المقالات

غزوة بدر والحقائق المغيبة في انتصار تنظيمات ودول الأمة الإسلامية.(المهدي اليونسي)_1_

من عظمة أحداث الإسلام العظام، أن معينها لا ينضب، وعظاتها لا تنتهي، ودروسها لا تبلى، مضت قرون على وقوعها، وسال مداد كثير في محاولة للإحاطة بها، ولا زلت تتعدد زوايا النظر في استنباط معانيها، وربط سياقات كل عصر وأحداثه بتلك السياقات والأحداث، في محاولة لتقفي الأثر، وتقويم المنهج، لأن الرابط لن يندثر، ولن يتوقف ما دام هناك صراع بين الحق وبين الباطل، كانت غزوة بدر الامتحان العملي لاختبار المشروع النبوي في  ميدان المواجهة تربويا وفكريا أولا واقتصاديا وعسكريا ثانيا، مع عدو استئصالي يملك مشروعا شيطانيا تتسيده الجاهلية الشهوانية، والسادية الاستغلالية للعباد والبلاد، هذا الامتحان المفروض على القيادة النبوية ضروري لاستجلاء وضاءة المشروع ونواقصه، لأجل الانتخاب الطبيعي له على أرض الممارسة والمماحكة،

       فالمشروع الآفاقي، لا يجب أن تكون فيه، رخاوة لا على مستوى المنهج ولا على مستوى البناء ولا على مستوى المصطلح حتى، لأنه مشروع مؤسس ضارب في زمان المستقبل، فإن سلم من القلع وهو فسيلة، فأكيد أنه سيسلم من عوادي الزمان والمكان وهو شجرة وارفة الظِلال، كثيرة العطاء، باسقة عن مشاريع قزمية، تهوي بعد أول تلة في الافتتان، أو تغير جلدها في ميدان المواجهة داخل زجاجة القصور البشري والدنيوي، أو تعلو أحيانا في ميدان التفاهة والتزيين الشيطاني، والانخداع العلمي والتكنولوجي، لتهوي غير لاوية على شيء، وهي التي طرحت أثناء نموها قلبَها النابضَ: الأخلاقَ والقيمَ، وجانبت الهدف الصواب الذي هو الإنسان ومصيره بعد الوجود.

        ومن أبرز ما جلته غزوة بدر في ميدان بناء نظرية التغيير للإنسان والواقع أفرادا و جماعات، تنظيمات و دولا ما يلي:

  1. الفاعل الله:

     وصل الرسو لَ ﷺ خبرُ مرور  قافلة لقريش من طريق قرب المدينة بقيادة أبي سفيان، وعلى عجل جمع جمعا من الصحابة للخروج من المدينة لاعتراضها، تعويضا على ما ضاع منهم في مكة، حيث هاجر  منها المهاجرون، وقد تركوا بها كل أموالهم، كان سبب خروج النبي ﷺ إذن  اقتصاديا بحثا، لكن عيون أبي سفيان ودهاءه، نجا بالقافلة لمّا نحا بها طريق البحر، وأرسل إلى قريش أن ارجعوا، فقد نجت القافلة، وانتفى السبب، بعد أن كان قد حرضهم للخروج، لكن إرادة الله كانت أعلى من تخطيط النبي ﷺ، ومن تخطيط قريش أيضا، ليقضي أمرا كان مفعولا، وتحكي لنا سورة الأنفال حتمية المواجهة، وعدا من الله لرسوله، بتمكينه من إحدى الطائفتين، قال تعالى:( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ)[1]، مالت قلوب الصحابة إلى مواجهة قافلة أبي سفيان لسهولة الاستيلاء عليها وقلة منعتها، لكن يأبى الله إلا أن تكون المواجهة مع الجيش النظامي لقريش، الأكثر عددا وعتادا، ليُريَ آياته للنبي ﷺ ولأصحابه، وليُري قريش صدق رسالة النبي ﷺ، يقول ابن كثير  رحمه الله، مفسرا  ( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته)[2]: ” أي : هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال، ليظفركم بهم ويظهركم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام، ويجعله غالبا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي دبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم، كما قال تعالى: ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم [3] والله يعلم وأنتم لا تعلمون)[4]، وعلق الزمخشري على قوله تعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ. الآية.)[5] بقوله: ” يعنى أنكم تريدون العاجلة وسفساف الأمور، وأن لا تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم وأموالكم، والله- عز وجل- يريد معالى الأمور، وما يرجع إلى عمارة الدين، ونصرة الحق، وعلو الكلمة والفوز في الدارين، وشتان ما بين المرادين ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوتهم بضعفكم، وغلب كثرتهم بقلتكم، وأعزكم وأذلهم، وحصل لكم ما لا تعارض أدناه العير وما فيها”[6]

      في ممارسة التصور الرباني على أرض الواقع، لا بد من فهم آليات التنزيل، ولا بد من سنة التدرج، رفقا بحامل المشروع وبمتلقيه على حد سواء، فالله تعالى يعين، ويبشر، ويعطي، على قدر الإخلاص والفهم والعمل، لكنه لا يحابي أحدا في دنيا الأسباب، في عز المواجهة مع كفار قريش في غزوة بدر، أخلص الجمع في الوجهة، واسترخصوا الأنفس، وارتفعوا عن الاعتداد بأنفسهم أو سلاحهم، ورفعوا الأكف تضرعا ونحيبا، فأدهشهم الله تعالى بالعطاء، جيش من الملائكة يقاتل، إلى جانب الجمع ويرونهم يبالون البلاء الحسن..

        إن هذه الأقدار والأحداث لم تكن تجري على سبيل المصادفة، بل هي الصناعة الربانية لهذا الجيل الفريد، الذي يحبه الله في عليائه، وتحبه ملائكته، وعباده الصالحون، أعده الله لحمل أمانة المشروع بعد النبي ﷺ.

فكيف للمشروع اليوم؟ وزحْفُ الهجوم على الإسلام في ذروته، ليس من أعدائه فقط، بل من المنتسبين إليه، بحسن نية وبغيرها، ومن المتمسحين به، والمتخفين وراء شعاراته، وقلوبهم ملأى بالحقد والكره له، يمحص الله الفكر والمفكر بتلاوين الفتنة وعقبات الطريق، حتى ينضج هذا المشروع من بين فرث الجهل والاستعجال والتشكيك، ومن بين دم العداوة والكره والدسائس والمكائد، كي يُكتب له الانتصار  والانتشار  والاستمرار.

  • صناعة الإنسان حامل المشروع:

      إن أي مدخل لا يبتدئ بالإنسان ولا يمر بالإنسان، ولا ينتهي بالإنسان فمآله إلى بوار، فالله تعالى اصطفى هذا الإنسان وجعله في أحسن تقويم، وسير الكون بما فيه وسخره له، لأجل الغاية الاستخلافية التي وٌكل بها وناءت عن حملها السموات والأرض والجبال، وعبر مراحل التربية والتنشئة، يجب أن يصنع على هدي أخلاقي، وإصلاح نفسي أولا ليكون سيره في الأرض على نحو المعين الذي تَشَرَّبَه، يقول تعالى: (واصطنعتك لنفسي)[7] و(لتصنع على عيني)[8]، الصناعة اصطفاء رباني، وصقل نفسي أولا، ورعاية تربوية، وتشذيب لغلبة الشهوة ثانيا، وسير بالصبر والمصابرة والاصطبار، في معمعان المواجهة مع مشاريع الخراب الشيطانية المزينة بلمعان الشهوات المغرية، ولذلك فالمشروع الناجع يتطلب الإنسان الوثاب، الذي يعرف ما له وما عليه، الموقف البطولي للصحابة في موقعة بدر، هو نتاج طبيعي للصناعة النبوية التي امتدت إلى بؤرة الحسم في الإنسان، إما نحو السعادة أو نحو الشقاوة، إن كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، نطقا وإيمانا كيمياء سحرية، تزيل سحر زهو العظمة، والقوة والتأليه البشري الضعيف، وترفع عن الإنسان أثقال الاثِقَال إلى الأرض، وتدفعه نحو علو الهمة وصفو الملائكة، وتتشكل لديه آليات جديدة في النظر والتحليل، وفي الأثر، يستبين بها خيوط الحق المفتولة بحبائل الشيطان وأهله، المتلونة بظلام الواقع الدامس، ” والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك” شعار النجابة والفهم على خريجي المدرسة النبوية، سعد بن معاذ رضي الله عنه وهو يجيب المعلم ﷺ الخاطب: ” أشيروا علي أيها الناس”، وهو يقصد الأنصار، لأن الحرب التي ستدور، ستكون رحاها في أرضهم، ووقودها أولادهم وأموالهم.

     هذه العصابة الصالحة هي التي لها فضل بقاء الإسلام دينا يُعبد إلى يوم القيامة بعد فضل الله عز وجل، لم يلجها التشكيك في المشروع، ولم تثرثر الكلام حول صاحب المشروع، ولم تحكمها في تصورها وتصرفها المصلحية المقيتة، ولا حظوظ النفس الأمارة. بل سارت في طريق المواجهة مسترخصة أعز ما تملك، لتنتصر بالكيف على كم هامل مخروم القاعدة والقاعد.

        إن هذا الإنسان الذي خرق طبقات الفضاء اليوم وحلق في الهواء، وغاص في أبحر الماء، لم يستطع السير على الأرض، لأنه عرف الذرة، لكنه لم يعرف نفسه، واكتشف الأسباب لكنه لم يعرف المسبب، وحرر النتائج، لكنه لم يعرف المبدع.

        إن سر حياة التنظيم هو أبناؤه المجندون له، يذبون عنه ذباب التشكيك، ووخزات الحساد، وتحامل الحقاد.

       روى الإمام البخاري في التاريخ الصغير، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم في المستدرك واللفظ له، عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأصحابه:  “تمنوا فقال بعضهم أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله وأتصدق، وقال رجل أتمنى لو أنها مملوءة زبرجدا وجوهرا فأنفقه في سبيل الله وأتصدق، ثم قال عمر تمنوا فقالوا ما ندري يا أمير المؤمنين فقال عمر:  أتمنى لو أنها مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان”[9].، إنه فهم آخر لمعنى صناعة الرجولة، من رجل تشرب الصنع وعاشه، ويعلم أن انتصار التنظيمات والدول لا تعوزه الإمكانات المادية والفكرية بقدر ما يحتاج إلى رجال مثل أبي عبيدة بن الجراح وغيره.


[1] – الأنفال 7

[2] – الأنفال 7

[3] – البقرة 216

[4] – تفسير ابن كثير

[5] – الانفال 7

[6] – تفسير الكشاف للزمخشري 2/ 193

[7] – طه 41

[8] – طه 39

[9] – المستدرك على الصحيحين 3/ 252

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق