المقالات

علم الغاية وإعادة بناء منظومة علوم الاستنباط الإسلامية(مبارك الموسوي)

بسم الله الرحمن الرحيم:

تقديم

تشكل عقدة العجز المستمر في التفكير العربي والإسلامي في اختراق الواقع المعيش، بما هو تجزئة شاملة واستبداد قروني ممتد زمنيا وجغرافيا على صورة أخطبوطية، وبما هو اختراق استعماري غربي شال لجسم الأمة، الدافع الأساس في الدراسات والأبحاث في العلوم الإسلامية، سواء التي ترعاها مؤسسات بحثية أو التي تنتجها مجهودات فردية، بحيث تروم هذه المجهودات، في مجملها، التخلص من هذه العقدة عبر بناء أرضية علمية رصينة تمكن من نهضة شاملة تحقق واقع الحرية والتحرر والتنمية الحقيقية الشاملة وتساهم في بناء واقع إنساني عادل وكريم.

وإذا كان واقع التجزئة والاستبداد والاختراق الاستعماري لم يسمح لهذه المجهودات بنمو طبيعي حيث يتم الاشتغال عليها في ظروف غاية في التعقيد والصعوبة والشتات؛ فإن رصد التحولات التاريخية التي تعيشها الأمة الإسلامية بمعيار علاقتها بالمعنى العلمي والفكري الاجتهادي الذي يغطي مساحات الدراسات والأبحاث الجماعية والفردية لهذه المجهودات يؤشر على أن هذه الأخيرة تثمر ولو على المدى البعيد؛ سواء من جهة إعادة بناء مناهج التفكير وأنظمته أو من جهة بناء حركة المجتمع ونظامها رغم كل هذا التعقيد الذي يكبل حركة الاجتهاد في بناء العلوم والفكر، مما يجعل الحركة التاريخية بطيئة وقابلة للاختراق السلبي الخارجي للنفس والثقافة والفكر والسياسة والاجتماع والمال والاقتصاد، بل معرضة للانتكاسة.

وإذا كانت مراحل تاريخ الأمم انعكاسا للمضمون العلمي والمعرفي والثقافي الراعي لماهية تفكيرها في قضاياها الفردية والجماعية، سواء كانت آلاما لحظية أو آمالا مستقبلية؛ فإن رصد واقع منظومة العلوم الإسلامية وعلاقتها باستنباط الحلول لمعالجة قضايا الأمة عبر تاريخها يدلل على أن التصدي للواقع والعمل على بناء المستقبل رهينان بالقدرة العلمية والمعرفية على اكتشاف أركان هذه المنظومة، وتحديد العلاقة الصحيحة بينها، والحفاظ عليها، والتحكم العلمي والعملي في بنائها المستمر، وتطويرها لتفعيل وتقصيد حركتها لإنجاز التحولات التاريخية في أفق الحرية الكاملة والتنمية الشاملة.

فماهي منظومة علوم الاستنباط القادرة اليوم على التصدي لواقع معقد وسريع التحول ومتعدد الأبعاد والقادرة، في نفس الوقت، على توفير نظام تفكير صلب ومنهجي يؤهل لاستشراف المستقبل وبناء أسسه المعرفية والمؤسسية المادية والمعنوية؟

ذلك ما يحاول هذا المقال تركيز عناصر الإجابة عنه من خلال المحاور التالية:

1.منظومة علوم الاستنباط: المعنى والمبنى.

2.المنهاج العلمي: التحرر والإبداع.

3.الحاجات العملية لحركة منظومة علوم الاستنباط.

1. .منظومة علوم الاستنباط: المعنى والمبنى والمنهاج العلمي.

أ- المعنى

بما أننا نتحدث عن علوم الاستنباط، أي الأدوات العلمية من حيث هي أصول وقواعدها، واجتهاد وقواعده، ومقاصد وقواعدها، وأهداف وتراتبيتها (الفقه والفتوى والقضاء)، وغاية وماهيتها، فلن تكون هذه المنظومة، التي تحتاج إلى ما سمي بعلوم الآلة، إلا المنظومة التي ارتبطت بمسار تطور “علم أصول الفقه”.

ولا يخفى على باحث أن هناك علاقة تأثير وتأثر بين واقع الأمة وواقع هذا التطور صعودا وهبوطا، دون أن نغفل أن المراحل التاريخية التي تعطل فيها الاجتهاد بتعطيل العقل المبدع هيمن فيها الركون إلى قوة السلطان والتقليد وتوسعت الهوة بين الحركة الطبيعية لهذه المنظومة وتطورها وبين الواقع المعيش والنظر إلى المستقبل، وهو ما فرض على ذلك العقل الاشتغال في حيز هامشي وضيق جدا، بل أحيانا في وضع الاضطهاد كما هو الشأن مع كثير من الأئمة على طول تاريخنا.

ويبرز في هذا الصدد أنموذج الإمامين ابن تيمة في المشرق والشاطبي في المغرب، كما أن هذه الهوة جعلت كثيرا من الباحثين يصفون بعض أركان هذه المنظومة بالتجريد كما الحال مع الباحث عبد المجيد النجار، وغيره، في تعقيبه على منهج علم الأصول، علما بأن رجال هذا المنهج غالبا ما كانوا غير منفصلين عن واقعهم السياسي والاجتماعي، ومنهم من شارك من مواقع الحكم والقضاء والفتيا والتعليم، ولذلك فهذا التجريد لن يعدو أن يكون مؤشرا على المعنى الإبداعي لدى العقل المشتغل ضمن منظومة الاستنباط وإن في شروط لا تسمح أن يأخذ هذا الابداع قيمته العملية زمن صاحبه، مما يجعله مجرد تراث يستفاد منه بعدُ دون فاعلية جدته، لأنه يُحرَّك في شرط تاريخي جديد مفصول عن المضمون العلمي والحاجة العملية زمن إبداعه نظرا للانفصال الحاصل بين حركة المنظومة وحركة السلطة التي لا تقبل إلا ما يزكي وجودها وفعلها، لذلك غالبا ما ينبهر مكتشف هذا التراث به وبصاحبه ويكرر عقدة التقليد بدرجة ما فيكون هو نفسه عالة على هذا التراث عوض أن يبني عليه ويحرك الإبداع العلمي بما يناسب الحاجة المرحلية إلى الحرية والتنمية.

فهذا التأخر في استثمار إبداع علمي هام هو ما يجعل الحركة التاريخية للأمة بطيئة وقد تكون في وضع متخلف تاريخيا.

فالبحث في العلاقة الصحيحة والفعالة بين منظومة علوم الاستنباط توجه إلى إحداث تكامل معرفي جامع بين تراث هائل من القواعد العلمية واستثماره لإنتاج نظريات علمية متكاملة لها القدرة العلمية والعملية على نقد الواقع في شموليته نقدا جذريا وعلى إعادة بناء حركة الأمة وتقصيدها وبناء أنظمتها في السياسة والاجتماع والاقتصاد والمال…، أي بالدخول في دورة تاريخية جديدة ليس لها إلا أفق الحرية والتحرر والتنمية الشاملة وفق مفهوم أصيل لمعنى التنمية خارج حركة الاستراتيجية الغربية التي ينبغي الاستفادة منها بمعيار تكامل حركة أركان هذه المنظومة ومضمونها القيمي والإنساني وما تحدثه من ابعاد تنظيمية وهيكلية ونظامية في بنية المجتمع، لذلك يكون اكتشاف “علم الغاية” مرة أخرى كما عاشته مرحلة النبوة والخلافة الراشدة سيكون العامل الحاسم في هذا البناء وتوجيه حركته وتجديد وتحديد مضمونه علميا وعمليا.

إن منظومة علوم الاستنباط هي توفر القاعدة العلمية الصلبة الموحَدة التي تُكَون القوة الدافعة والحاسمة في نظام التفكير والإبداع وتصوغ مضمونه لتوفير كل الحاجات الضرورية والمناسبة للمرحلة التاريخية بما يُمَكن من اجتهاد متكامل يبدع الأجوبة الكلية والتفصيلية في نظام عملي جامع لا يسمح بأي ثغرة لتبرير الواقع ولا يتنازل عن سيادة العقل الناقد والمبدع الخادم للإرادة الجماعية في التجديد والتغيير المستمرين.

إنها الأساس العلمي الصلب والثري الذي يؤسس لاجتهاد جامع عبر إرادة جماعية منظمة صانعة للتاريخ، ولذلك فهي منظومة توفر ذاتيا الكفاية العلمية والكفاية التنظيمية والنظامية لتحريك الأمة تلقائيا للقيام بمهامها الرسالية التاريخية، وبهذا تقطع مع أي بعد تجريدي في بناء أركانها وقواعدها وتفعل الإبداع في كل المجالات وترعاه رعاية متجددة تكاملية لا تقبل التقليد والركون إلى منتوج الفاعلية اللحظية لأي اجتهاد في الوسائل العلمية أو العملية، لأنها تجعل أرضها الجامعة الوحي، قرآنا ونبوة، وهو المعين الذي لا ينضب والنور الذي لا حد لأفقه.

ب-المبنى:

بالنظر إلى تطور علم أصول الفقه ونظرا للحاجة المصيرية للأمة في فتح أفق شامل لوجودها الإنساني ولحركتها التاريخية، وبالنظر إلى تطور علم المقاصد، ولتفادي السقوط في ترف تجريدي منفصل عن الواقع وغير عابئ بالمستقبل، فإن المرحلة تقضي انفصال مبحث “الاجتهاد” مجال علم الأصول كما انفصل مبحث المقاصد وصار علما.

فاعتبار الاجتهاد علما قائم الذات مستقلا عن علم الأصول وعلم المقاصد سيحقق غرضين، الأول هو تحديد وتدقيق العلاقة بين علم الأصول وعلم المقاصد، والثاني أنه سيوسع القاعدة العلمية لإنجاز وظيفة الاجتهاد باعتبارها وظيفة مصيرية كبرى لا ترتبط بمهام الفقيه، سواء كان مجتهدا أو مقلدا، إذ بذلك تُنقل عملية الاجتهاد إلى موقعها الطبيعي؛ وهو قيادة حركة الأمة ليكون الاجتهاد عملية متجددة لا تعرف التوقف أبدا وترعى عملية التنمية الشاملة وحركة مؤسساتها.

فلايعني الباحث في تطوير علم الأصول مجتهدا، كما لا يعني المشتغل على علم المقاصد مجتهدا، لأن زمن الموسوعية العلمية انتهى وإن كانت صفة المتابعة العلمية الموسوعية من صفات المجتهد في كل زمان. والمجتهد من توفرت فيه شروط الكفاءة في الاستنباط بمعناه الشامل عبر مزاولة شاملة من مواقع معتبرة في حركة الأمة بل من صلبها، الأمر الذي يفرض أن يكون الاجتهاد جماعيا وشوريا يتميز صاحبه بصفاء أخلاقي عال ينعكس على مجموع المؤسسات المجتهدة في سياق وظيفي تكاملي تهيء له قواعد علم الأصول الغوص في النص من حيث هو بنية لغوية وبيان خطابي، وتوفر له قواعد علم المقاصد سبر حكم الشريعة، ليكون علم الغاية الجامع لأطراف الوحي ككلية واحدة موحدة مضمونا وبنية والجامع لأطراف الحركة التاريخية للأمة في جمع سلوكي تربوي تعليمي جامع بين مصير الفرد في الآخرة ومصير الأمة في التاريخ وعلاقة هذا المصير بالإنسانية استخلافا في الأرض.

إن علم الاجتهاد الذي يستثمر ركني علم الأصول وعلم المقاصد يحتاج إلى علم الغاية ليعطيه المعنى المصيري للإنسان والاتجاه التاريخي العملي، فتكون حركة الاجتهاد جامعة غير فاصلة بين الاهتمام بمصير الفرد في آخرته وبمصير الأمة التاريخي؛ فهو جمع قرآني نبوي بين اعتبار مصير الإنسان في الآخرة ومصير الإنسانية في الوجود الكوني، ولاشك أنه هذه الجمع الاندماجي سيحدث تحولا جذريا في بنية القواعد وحركتها داخل المنظومة الجديدة للاستنباط.

لذلك كان من أعظم قضايا علم الغاية أن ينظر إلى الوحي، قرآنا ونبوة، كلية علمية جامعة ثم ينقله نقلا عمليا جماعيا سالما ليصير كلية وجودية في الواقع لها أثرها الكبير في الوجود الإنساني، وهنا يأتي معنى بناء جماعة المسلمين عبر تفاصيل تفعيل علم المقاصد وتطويره واستثماره علم الأصول في كل مراحل البناء والعمران.

وعلم الغاية مرتبط بوجود قيادة ربانية في صلب هذه الحركة التاريخية، لأنها ضرورية في وضع عالم الغيب في موضعه الشرعي بإخراجه من موضع نفيه عند البعض وجعله خرافات وشعوذة عند البعض الأخر مع ضمان فاعليته في الوجود، وفي نفس الوقت ضمان استقرار عالم الشهادة على قواعد الشريعة وأحكامها الجزئية ليحصل التطابق القرآني النبوي بين قصد الله من كونه وقصده سبحانه من شرعه المتطابقين وبين قصد المكلف، وهذا التطابق شرط قيام مقاصد الوحي، لأن استقامة قصد المكلف مرتبط بعمليتين، الأولى تربوية سلوكية حتى تكون الوجهة الله على العموم، والثانية قيام الشروط المادية السياسية الاجتماعية التي تقيم العدل في الحكم والقضاء حتى لا يكون هم الإنسان مركزا على الحاجة البدنية والنفسية الاجتماعية فيُشغل عن طلب المعالي في أنظمة الحياة وفي مقامات الآخرة عند الله، إذ بهذا الانشغال يضيع منه مسار التنمية والعمران الكبيرين وقد يضيع مصيره في الآخرة.

ولذلك تكون منظومة علوم الاستنباط هي:

2. المنهاج العلمي: التحرر والإبداع.

ندرك مما سبق أن الحاجة مصيرية إلى اكتشاف منهاج علمي جديد، لأن الركون إلى سيادة المنهجية الأصولية التقليدية على نظام التفكير تكريس لواقع العجز والتخلف علميا وعمليا، كما أن الرهان على المنهجية العلمية كما طورها الغرب تكريس لواقع التبعية القائم الذي صار كارثيا ومذلا، لأن المنهجية الأصولية التقليدية كانت بنتا بارة لمرحلة تاريخية في تنظيم عملية استنباط الحكم العملي التفصيلي من دليله الشرعي، وبذلك فهي عاجزة تماما اليوم عن أن تكون الطريق السيار لاستنباط أجوبة القضايا الكبرى المطروحة على الأمة في معناها الوجودي والتاريخي، الأمر الذي يقتضي تجاوزها دون هدم قيمتها العلمية والوظيفية في مجال اشتغالها في السياق الاجتهادي التجديدي الجديد الذي يطلب منهاجا علميا جديدا متكاملا. كما أن الركون إلى المنهجية العلمية كما طورها الغرب تكريس لواقع الانفصال بين مصير الإنسان الأخروي ومصير الإنسانية الوجودي، ولاشك أن هذا الانفصال كرس واقعا من العنف على الطبيعة وعلى الإنسان نفسه وعلى الإنسانية جمعاء، مما جعلها مهددة بتدمير نفسها، فضلا عن تكريسه لواقع التبعية في النفس والتفكير والإنتاج المعرفي والمادي.

كما أن الركون إلى مجرد الانتباه إلى البعد المقصدي في الاستنباط لا يخرجه، أي الاستنباط، عن الوظيفة الجزئية ذات البعد الفقهي في استكناه حِكم الشريعة إلى معنى تجديدي يجعله نظاما للتفكير الكلي الشامل المرتبط بالبعد المؤسسي التنظيمي النظامي الضامن لتكامل فاعلية حركة مكونات الأمة، حيث لا تجعل، هذه الحركة، سقفا لها تحقيق مقاصد الشريعة فقط، بل تحقيق مقاصد الوحي والحفاظ عليها، وهو ما تستطيعه المنهجية الأصولية التقليدية وكذلك المنهجية المقاصدية المتعلقة بسقف الشريعة، لأنهما ارتبطتا بمرحلتين تاريخيتين تعطل فيهما المعنى والمبنى الجامعين لمقاصد الوحي، سواء بعد الانكسار التاريخي أو بعد الاستعمار الغربي، وهما صدمتان مروعتان لا يمكن التخلص من أثرهما إلا عبر الفاعلية التكاملية، العلمية والعملية، لأركان منظومة علوم الاستنباط وتوجيهها لمعنى السلوك بما يعطي مضمونا تجديديا لعلم السلوك يُخرجه من المعنى الفردي إلى المعنى الجماعي مع تدقيق رفيع للعلاقة بين المعنيين تستثمر تراث هذا المجال، أي مجال علم السلوك.

فمقاصد الوحي هي مضمون الغاية عند الفرد والأمة في جمع اندماجي كامل يجعل ما يخدم الأمة يخدم الفرد وما يخدم الفرد يخدم الأمة في تناسق بديع لحركة قواعد أركان منظومة الاستنباط وتفاعلها تكامليا داخل كل ركن وبين الأركان الأربعة.

وهنا نكتشف أن المنهاج العلمي المناسب للبناء المعرفي لمنظومة علوم الاستنباط لن يكون إلا خارجا من صلب السيرة النبوية التي جسدت معنى تغيير الإنسان وواقعه وانتقاله إلى أمة غيرت وجه العالم، أي من صلب المنهاج النبوي في تغيير الإنسان وبناء الأمة وخدمة الإنسانية عبر خدمة المستضعفين ومناهضة المستكبرين.

إن منهاجا علميا مبدعا لا يكون إلا جزء من منهاج عملي تحرري شامل، لذلك لا تغادر منظومة علوم الاستنباط المنهاج النبوي، أي السيرة النبوية بما هي ترجمة للقرآن وبيان عملي له جمع في نسقية بنائية بين مهام عملية كبيرة وحاسمة، وهي تغيير الفرد وبناء الجماعة والأمة وخدمة الانسانية عبر نظام نظم العلاقات الداخلية والخارجية والدولية. وهو ما يعني أن المنهاج العلمي الجديد في الوقت الذي يغوص في تفاصيل الجزئية العلمية فإنه يضع عينه على مآلها الغائي كما يدققه علم الغاية توجيها لكل صور الإبداع والاجتهاد، ساعيا عبر حِكم الشريعة في أحكامها بواسطة كل دوائر الاجتهاد لتنهض جماعة المسلمين بمهامها في التنمية الشاملة المتجددة والعمران الكبير.

إن المنهاج العلمي الذي يشكل عمود فسطاط منظومة علوم الاجتهاد هو روح الاجتهاد وأداة الإبداع في كل المجالات، فهو صرامة في البناء التفصيلي والكلي على منوال التجربة النبوية الصحابية التي غيرت وجه العالم في وقت وجيز لوضوح الغاية والمقاصد وهي تتعامل مع أدق تفاصيل الحياة في كل المجالات.  

3.الحاجات العملية لحركة منظومة علوم الاستنباط.

تقتضي حركة منظومة علوم الاستنباط في تفاعلها مع الواقع ورعايتها لحاجات الأمة لتخرج من وضع الضعف والتقليد والتبعية إلى مقام القوة أن تتحرر من ضيق البحث في كشف الأحكام الجزئية إلى تفعيل هذه العملية الضرورية ضمن سياق اكتشاف وإبداع الأجوبة العملية للقضايا الكبرى في وجود الأمة، ولذلك لا تتعلق هذه الحركة بعلاقة المفتي أو القاضي بحاجة الفرد، وهي الوجه الأخرة لحالة الضعف العام الكامن في علاقة الشيخ بالمريد، وهو ما يعني أن تفعيل منظومة علوم الاستنباط يطلب أدوات عملية كلية قادرة على نقل مضمون هذه المنظومة إلى تفصيل علمية تغطي تفاصيل عملية وتزودها بالقيمة العلمية المناسبة لها في مرحلتها السلوكية والتاريخية، ويمكن رصد هذه الحاجات العملية في ما يلي:

أ-النظريات العلمية.

تأخذ هذه النظريات العلمية معنى الحاجة العملية بما هي الأداة العلمية الكفيلة بتفعيل استراتيجيات ومهام الاجتهاد والتفكير عند التصدي للواقع قصد تغييره وإصلاحه وتنميته وعمرانه، وذلك بنقل المضمون العلمي المناسب لهذه المهام الكامن في الوحي، قرآنا ونبوة.

فالنظريات العلمية عاكسة لجوهر التكامل المعرفي المحتضن من طرف منظومة علوم الاستنباط، وفي نفس الوقت هي ما يكشف عن النموذج المرحلي في تناغم تام بين المقتضى العلمي والمقتضى العملي، ولذلك يتم تجاوز المأزوم عمليا عبر استمداد النظرية للمضمون العلمي الذي يفك عقدة المأزوم ويفعل في نفس الوقت العناصر الإيجابية القائمة مع تجاوز عوامل وأسباب المأزوم في الوقاع.

ويمكن سرد مجموعة من النظريات التي يجب أن يشتغل عليها نظام الاجتهاد والتفكير في سياق تفعيل حركة علوم منظومة الاستنباط، ومنها:

-النظرية السياسية الكبرى، وهي بحث مستمر ومتجدد في النظام السياسي  العمراني وفي مراحل بنائه وعلاقته بباقي الأنظمة السياسية القائمة في كل مرحلة “زمكانيا”، وكذلك بحث مستمر في نظرية القيادة ومهامها ونظام بنائها وتجديدها، ومنه البحث العميق في نظرية تدبير المراحل الانتقالية في مسار بناء الأمم، وهو ما يحتاج إلى نظريات التحول التاريخي والتغيير السياسي.

-ومما يتفرع عن بناء النظرية السياسية الكبرى، لكن لأهميته في بناء النظام السياسي وفي مصير هذا النظام هو بناء نظرية حول النظام الاجتماعي والنظام الاقتصادي والمالي.

-نظريات حول التربية والتعلم والسلوك……

ب- المؤسسات  

إن بناء النظريات وتفعيل قيمتها العملية يطلب المؤسسات المناسبة لذلك.

وما ينبغي استحضاره في حركة منظومة علوم الاستنباط التمييز بين مستويين من المؤسسات التي تؤطر معناهما والعلاقة بينهما النظرية السياسية الكبرى، وهي ما يمكن تسميته بالمؤسسات المصيرية وبالمؤسسات التدبيرية.

فالمؤسسات المصيرية تعنى بالحفاظ على جوهر وجود المجتمع بالحفاظ على وضوح مصيره وعلى الوسائل الكلية لذلك علمية وعملية، لأن هذه المؤسسات لا ينبغي أن تتعرض للاهتزازات المؤثرة في وجودها لارتباط وجود المجتمع واستقراره بها، وحتى لا تتحول إلى جمود وتقليد مكبل لحركة الأمة فهي تتجدد دوما بالاجتهاد والشورى وتفعيل نظام السلوك على المنهاج النبوي، لذلك ترتبط هذه المؤسسات بالمجتمع وقوته.

أما مؤسسات التدبيرية اليومي في المعنية بتحقيق الأهداف المباشرة وفق خدمات منظمة ووفق تدبير استراتيجي، لذلك فهي دوما تفعل منظومة الخدمات الصغرى والكبرى وتطور طرائق التدبير الاستراتيجي، فهي تراهن على الكفاءات النوعية في الأشخاص والمجموعات.

ج-السياسات

لا يمكن أن تتحرك المؤسسة من دن وجود سياسات معلومة تخصها، والسياسات دوائر متنامية ومتكاملة من مجموعة من المهام تخص كل مؤسسة في حيز زمني محدد وفق وعي وتدبير استراتيجيين يجعلان كل حيز زمني لبنة أساسية وصلبة لما بعده.

فالسياسات تُعنى بتحقيق الأهداف ونظرا لتقلبها واضطرابها الطبيعيين لا ينبغي أن ترتبط بها الغاية مباشرة لما لذلك من مفسدة عظيمة على وجود الأمة والفرد على السواء، في حين تتحرك النظريات لتحقيق مقاصد الشريعة بما هي نموذج في تنظيم التفكير والاجتهاد والإبداع، أما الحركة الكلية لمنظومة علوم الاستنباط فتسعى لتحقيق الغاية بمعناها التجديدي الجامع الذي يعني تحقيق مقاصد الوحي المجموعة في الآية الكريمة: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر) [النحل: ]، وتلتحق بهذه المقاصد وسيلة الشورى باعتبار محوريتها في تحقيقها فتأخذ الوسيلة اعتبار المقصد فتصير مقصدا كليا مصيريا.

د-الاستراتيجيات

تأخذ السياسات معناها البنائي العمراني في سياق حركة منظومة علوم الاستنباط لما تُنفذ عبر استراتيجيات متكاملة، ولذلك فالتفكير والتخطيط الاستراتيجيين شرط في تحقيق الأهداف، في حين يكون التفكير والتخطيط المصيريين شرط في تحقيق المقاصد، أما التفكير الغائي فهو شرط في تحقيق الغاية، والتفكير الغائي هو علم تام بمعنى المصير مما يسهل إدراك معنى المسير وكيف يكون.

ولذلك يكشف لنا ما سبق أن الاجتهاد والتفكير يكون عبر الكليات في حين أن التنزيل يكون عبر الجزئيات العملية بما يجعلها لبنة على لبنة حتى تصير كلية عملية قائمة فتكون أرضية عملية صلبة قابلة للعمران وقادرة على تحمل أعبائه، وهو ما يدلل على موقع النظريات والمؤسسات والسياسات في كل مراحل البناء والعمران.

خاتمة

إن واقع التمزق العلومي والسياسي والجغرافي إذا أضيف إلى مستوى العجز الحاصل في تصور تجاوز الواقع، ليس عبر القفز عليه وإنما بتمريضه تمريضا شاملا قرآنيا نبويا، يفرض ضرورة البحث عن الأرضية العلمية التي تفور صلابة وقوة وضوحا في التصور والمستقبل عبر اختراق الواقع المعيش المأزوم بقبضة الاستبداد والتقليد والتبعية، وهي الأرضية الكفيلة بتوفير القوة العملية القادرة على إنجاز هذه المهام.

لذلك يكون اكتشاف منظومة علوم الاستنباط، المكونة من أركان علم الأصول وعلم المقاصد وعم الاجتهاد وعلم الغاية، واكتشاف المنهاج العلمي المناسب لها الأداة العلمية الكلية الكفيلة بتوفير وسائل إصلاح وتغيير الواقع العلمي والعملي الخاص والعام، وإنجاز مهام ومراحل التحول التاريخي الضروري لتحقيق واقع الحرية والتحرر والتنمية الشاملة والعمران الكبير وفق مدلول تجديدي مناسب لهذه المفاهيم في سياق حركة هذه المنظومة.

مبارك الموساوي

مراكش في 110/10/2019

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق