المقالات

المعرفة والزمن الثقافي (محمد همام) _ج2_

2نقد مرجعية عصر التدوين:

لقد تشكلت بنية العقل العربي، بنظر الجابري، في هذا العصر. ويبدأ الجابري مقاربته لهذه الدعوى بطرح سؤال مركزي وهو: هل حقق الإسلام بالفعل قطيعة معرفية مع العصر الجاهلي؟ هذا العصر الذي كان يعيش حياة فكرية نشيطة من خلال انتشار أسواق الفكر والثقافة، مع قدرة العرب على الجدال والنقاش والمحاججة، تتجلى في ما أسماه الشيخ الفيلسوف مصطفى عبد الرازق بـ “الجدل الديني”، (في كتابه: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية في العصر الوسيط). لذلك كانت لهم القدرة على وصف القرآن الكريم بـ “سحر يؤثر”، أي من جنس سحر الشعر وسجع الكهان. ولكن هذا لا ينسينا أن العصر الجاهلي قد نقلته إلينا الرواية بصورتين مختلفتين. وقد كان العرب في عهد أبي بكر وعمر يحاربون صورة الماضي الجاهلي في وعيهم، إذ إن ما قبل الإسلام كان بالنسبة لهم هو ما قبل التاريخ. إلا أن دوافع الحمية، بعد عهد الراشدين، ستعيد بناء “الماضي الجاهلي” استجابة لمتطلبات “الحاضر الإسلامي”، اعتمادا على الذاكرة التي تنتقي وتختزل وتستعين بالخيال. فالعصر الجاهلي بوصفه زمنا ثقافيا، ستتم استعادته وترتيبه وتنظيمه في عصر التدوين الذي سيصبح إطارا مرجعيا لما قبلة وما بعده. وقد برزت الحاجة إلى هذه العملية التذكرية والتدوينية بعد اشتداد معارضة الموالي (غير العرب)، وبروز مطلب ” الدولة الإسلامية” القائمة على المساواة، لا فضل لعربي فيها على عجمي. ثم ستتحول معارضة الموالي إلى مجال الثقافة والفكر والطعن في الماضي العربي. وستبرز، إذن، ضرورة البناء الثقافي الشامل ؛ أي التدوين كضرورة تاريخية ووجودية. والأهم في هذه العملية، بنظر الجابري، هو عملية البناء ذاتها؛ أي طريقة البناء، وفعل البناء نفسه. فالذي سيشيد في هذه اللحظة التدوينية الحاسمة هو “العقل العربي” و “الخطاب العربي”؛ من حيث طرق العمل والإنتاج وأساليب الإنتاج، ومقاييس القبول والرفض. في هذا العصر سيكون الكلام مكتوبا ومنظما؛ يعبر عن أشياء ويسكت عن أشياء ويبرز أشياء، أو يستدل على أشياء بأشياء مع إغفال كثير من الأشياء. إنه عصر تدوين سيكون الإطار المرجعي الذي يتحدد به ما قبله على مستوى الوعي العربي. فصورة العصر الجاهلي وصورة الإسلام والقسم الأعظم من العصر الأموي نسجتها خيوط منبعثة من عصر التدوين، وهي التي نسجت صورة ما بعد عصر التدوين. هذه الخيوط، بنظر الجابري، هي العقل العربي، هي الواقع الفكري الثقافي العام في الثقافة العربية العامة. هذا العصر الذي حدده الحافظ الذهبي في نص وارد في كتاب ” تاريخ الصحابة” للسيوطي، (توفي 911هـ)، يقول فيه: ” في ثلاثة وأربعين ومائة شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير؛ فصنف ابن جريح بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة. وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة رحمه الله في الفقه والرأي. ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب. وكثر تدوين العلم وتبويبه. ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس.” وعلق الجابري على هذا النص من حيث إشارته إلى تصنيف العلم وتبويبه؛ إذ التبويب يعني إعادة بناء الموروث الثقافي ليصبح تراثا؛ أي إطار مرجعيا لنظرة العربي إلى الأشياء والكون والمجتمع والإنسان والتاريخ. كما أن النص يصرح بأشياء ويسكت عن أخرى؛ يصرح بتكريس منهجية أهل الحديث القائمة على الرواية والإسناد، كما يكرس شروط الصحة كما تواضع عليها “أهل العلم”، بين منتصف القرن الثاني الهجري ومنتصف القرن الثالث الهجري. ثم إن شروط الصحة تلك، كما عرفت مع أهل الحديث واللغة والتاريخ والفقه، لم تكن، بنظر الجابري، من العلم بل من عمل الرأي. ومازالت هذه الشروط المعلنة ممتدة في العقل العربي إلى اليوم. أما شروط الصحة غير المعلنة والتي سكت عنها نص الحافظ الذهبي فهي عدم الحديث عن تدوين العلم وتبويه لدى الشيعة، خصوصا وأن جعفر الصادق توفي سنة 148هـ، وفي عهده وتحت إشرافه تم تدوين الحديث والفقه والتفسير، مما يعني أن عملية التدوين كانت مسكونة بصراع خفي بين السنة والشيعة. ليس بين إسلام سني وإسلام شيعي، كما يدعي المستشرقون المغرضون، و لكن بين عقل سني وعقل شيعي، أو قل بتعبير الجابري: بين نظامين معرفيين، وليس عقيدتين مختلفتين. كما سكت النص عن تدوين “علم الكلام” رغم انتشار مؤلفات واصل بن عطاء في ذلك الوقت كما ذكر ابن النديم في الفهرست. وسكت عن تدوين “علوم الأوائل”، مع شهرة مجهود خالد بن يزيد بن معاوية الذي استدعى يونانيين من مدرسة الإسكندرية للترجمة. ولم يذكر النص عملية تعريب الدواوين أو تعريب الإدارة باللغة الحديثة. كما سكت عن التدوين في السياسة، رغم شهرة مجهودات عبد الله بن المقفع. كل هذا يثبت أن عصر التدوين، الذي أريد له أن يكون إطارا مرجعيا لما قبله ولما بعده في الثقافة العربية، قد أنجز عمله التدويني و التبويبي والتصنيفي الضخم تحت ظلال وخلفيات الصراع الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي الذي كان يعيشه المجتمع العربي الإسلامي يومذاك،مما يحتاج إلى مقاربات تحليلية ونقدية من منظور علم اجتماع المعرفة. هذا الصراع هو الذي أورثنا شروط الصحة كما حددت في ذلك العصر، من لدن كل فريق؛ أي شروط صحته هو، في خضم صراع معرفي شامل، في المفاهيم والمناهج والأطر النظرية، وصراع الأنظمة المعرفية، والذي مازلنا نعتبر أنفسنا جزءا منه سلبا أو إيجابا، ومازال يعيق حركيتنا الإبداعية والفكرية.

هذا الإرث، بنظر الجابري، هو الذي جعل الثقافة العربية، كإطار مرجعي للعقل العربي، ذات زمن واحد منذ أن تشكلت إلى اليوم؛ زمن راكد يعيشه الإنسان العربي اليوم مثلما عاشه أجداده في القرون الماضية، لا يشعر بالاستقرار وحسن الجوار والراحة الوجدانية إلا بالاستغراق في ماضي الأجداد والانقطاع له.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق