المقالات

المولد النبوي وسؤال المنهج (محمد همام)

يذكر المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد،رحمه الله،في كتابه التحليلي والنقدي المثير”منهجية القران المعرفية،أسلمة فلسفة العلوم  الطبيعية والإنسانية” أن قانون الاستحواذ العضوي الحضاري الذي يمارسه الغرب اليوم جعل المنطق التراثي الماضوي غير قادر على المحافظة على أمة القرآن، إلا من خلال الكشف عن عالمية القرآن ومنهجيته المعرفية؛ فقانون الاستحواذ العضوي الحضاري يستهدف الدين الإسلامي والقرآن الكريم، بحكم التغاير بين العرب وأوروبا؛ مما يستلزم الدفاع عن أطروحة (الايمان)كمقولة فلسفية ووجودية، ليس من خلال برهانية العقل الفطري وبيانيته، وليس من خلال مقولاته الانتقائية، ولا من خلال مفاهيمه التجزيئية، باسترجاع حجج الكلاميين ولا البراذيغمات التبشيرية للدعاة والوعاظ السياسيين المعاصرين، ولكن من  خلال   الوعي بالطور الثالث الذي دخله العقل البشري؛ طور المنهجية المعرفية بأفق عالمي، والقطع مع العقليتين الإحيائية والثنائية المتقابلة. فالوعي الايماني، اليوم، يأخذ دلالته المعرفية والمنهجية من خلال تحديد العلاقة مع الغيب كبعد مؤثر في الوجود وحركته. ويحصل الوعي المنهجي المعرفي بالبعد الغيبي بمعزل عن أخلاقيات العلاقة اللاهوتية مع الله والتي تشوهت في التراث الفكري الديني البشري؛ فالتصورات اللاهوتية التقليدية تستلب الإنسان والطبيعة، وتماثل العبودية لله بالعبودية البشرية، من غير تمييز بين علاقة الله بالإنسان وموروث آلهة الألمب.

إن الفكر الديني اليوم، بمضمون منهجي ومعرفي، يواجه معركة عالمية ضارية وزاحفة لانستوعب منها إلا أشكالها الأولية؛ فالمناهج المعرفية المعاصرة المتولدة من العلوم الإنسانية، ومن علم الاجتماع على الخصوص، تنتقد التراث البشري بحدة وقسوة. وتمزج بين مطلق الوحيالقرآني وتاريخانية الفكر البشري الوضعي. ولايمكن ضبط، أو قل خلق تفاعلـ ايجابي،  مع هذه الدراسات المعرفية القاسية والمزودة بأحدث العتاد التحليلي وأكثره فعالية، إلا من خلال منهجية القرآن ومعرفيته المتعالية تاريخيا، وعبر امتداد الزمان ومتغيرات المكان في كل الحقب؛ أي من خلال عالمية القرآن ومعرفيته المنهجية البديلة أو الإضافية.

إن الخطاب الإلهي في بدايته، من آدم إلى محمد،(عليهما السلام)،كان خطابا حصريا يقوم على الاصطفاء، ويخاطب دوائر بشرية معينة؛ أي أن كل الرسل الذين ذكرهم القرآن الكريم  قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك كل الرسالات، إنما توجهت بخطاب إلهي حصري إصطفائي. وقد أوضح القران الكريم التسلسل الاصطفائي للدين في سورة البقرة. كما يتجه الخطاب الإلهي بعدها إلى الأمة الوسط، وهي المنطلقة ،بنظر حاج حمد ،من مكة التي يسميها “الأرض المحرمة“،حيث قبلة البشرية،والتي نسخت قبلة الأقصى ،والتي يسميها “الأرض المقدسة“.

إن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم هي علامة على ختم الخطاب الإلهي الحصري وبداية الخطاب العالمي للبشرية. فختم النبوة ليس توقيتا زمنيا وحسب، بل هو تقدير إلهي موضوعي. ويمتد الخطاب العالمي للقرآن الكريم امتدادا أفقيا؛  يبدأ بالتخصيص العربي كنهاية للاصطفاء، وافتتاح للعالمية في الوقت نفسه، ويمتد إلى الأميين(وهم غير الكتابيين)، وغير الأميين(تشمل الفترة الأمية استيعاب الكتابيين من النصارى واليهود). وبعد التدرج في الخطاب الإلهي العالمي يتجلى الخطاب العالمي بايات الظهور الكلي للدين الإسلامي على الدين كله في سورة التوبة والفتح والصف. وارتبط هذا الظهور الكلي بالرفض المطلق للشرك، وبالمحاورة مع اليهود والنصارى؛ ويكون الإسلام في هذه الحالة هو مجموع الديانات وليس دينا واحدا.

لقد انطلق الخطاب الإلهي العالمي في القران الكريم بشكل متدرج؛ إذ يشمل في البداية الأمة العربية وحملها المسؤولية؛ “وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون”، ثم يشمل الشعوب غير الكتابية، ثم ينتهي بالظهور الكلي للدين على الدين كله في العالم. وإذا كانت النبوات السابقة قد ارتبطت بالأرض المقدسة، فإن ختم النبوة ارتبط بالأرض الحرام؛ أي أن الأرض المحرمة جمعت ختم النبوة وختم الكتب والخطاب العالمي، كما شهدت نهاية الاصطفاء الرأسي وبداية الاتساع الأفقي للبشرية كافة. وقد بذل أبو القاسم حاج حمد مجهودا تحليليا مضنيا لرصد خصائص الخطاب القراني العالمي، متجاوزاعجز اليات القياس والاستدلال والاستقراء والرأي والاستصحاب والتحسين والمصالح وغيرها من الاليات التقليدية التي ارتهن إليها العقل المسلم ومازال، باحثا عن المنهج المؤطر لهذا الخطاب؛ هذا المنهج هو (الهدى ودين الحق) الذي يعتبر مادة لمحاورة العالم. ف(الهدى ودين الحق)هو المنهجية المعرفية القرانية المقابلة لتطور العقل البشري في مرحلة الظهور العالمي للدين. لقد استرجع القران الكريم ،بمنهجيته المعرفية، وبكونه مصدقا لكل الكتب وكل الرسل، خصائص النبوات السابقة ومفاهيمها، وردها إلى أصولها التوحيدية، بعدما تعرضت للتحريف في الأصول والعقائد وقصص الأنبياء وموضوعات الخلق والتكوين؛ فتصديق القران الكريم للكتب والنبوات السابقة ليس تصديقا عفويا بقدر ما هو استرجاع توحيدي يضبط المفاهيم والمقولات، ويقطع مع أشكال النقل العفوي للموروثات التوراتية التي تنتشر في تراثنا الديني إلى اليوم.فالقران الكريم كتاب كوني معادل للوجود وحركته ومتفاعل بشكل إيجابي ومرن مع العلم وآفاقه، وليس كتابا في الأهلة ومراحل تكوين الجنين في رحم أمه.

ويصطدم هذا التصور المنهجي والمعرفي للقرآن الكريم بعقليتين متناقضتين في الظاهر لكنهما متماثلتان في النهايات والنتائج؛ أي في الإغلاق على القرآن الكريم إمكانية الامتداد في الزمن والمكان عبر حقول معرفية متعددة ومتنوعة، وفتح آفاق علمية غير محدودة أمام التفكير الديني؛ العقلية الأولى هي( العقلية الوضعية) التي ترى تصورها متناقضا مع التصور الديني بناء على نتائج دوغما الفيزياء الاجتماعية، بل يقوم تصورها هذا على إحداث(قطيعة علمية)مع موروثات الفكر البشري بما فيها القرآن والإنجيل والتوراة وكل المنتوج الديني البشري. وبحث القرآن عندها، في هذه الحالة، لايخرج عن سياق التطور التاريخي البشري لإنتاج الأفكار مقيدة بعصر التنزيل والتدوين. ويلتحم هذا التصور الوضعاني العقائدي بالعقلية الثانية وهي (العقلية السلفية) المفتقدة للضابط المنهجي الناظم للأفكار.

ويعني الضابط المنهجي: القانون الفلسفي أو المبادئ الفلسفية الناظمة بتحديد واضح للأفكار؛ إذ المنهجية تقنين للفكر حتى لا يتحول إلى تأملات وخطرات إنتقائية، لاتكون منهجية  ومنتجة مهما كانت مهمة وعبقرية؛ فمنهجية الأفكار تعني تقنينها بالمنهج بشكل يماثل حالة توليد القوانين من الطبيعة، لكن من دون تبن للنزعة الوضعية الجافة وغير الإنسانية وغير النقدية. كما أن المنهجية ترفض منطق التوفيق والتوسط؛ فهي قانون محدد لإنتاج الأفكار وليست نمطا للراحة العقلية يأخذ من الأمور أوسطها ويوفق بين المتعارضات بانتقائية كما نسمع باستمرار في أطروحة (الوسطية) التي تروجها العقليات السلفية للتملص من المهمات الفكرية والنقدية اللازمة. إن الفكر الذي تتعدد مقولاته وتتضارب من دون ناظم ( نموذج معرفي ومنهجي)، هو فكر غير منهجي ولو التزم في إنتاجه الذهني بإطار منهجي أعلى منه. لذلك افتقدت (العقلية السلفية)المنهجية بماهي خروج العقل من حالة التوليد الذاتي للمفاهيم إلى اكتشاف النسق المرجعي الذي يحاكم هذه المفاهيم نفسها ويؤطر إنتاجها بحيث يحكم التطبيقات في مختلف الحقول الأخرى. إن المنهج هو خلاصة قوانين تحولت إلى نظريات تحولت بدورها إلى إطار مرجعي وليس مجرد صياغة موضوعية للتفكير.

وإذا كانت المنهجية هي ناظمة المفاهيم والنظريات ومكيفة للقوانين ومتدخلة حتى  في صياغة الفرضيات، فإن (المعرفية)تعبر عن التطور في حقل ومضمون النشاط الذهني، وتستهدف الأخذ بالآفاق الواسعة لقدرات الثقافة العلمية المعاصرة،  وتوظيفها في إعادة اكتشاف وتحليل إشكاليات المجتمع والثقافة الإنسانية. ف(المعرفية)، وهي الإبستمولوجيا بنظرنا بمعنى من المعاني، بميلها النقدي والعلمي تخاصم الأيديولوجيا، أو الفكر التاريخي الساكن،كما تخاصم الشمولية الماركسية؛ فهي تفكيك للنظم والمفاهيم ودلالات اللغة ووسائط الاتصال بين الذهن والعالم؛إنها ترتبط دوما ببناء مشروع حضاري في إطار ثقافي عالمي معاصرمن دون نزعة أيديولوجية. والعقل الإسلامي اليوم مطالب بالوعي بأزمة المأزق الحضاري العالمي، على مستوى المنهج، ليكون قادرا على إعادة الصياغة الفلسفية للحضارة العالمية الجديدة، والمساهمة في تأسيس المجتمع الإنساني المتعارف و المتراحم، وهو المجتمع الذي جاء من أجل تأسيسه النبي الأمي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مرحبا ، في الحقيقة أود القول بأن هذا الموضوع يستحق المناقشة العلمية و لا ينبغي أن يكتفي فقط بالأمور التي تدخل ضمن الشريعة الاسلامية . هذا كله بغؤدرض أن يشمل الموضوع كل الجوانب و الجزئيات ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق