مع تقاسم المصالح العليا والمحافظة على بعض الأغراض التي يغالطون بها الناخبين حتى يتم التداول اعتمادا على فروق بسيطة هي ما يبقيه الفارق بين مصالح الجماعتين المتداولتين على الحكم وغالبا ما تكون شبه اعتراف متبادل بينهما على أنها الطعم الذي يوسع به كل صف قاعدته بحسب الظرفيات. وهذه الآلية على ما فيها من الخداع مفيدة لأنها هي التي تنقل الجماعات من التداول الطبيعي (بالاقتتال والغلبة الفعلية) إلى التداول الحضاري (بالتنافس والغلبة الرمزية). فالطبقة الحاكمة واحدة في الحقيقة (جماعة يوحد بينها المنافع المستمدة من السلطة السياسية والاقتصادية خاصة مع تواطؤ للمثلي السلطة الثقافية والفكرية) والتداول بين الحكم والمعاضرة هو التمييز المعهود بين الحكم بالفعل والحكم بالقوة أي الاستعداد للوصول إلى الحكم بآلية الانتخابات بحيث إن كل من يحكم لا يغفل عن كونه قد يصبح معارضا فيحافظ على شعرة معاوية مع المعارضة: والمثال هو الولايات المتحدة الأمريكية. لكن المبدأ عام في كل حكم حتى لو كان مستبدا لأن من هم من حول المستبد يسعون لافتكاك السلطان منه وذلك ملازم لبنية الحكم حيث إن التنافس يصبح بايولوجيا الأقوى يلغي الأضعف والاضعف يطاوله حتى يقضي عليه وهو نوع من التصايد بين البشر مثل التصايد بين الحيوانات. وينبغي أن نرد ذلك إلى ما بين الفعل ومقتضيات فاعليته. وهو الشر في أن المجتمعات لا تخلو من الاخلاق التي تجعل الأفعال تتواصل ويمكن فهم ذلك من خلال منطق التجارة والاقتصاد حتى بين المافيات: فأعمال الاقتصاد تتضمن اخلاقها التي تبدو منافية لها ولكنها في الحقيقة هي شرطها أعني الثقة والاتقان. فلو أخذنا تنافس التجار أو أصحاب الخدمات التقنية أو الطبية أو الإدارية لوجدنا أن ازدهار الاعمال رهن الثقة والاتقان لأن الحرفاء سرعان من يميزون بين التجار أو الأطباء او صاحب أي خدمة بهما فيصبح هو المقصود ويبور من سواه من المنافسين الممكنين. ولهذه العلة فحتى المافيات تحافظ على هذين الشرطين للحفاظ على فاعلية تجارتهم. ومن يقرأ سورة المطففين يعلم أن الاكتيال والكيل مشروكان بالنهي عن التطفيف نهيا دالا على الغفلة عن هذين الشرطين ممن يجهل أنهما شرطان في ازدهار تجارة البائع والمشتري.وإذن فنحن أمام دينامية معقدة أو مصفوفة من التفاعلات بين السلطة السياسية والسلطة الأهلية وبين الأخلاق الواعية والأخلاق اللاواعية بدورها في كل الأفعال الإنسانية لأن عدم العمل بها يؤدي حتما إلى الفشل فيكون العقاب في جوهر الفعل بما له من فاعلية ناجحة أو فاشلة ومن ثم فلا سلطان من دون هذين العاملين المشروطين في المعاملات بمقتضى طبعها الذي يجعلها خدمة تنفق بوجودهما وتبور بعدمهما ومن ثم فكر السلط تقبل الرد إلى نوعي السلط اللتين وصفنا ثم فعل كل مقوم من النوعين في بقية المقومات التي من نوعه ومن النوع المقابل والعكس بالعكس بصورة تنتج نسيجا دقيق الحبك والتشاجن ما يعسر معه تحديد مسارب السلطان ومجالاته الشببهة بالمجالات المغناطيسية المتشابكة والمتراكبة والمتقاطعة والمتنافية والمتناغمة. وقد مثل ابن خلدون ما لظاهرة العصبيات من توالجات وتفاعلات بضرب مثال الأمواج التي تحصل في الماء بأثر رمي الحصى فيه في أماكن متجاورة وما يحصل بينها من تراكب وتقاطع وتفاعل يعسر توقع مساره ومآله:1-المؤسسات السياسية (الفصل العاشر السابق).2-المؤسسات الأهلية (هذا الفصل الحادي عشر).3-فعل المؤسسات السياسية في المؤسسات الأهلية وأثرها فيها.4-فعل المؤسسات الأهلية في المؤسسات السياسية ودورها فيها.5-الدينامية الأصل لهذين المقومين المعقدين ولتفاعلهما في الاتجاهين وهي التي وصفت من علاقة الحكم الخلقي في الغاية لأنه هو المحدد لفاعلية الخدمات في التبادل والتواصل داخل نفس الجماعة أو بين الحماعات إذ إن كل خدمة فيهما هي موضوع التبادل والتواصل ولا يقبل عليها طالبوها إلا بشرط الثقة في عارضيها واتقان المطلوب وهو سر التنافس الذي يحقق التقدم في الأعمال أيا كانت بين السياسي وناخبيه وبين التاجر وحرفائه وبين المفكر وقرائه وبين الفنان والمعجبين به إلخ…ومن ثم فكل من لا يفهم التلازم بين الخلقي والفعلي لا يفهم أن الأمر ليس ناتجا عن حكم ذهني مجرد بل هو ملازم لطبيعة التبادل في المجال المادي والتواصل في المجال المعنوي من أفعال البشر. المؤسسات الأهلية وترتيبهاوهذه المؤسسات الأهلية الوسيطة هي : 1-المرحمة وهو أسم اصطلاحي نشتقه من صلة الرحم الأساسية بديلا من مصطلح الأسرة 2- والمدرسة وتشمل كل مؤسسات التربية والتكوين وهي خمس وليست ثلاث أي ما قبل الابتدائي فالابتدائي فالثانوي فالعالي فما بعد العالي أو التكوين المستمر. 3- والمعبد وهو محل المشاعر أيا كانت طبيعة الأديان منزلة أو طبيعية ولا يوجد منجتمع إنساني خال من المعابد حتى لو كانت من جنس المعابد التي تعد للاروجيات السكرية في بعض الأديان البدائية. 4- والمعمل كل محلات انتاج ما يسد حاجات البدن أو حاجات الروح من منتجات وخدمات هي التي تجعل الجميع في خدمة الجميع وهو السر في التبادل والتواصل بين البشر في نفس الجماعة وبين الجماعات وليس المتساوقين فحسب بل في كل تاريخ البشرية لأن الأحياء يواصلون الأموات في هذه الظاهرة وذلك إما بما يرثونه من ثروة أو من تراث. 5-والمجتمع الأهلي . وقبل أن نتكلم عليها الواحدة بعد الأخرى فلنعلل الترتيب الذي نقدمها بمقتضاه. فقد وضعنا المعمل في القلب وقدمنا عليه المرحمة والمدرسة وأخرنا عنه المعلم والمجتمع الأهلي. فما العلة؟حتى نفهم ذلك فينبغي أن ننتبه أن المرحمة نواة تفرضها الخصائص الانثروبولوجية الطبيعية للإنسان ببعدي هذه الخصائص أي شروط الحياة العضوية وشروط الحياة الروحية. فبخلاف كل الكائنات الحية التي نعلمها الإنسان هو الوحيد الذي يكون تجدد الأجيال فيه محتاجا إلى عناية تكاد تكون من دونها مستحيلة.صحيح أن جل الحيوانات يحتاج فيها الجنين إلى الحمل ويحتاج إلى من يغذيه بعد الولادة لمدة. لكن الإنسان أكثرها حاجة إليهما واطولها. فالطفل الإنساني لا يكون قادرا على تحصيل ما به تتعين طبيعته إلا بعد ضعف مدة الحمل أي ثمانية عشر شهرا ولا يمكنه تعلمها إلا بفضل هذه العناية التي توجب أن تؤدي المرحمة كل وظائف المجتمع الأهلي والدولة : فهي شرط وجوده عضويا وشرط تكوينه روحيا وشرط تغذيته ماديا وشرط تكوينه تعليميا وشرط تنشئته الاجتماعية أهليا .لذلك فالترتيب هو عين هذه الشروط : البداية هي الشرط الجامع في أدنى مستوى (المرحمة) والغاية هي الشرط الجامع في أعلى مستوى (المجتمع الأهلي) والوساطة بينهما تبدأ بالمرحمة التي تنتج المدرسة المكونة روحيا فيخرج منها المعبد بعد أن كان جزءا منها ثم يأتي المعمل الذي يجمع بين حصيلة المدرسة فنيا والمعبد خلقيا فيتواصل التكوين مهنيا شرطا في الجمع بين الوظفتين النظرية في المدرسة والعملية في المعبد وذلك هو شرط الشروط أي المعرفة المستندة إلى خبرة فعلية وضمير مهني هو أساس اخلاق التعاون المؤسس للتبادل في سد الحاجات المادية والتواصل في سد الحاجات الروحية لنصل أخيرا إلى الشرط الجامع الأعلى أي الجماعة الأهلية باعتبار الفرد منتسبا إلى جماعية يحصل على ارثها المادي وتراثها الروحي ليكون إنسانا قادرا على التعامل مع البشر الآخرين لهم نفس هذه الصفات بتجارب موازية شكلا ومختلفة مضمونا فيحصل الرحم الكوني غاية للقاء الحضارات التي تنتج عن هذا المسار التاريخي الإنساني الكلي. ولا ينفي ذلك وجود من يتنصلون من هذه الشروط. لكنهم مضطرون إلى التظاهر بها لأن عدمها يعني نهاية الفرد إذ لن يتعامل معه حتى الغافلين عن ضرورتها تصوريا لأنهم لا يغفلون عنها ممارسة: فمن ينوي بناء منزل لا يلجأ للبناء الغشاش والمريض لا يعرض صحته للخطر فيعود طبيبا دجالا أو محاميا غير كفء. ولهذه العلة فالتحيل محتاج للتظاهر بالقيم الخلقية لأنه من دونها لا يلتفت إليه أحد: الكذاب يدعي الصدق والدجال يدعي العلم والغشاش الأمانة إلخ…وهو ما يلغي كذبة الحداثة خالية من الأخلاق بل هي اكثر مراحل التاريخ الإنسان بيانا للحاجة إليها بسبب ما حصل فيها من كونية التبادل والتواصل المشروطين بمقوميها الأساسيين أي الثقة والاتقان في معروض العارضين عند الطالبين للبضائع والخدمات سواء كان مادية أو روحية. فمن اليسير اليوم معرفة من هو محل ثقة واتقان ولعل أفضل مثال هو موقف أي إنسان من بضاعة صينية وبضاعة أمريكية تحملان نفس الاسم: فحتى الأمي يعلم أن الأولى لا تشترك مع الثانية إلا في الاسم. ولذلك فهي ليست محل ثقة ولا محل اتقان مثلها بل هي تقليد لها مبني على الغش واستغفال المستهلك. المرحمة ومنظومة المراحم هي نسيجها الديموغرافي اخترنا هذا الاسم بديلا من اسم الأسرة لوجوب الإشارة إلى طبيعة الوظيفة ذات الصلة بالرحم والتي لا نجد لها أثرا في كلمة أسرة عدى دلالة الآسرة التي هي علاقة غير محددة الطبيعة لعدم اقتصارها على الرحم. ولنقدم أجوبة سريعة على أسئلة تمكن من تحديد مفهوم المرحمة: فحقيقة المرحمة على الأقل في الإسلام هي جعل العلاقة الجنسية تعاقدية وخلقية بخلاف الحيوان ودون وساطة ناقل للقاح يحقق التلاقح بخلاف النبات طبيعيا.ووظيفة المرحمة للزوجين تحرير الجنس من اللقاء الظرفي وهي للأبناء توفير شروط التنمية العضوية النفسية وهي للجماعة مؤسسة تجديد الأجيال عضويا وثقافيا.ولها بنية ظاهرة هي علاقة بين زوجين فعليين وأسرتين أصليتن أتى منهما الزوجان. ومن ثم فهي مؤسسة تعاون على تحقيق حقيقة التراحم ووظيفته. وهي في نفس الوقت مؤسسة توسيع للآسرة المجتمعية بين الأسر بالتزاوج الخارجي. ولها بنية باطنة هي سر كل ما يعترضها في مستوييها المضاعفين (في الزوج والزوجة ثم اسرتيهما) من مشاكل غالبا ما تعالج في هذين المستويين. وغالبا ما تكون المشاكل بين الأسرتين ذات صلة بالمصالح المادية لذلك فالتكافؤ الطبقي يؤدي الدور الرئيس في الزيجات. لكن المشاكل بين الزوجين علتها هي كون العلاقة بين الجنسين علاقة نادرا ما تكون مستقرة عاطفيا : إذ يعسر التوفيق في مسألة الجنس والعاطفة بين الزوجين الفعليين ورديفين لهما يمثلان دور الزوجين الخياليين وبين سلطانين في مسألة إدارة حياة أعضاء المرحمة: فكلا الزوحين لهما صورة مثالية من الزوج المقابل وغالبا ما ينغص ذلك حياتهما إذا لم يكن علة للتعامل مع الزوج الفعلي في الواقع وكأنه الزوج المثالي في الوهم.وأخيرا فسلطان بنيتها الظاهرة يكون في الغالب للرجل. لكن سلطان بنيتها الباطنة هو دائما للمرأة حتى في المجتمعات البدائية ولا علاقة لذلك بمستوى المجتمع الحضاري كأن يزعم البعض ان ذلك بسبب تلطف الحضريين من أبناء المدن والأسر البرجوازية. فالسلطان الباطن ليس مجرد سلطان عاطفي بل هو متعلق خاصة بسر الأسرار أعني طبيعة العلاقة الحميمة التي عبر عنها القرآن أفضل تعبير بخصوص ما يمكن أن يطرا في حالة الانفصال ذلك أن المرأة اقوى من الرجل جنسيا وهي صاحبة التحريك الجنسي مثل “الدمارور” في السيارة وهي المحددة لمعايير الفحولة والعالمة بالقوة والضعف عند الزوج إذ حتى لو كانت هي “الباردة” فهي تعلل ذلك بما فيه من عجز عن “تسخينها” حتى دون تصريح: « وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا” (النساء 21).ثم إن المرأة يمكن كذلك أن تفتك سلطان الرجل الظاهر (الحماية والرعاية بالقياس إلى الخارج : لهما علاقة بالقوة المادية). لكن الرجل لا يستطيع افتكاك سلطان المرأة (الحماية والرعاية بالقياس إلى الداخل ولهما علاقة بالقوة الرمزية وحتى بأهم سر لقوة المرأة : وهي أن الجنس لديها أيسر مما هو لدى الرجل : فهي تستطيع بداية العملية الجنسية من دون شرط يحول دونها ولو شكلا في حين أن الرجل لا بد له من شرط إذا لم يتوفر يمتنع عليه بدايتها). وكل ما يعترض المرحمة من عقبات وهزات مصدرها أحد هذين السلطانين. والمعلوم أن الاعتراف بهذه المسألة مما يعسر أن نجد له صدى كما لانجد صدى لما تقتضيه العلاقة الحميمة من سلوك يتجاوز شكليات العلاقات فتبدو كأنها فوق الآداب الرسمية للعلاقة الظاهرة بين الزوجين. وأعسر أمر على الزوجين هو الجمع بين ربي البيت وسلوك العشيقين خاصة إذا كان الوضع الاقتصادي للأسرة يغرقهما في الجري وراء الحاجات الأولية ما يقتل بصورة شبه مؤكدة كل معنى لهذا المستوى الضروري لإثارة المفعول الجنسي والإغراء المحرك للشروط العضوية للفعل الجنسي ذاته. وإذن فقد اخترنا اسم المرحمة بديلا من اسم الأسرة رغم أن هذا الاسم في معنى الآسرة التي هي علاقة لا تنبني على المصلحة النفعية بل على ما يتجاوزها إلى نحاول بيانه. والاسم يؤكد على صلة الرحم التي لها في القرآن الكريم لها دلالتان كلية وجزئية. والقرآن يقدم الكلية على الجزئية في الكلام عليهما في نفس الآية أي في الآية الأولى من النساء : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً”وما يعنينا هنا هو ظاهرة لطيفة جدا تتمثل في أن المجتمع الأهلي رغم أنه دون الدولة حجما فهو يتجاوزها كونية لكونه يتعلق بما له صلة بالرحم الكوني أو الإنساني عامة . وكل المؤسسات التي تنتسب إلى المجتمع الأهلي لها هذه الخاصية لأنها تستند إلى أصول أعمق من أصل الدولة التي هي بنية فوقية لأنها صورتها الثقافية الناتجة عن علاج تنظيم ما يطرأ على الاجتماع للتعاون من حاجة إلى الحماية والرعاية.فالدول مجرد أدوات لتحقيق شروط النجاح في التنافس السلمي والحربي بين الجماعات أكثر مما تمثل التعاون بينها لأن علة وجودها هي بالذات هذا التنافس بين البشر سواء كان ذلك في نفس الجماعة أو بين الجماعات المتجاورة. والتنافس مداره أسباب الرزق خاصة وما يستمد منها أو بها من سلطان على الآخرين. ولذلك فالإشارة القرآنية إلى صلة الرحم بمعنييها الكلي والجزئي هدفها الحد من التناكر بسبب هذا التنافس من خلال الدعوة إلى الحد من التنافس على اسباب الرزق وتعويضه بالتعاون والتضامن بين البشر داخل نفس الجماعة وبين الجماعات.ولهذا كان مدار سورة النساء بكاملها هو هذه العلاقة بين المجتمع من حيث هو سياسي والمجتمع من حيث هو أهلي في المؤسسات الوسيطة هذه وفي الدول داخلها بين المنتسبين إليها وخارجها بين الأجوار. ومن ثم فعلاجها الأساسي هو تنظيم المجتمع الأهلي والمجتمع السياسي في مستوى الجماعة الواحدة ودولتها أو بين الجماعات في المعمورة كلها ودولها. إنها تحديد لسياسة مؤسسات المجتمع الأهلي وسياسة الأمة وسياسة المعمورة في ضوء ما يتعالى على حصرها في مناخها الدنيوي بتوسيع الأفق لئلا تقتصر على مجرد الاستعمار في الأرض وتنسى الاستخلاف فيها أي الخضوع لشرعية متعالية مضاعفة هي شريعة الربوبية (القانون الطبيعي) وشريعة الألوهية (القانون الخلقي).وكلها تخضع لنفس هذه العلاقة بين النسيجين الأهلي والسياسي بخصوص التنافس على المرأة والجب والمعيشة والاقتصاد والمعرفة والاستعداد للمستقبل والسلطة وتنظيم الحياة الجماعية والدين أو الرؤا الوجودية وما يترتب عليها من قيم تنتظم بمقتضاها هذه المجالات (سورة يوسف)وتتكون المدرسة أعني كل مؤسسات الإنتاج الرمزي وشروطه. وبذلك يكون المجتمع الأهلي قد تكون بصورة تامة وكل واحدة من مؤسساته ليست إلا صفة من صفات المرحمة أو وظيفة من وظائفها انفصلت عنها لتكون مؤسسة مخصصة لتحقيق تلك الوظيفة.لذلك فالمرحمة باتت مهددة في وجودها لأن جل وظائفها استقلت عنها وخاصة منذ أن أصبحت المرأة تعمل غير العمل المتعلق بتربية الأطفال التي هي أسمى الوظائف على الإطلاق لأنها شرط تجدد الأجيال تجددا سويا. فكل هذه الوظائف انتلقت إلى مؤسسات مستقلة عنها لكأن المسار يسعى إلى جعل الجماعة كلها مرحمة كبرى فبالتدريج فالمعبد والمعمل والمدرسة والمجتمع الأهلي ككل. لم يكد يبقي للأسرة إلا الوظائف العضوية بين الزوجين وبينهما وبين الأطفال. وحتى هذه فهي مهددة. ولما كانت هذه المؤسسات كلها تعلمنت فقد فقدت حقيقة وظائفها لأنها لم تعد من صفات المرحمة بل من صفات الدولة التي هي مؤسسة مجردة لا وجود للإنساني والرحمة فيها بل هي آليات مجردة لا يعنيها إلى مدلول العلمنة أي الوظيفي الدنيوي الخالص. وذلك ما كان يسعى إليه أفلاطون في جمهوريته وما بنت عليه الماركسية نظرية المشاعية. لكن تسليغ المرأة واستخدامها بات ظاهرة عالمية ولم يعد الأمر رهن النظريات الماركسية أو الأفلاطونية بل هو من خصائص المجتمع الرأسمالي والصناعي.فيصبح الكتاب روضة والمعمل جهاز إنتاج مجرد والمدرسة تكوين عمال والمجتمع الأهلي مجتمع مدني وظيفته الصراع المصلحي والمطلبية التي توجه إلى الدولة أكثر من كونه مجتمعا أهليا هو الذي يعول نفسه ويعول الدولة كما كان ينبغي أن يكون عليه الأمر. وهذا المسار ليس مقصورا على كل جماعة في داخلها بل هو عم العالم. فالمعمورة كلها صارت شبه مرحمة واحدة دون رحمة وشبه معبد واحد دون عبادة وشبه معمل واحد دون عمل (الآلة تعوض الإنسان في جل الأعمال) وشبه مدرسة واحدة دون علم (وسائل جمع المعلومات أصبحت توحد المعارف المشتتة) وشبه مجتمع أهلي واحد (حيث لا أحد يتعارف مع أحد). وبذلك فقد فقد ما في هذه الواظائف من التعارف والتصافي بل هي كلها مبنية على التناكر لأنها والتوجس المتبادل لأنها اتخذت شكل السوق التي يكون فيها التنافس على أشده ومن ثم فهي ليس صفات المرحمة بل صفات المشأمة. لذلك فالمتوقع أن البشرية ستمر بالمسار المقابل تماما. ستعود للجماعات الأهلية فالمدارس التراثية المختلفة فالمعامل المستقلة المكتفية بذاتها فالمعابد المختلفة فالمرحمات بحق من خلال استعادة المرحمة لوظائفها وتحرير الحياة العاطفية من الاقتصار على الاستعمار في الإرض بالعودة إلى الاستخلاف فيها وتحرير المرأة خاصة من العبودية الحديثة التي تجعلها تفقد أهم ما يجعلها بحق ملاك الدنيا إلى مجرد أداة متعة فعلية أو وهمية لتكون حاملا لتسويق البضائع الأخرى وهو الأمر الوحيد الذي بقي لها مما يخصها باعتبارها تمثل أجمل ما في الطبيعة. ومجرد جعلها تتشبه بالرجل هو جوهر العبودية لأن مناها صار اعتبار التشبه بالرجل مثالها الأعلى. المدرسة ومنظومة المدارس هي نسيجها المعرفي اخترنا هذا الاسم لدلالته على الدراسة والانتقال من العمل المنتج المباشر إلى العمل المنتج غير المباشر بتوسط المعرفة النظرية وتطبيقاتها وذلك للقادرين على العمل أولا وللمبدعات النظرية التي تيسر العمل وتمكن من فهم العالم ثانيا. فالعلوم النظرية هي التي تجعل الممارسة العملية أقدر على تحقيق شروط استعمار الإنسان في الأرض وتعده من ثم تحقيقا لمنزلته العليا وعرفانا لربه يسعى لتجاوز الاستعمار في الأرض إلى ما يضفي عليه معناه أعني الاستخلاف فيها. والمعلوم أن للمدرسة كل الوظائف المتقدمة عليها لأنها بالإضافة إلى وظيفتها التي تمثلها بحق تنوب المؤسسات الأخرى بوصفها مؤسسة خدماتية.فأما وظيفتها التي تخصها فهي الإنتاج الرمزي أو المعارف بكل أصنافها. وهي مطلوبة لذاتها ومطلوبة لدورها في كل الصناعات المشروطة بالعلم وما يجمع بينها أو العلم بطبائع الأشياء عامة وشروطها الاجتماعية أو بطبائع العمران. لكن المدرسة لها وظائف تنوب فيها المؤسسات الوسيطة الأخرى كلها :فهي تنوب المرحمة في رعاية الأطفال في ما قبل المدرسة الابتدائية.ثم تنوب المبعد في التربية الروحية بما تعلمه للناشئة من مبادئها.وتنوب المعامل في التربية المهنية التي تتحول إلى تطبيقات للمعرفة.تنوب الجماعة في التربية الأهلية بأن تعلمهم التعاون والتواصل.وبذلك فالمدرسة يمكن اعتبارها شبه نسخة رمزية من الكيان الاجتماعي كله لأن لها خمس وظائف تنقسم على النحو التالي : فلها وظيفتان تنتسبان إلى علوم الإنسان ووظيفتان تنتسبان إلى علوم الطبيعة. ووظيفة توحد هذه الوظائف الأربع هي عين تكوين الإنسان الذي له القدرة على ما رمز إليه القرآن الكريم بتعليم آدم الأسماء كلها أي الترجمة الرمزية لكل مقومات وجوده الذاتي وبيئتيه الطبيعية والإنسانية: فأما الوظيفتان الإنسانيتان اي المنتسبتان إلى العلوم الإنسانية فهي التكوين الروحي والتاريخي لتنشئة الطفل تنشئة اجتماعية دنيوية بمرجعية جامعة بين أخلاق الاستعمار في الأرض وأخلاق الاستخلاف فيها وذلك بسنن حضارة بعينها مدخلا للحضارة الإنسانية ككل.وأما الوظيفتان المنتسبتان إلى العلوم الطبيعية فهي التكوين النظري (العلوم الطبيعة) والتقني (تطبيقات العلوم الطبيعية) لتنشئة الطفل تنشئة علمية واقتصادية تجعله قادرا على الابداع الممكن من تحقيق الاستقرار لأن الانتاج المادي والرمزي يطور ما تنجه الطبيعة وينميه حتى يصبح الإنسان قادرا على انتاج ما تقتضيه حياته التي تنتسب إلى الاستعمار في الأرض وحياته التي تنتسب إلى الاستخلاف فيها أعني حياته المادية وحياته الروحية.أما الوظيفة الموحدة لها جميعا فهي تكوين الإنسان أعني شرطي كونه إنسانا : القدرة على البيان والتواصل والقدرة على التعاون والتعاشر. لذلك فهذه الوظيفة الموحدة هي جوهر ما ينسب إلى الأديان عندما لا تحرف فتتحول إلى أدوات تضرم نار التنافس بدل تطليفه. لذلك فقد عرف القرآن المسلم في آل عمران بوظيفتين هما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعريفا إنشائيا أي طلب منه ذلك (آل عمران 104) حتى يكون منتسبا إلى خير أمة أخرجت للناس تعريفا خبريا (آل عمران 110).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق