المقالات

في بناء الذوق الجمالي عند المتعلمين (عادل ضباغ)

تكون المدرسة عجَلَة مُفلِتَة تدور في الفراغ إن لم تكن التربية أساسها المتين وغاية غاياتها. فأنىّ يكون لمدارسنا إعداد نشء قادر على مسايرة متطلبات الألفية الثالثة ولما تتخلص بعد من أغلال التقليد والارتهان بالتبعية العمياء؟ أم كيف يرجى لمدرستنا بلوغ مراقي التقدم العلمي وهي تتخبط في فوضى التخطيط البيداغوجي وعبثية الخطابات الموسمية الرسمية المتشدّقة بزعم إصلاح التعليم؟! 

أساس منظومتنا التربوية التعليمية الإنسان، نوجِّه بوصلة تخطيطنا تجاهه، تربية لنفسه وذائقته وتعليما لعقله وفكره. فنفيد من تراثنا التربوي بما يوافق مستجدات علوم التربية الحديثة، مسترشدين في ذلك بالغايات الكونية للتربية، غير منحازين لسلطة سياسية أو ضغوط حزبية أو فئوية ضيقة.

والتربية الجمالية مورد رئيس من موارد التربية، لإسهامها في بناء شخصية المنتجة المبدعة تفكيرا وسلوكا؛ بيد أن التربية الجمالية تغيب -أو تكاد- عن مدارسنا اليوم، بالنظر إلى السياسات التربوية المتوالية التي لم تولِ البعد التربوي الجمالي العناية اللازمة. وإن معرفة الجمال والتمتع به لأساس ضروري في تحقيق كمالات الإنسان، والمدرسة مسؤولة عن ذلك بمعية مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى. لا نقصد بمعرفة الجمال الجمال الفني وحسب؛ بل التحلي به وتذوقه في مدارج الحياة كلها، في الاستماع والنظر والحوار، وفي الملبس والمأكل والمعاملات… وغيرها. 

للتربية الجمالية أثرها الإيجابي البارز في تربية المتعلم؛ انطلاقا من البيئة الأسرية ثم محيطه الاجتماعي فالمدرسي. ذلك أن للبيئة المحيطة بالمتعلم بالغ الأثر في توجيه ذائقته الجمالية وإطلاق دافعية الإبداع فيه أو تثبيطها؛ إذ المتعلم ثمرة لصيرورة المنظومة التربوية والمجتمعية، يرتفع مستواه إن حسنت ويتدنّى إن كانت في تخبط وتيه. فيُقبِل المتعلم على التعلم إن وجد في المدرسة محضنا له يرعى بذرة شغفه، يسقيها بماء التشجيع والدعم، فتحا للآفاق الرحبة وتغاضيا عن تعثرات البدايات ورعوناتها. فنتدرج بالمتعلم هوناً، حتى تحصل له الرغبة في الاستزادة من العلم والأدب والجمال.

 ومما يعلَّم حب الأدب واستنباط معاني الجمال فيه؛ لأن “الجمال متعة طيبة ترفع همة الإنسان إلى مزيد الكمال، بحيث كلما حصلتَ منها نصيبا، ارتقيت درجة في إنسانيتك، وما أن تدرك هذه الدرجة، حتى تطلب متعة فوق المتعة الأولى، ترقى بها إلى درجة في إنسانيتك فوق الدرجة الأولى، وهكذا دواليك في جدلية دائمة بين الاستمتاع والاستكمال”.[1]

لا تتحصل ملكة الذوق للمتعلم بمعرفة قواعد اللغة وقوانينها؛ بل بالمِران فالمِراس في أدب العرب وفنونه. بامتلاك المتعلم لملكة الذوق يميز جيدَ النظم من رديئه؛ فإن عُرض عليه شعر جيد استحسنه وإن كان على غير أساليب العرب ونظمهم مجّه واستهجنه.

 قد لا يقدر الذائق على الاحتجاج بدليل لرأيه، فإن ذلك “هو ما يجده الذائق في نفسه من اللَّذَّة، والحالة التي تحصل في النفس إذا صادفت بحاسّة الذَّوق ما يميل إليه الطبع وَيَقَعُ منه بالموافقة”.[2] يربط هنا عبد القاهر الجرجاني الذوق بالطبع؛ فليس ثَم قاعدة للأذواق ثابتة.

وحتى تثبت مهارة تذوق الجمال عند المتعلمين لزم القيام بعمليتين رئيستين، أولاهما إقدار المتعلم على الاختيار وتربيته على التحرر من سلبية التقبّل السلبي للتعلّمات. وأخراهما إقداره على الانتباه لمكونات الجمال في كل جميل، وقوفا عند الخصائص الفنية للعمل الإبداعي.

الأساس الذي تقوم عليه عمليتا اختيار مواطن الجمال والانتباه لها، متعلق دائما بخبرات المتعلم السابقة، الخبرات الحياتية التي نال حظا منها داخل بيئة الأسرة، ثم الخبرات التي تضطلع المدرسة بترسيخها في كيانه الثر، حتى نخرج به إلى فضاءات تربوية تعليمية محفزة على الإبداع، نخرج به من الاستهلاك اليومي للصورة والصوت والحرف في مواقع التواصل الافتراضي إلى مكامن الخيال الغضّ.

لسنا حالمين سابحين في سماء المثالية، تائهين في أرض الوهم، إن كان حديثنا عن تربية جمالية لمتعلمينا، تفتح أمامهم أفق الحرية والإبداع. ونحن نعيش في لحظة تاريخية تؤكد التقارير إخفاق وطننا في مجالات عديدة على رأسها التعليم، بل ونكوصه المتزايد يوما بعد يوم… لكن واجبنا أن نبحث عن سبل النجاح وإصلاح ما حقه الإصلاح، لا الركون إلى تشخيص الواقع والاكتفاء بما تمخض عنه من نتائج.

يتطلب هذا المشروع أمدا زمنيا مهمّاً، قد يكون طول الأمد وإكراهات الواقع عقبات تعترض نجاحه، غير أننا نؤمن بأن العمل الجاد الدؤوب وإرادة التغيير، تجديدا للدماء في منظومتنا التربوية التعليمية قمين بإحداث التحول، تحوّل سيرفع من قيمة العلم والأدب بين ظهرانينا، حتى نرتقي بمتعلمينا إلى ذُرى المراتب، أخلاقا وتعلما وممارسة للجمال في شتى صوَر الحياة ودروبها

ولعل بداية طريق هذه الإصلاحات تكون بالنظر إلى المنظومة التربوية التعليمية في جملتها؛ وآكد هذه الإصلاحات ما يرتبط بالمناهج وراهنيتها وارتباطها بواقع المتعلم وتطلعاته، فمن الـ”ضرورة أن تخفف وزارات التربية والتعليم في بلادنا العربية الوطء عن كاهل الطلاب والتلاميذ وعن عقولهم، وأن تقدم لهم ما هو ضروري فقط، وما هو مهم في الحياة وفي حاضرهم ومستقبلهم من دون إثقال أو إرهاق أو عنت، أن يتم ذلك بطرائق جذابة وممتعة، بل مبهجة”.[3] 

ولعل بوادر إصلاح التعليم ببلادنا إنما تكون بإعادة النظر في المنظومة التربوية في شمولها، ابتداءً بالعنصر البشري أساتيذ ومتعلمين، ثم مراجعة للمنهاج بعين ناقدة فاحصة، غير مستعلية عن الإشكالات الحقيقية ولا منفصلة عن ضرورات واقعنا المعيش. وبعد ذلك -وبعد ذلك فقط- أمكننا الحديث عن تفاصيل الرزنامة القانونية ومشاريع البنية التحتية لمؤسساتنا التعليمية.


[1]. عبد الرحمن (2011)، ص. 143.

[2] . الجرجاني (1991)، ص:98.

[3] . عبد الحميد، (2009) ص. 470.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. إن موضوع إصلاح المنظومة التعليمية هو موضوع معقد وشائك، و في رأيي الشخصي_ الذي يميل إلى رأي الأستاذ_ أن الاهتمام بمواهب المتعلمين إلى جانب تلقين الدروس التي يجب أن لا تكون ثقيلة على كاهلهم؛ يساهم في إنتاج جيل متزن ذا رؤية واضحة للمجال الذي يناسبه و الذي سينتج فيه جيدا أكثر من غيره. وبإتقان كل واحد لعمله أيا كان _والذي يحبه _ سيزدهر المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق