المقالات

المرابطة المقدسية قراءة في ثغور المرابطة للفيلسوف طه عبد الرحمان(محمد نافع العشيري)_1_

في سياق الأحداث التي  تعرفها مدينة القدس من مرابطة مباركة تنعش الامال، و تحيي ذاكرة هذه الأمة التي تشوهت ملامحها كثيرا. اقدم في حلقتين، تصور الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان، لطبيعة الصراع الاسلامي الاسرائيلي، و ماهية المرابطة المقدسية المباركة.

تستند رؤية الفيلسوف طه عبد الرحمان لقضايا الأمة بصفة عامة، و القضية الفلسطينية بصفة خاصة، والتي عرضها في كتابه” ثغور المرابطة: مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية” الى النظرية الائتمانية التي تجعل الدين جوهر الانسانية. و بالتالي فهو لا يدرج  الصراع العربي الفلسطيني ضمن صراع قومي عربي، بل ضمن صراع ديني، يهم جميع الأديان، وقد يعدى ذلك الى صراع اسرائيلي انساني، لأن ما تمارسه اسرائيل على الفلسطينيين ومقدساتهم يدخل في باب” الشر المطلق”، و يتجلى هذا الشر الذي ليس كمثله شر في ” ايذاء الأرض التي بارك الله فيها” و “ايذاء الارث الذي أنتجته فطرتهم”. وعليه، يصير الايذاء في الحقيقة ايذاء للاله وايذاء للانسان، و يترتب على ذلك أن التعدي الاسرائيلي يتجاوز الفلسطينيين الى ايذاء مطلق البشرية.

يتجلى ايذاء الاله في منازعته في صفة المالك، اذ ان الاسرائليين ركبوا كل الوسائل التي توصلهم الى امتلاك الأرض المباركة، و ابتدعوا فيها كل الأساليب التي في مكنتهم، لا يبالون ان هضموا حقا، أو تعدّوا قانونا، أو نكثوا عهدا، أو خالفوا وعدا. بل تعدّوا ذلك الى أسلوب الابتزاز، فصار لهم ظاهر الأرض و باطنها، وبرها وبحرها وجوها، و ما فتئوا يوسعون تخومهم كل يوم، بل كل ساعة. فيضمون المزارع والأراضي،  و يشقّون الطرق، ويمدّون الشبكات و الأنابيب، و يقيمون فوقها المستوطنات. كما يتجلى ايذاء الاله في منازعته بيوته المباركة، وعلى رأسها ” بيت المقدس”، ومحاولة هدمه وتدميره لبناء هيكلهم المزعوم.

أما ايذاؤهم الانسان فهو من باب أولى. فما داموا لا يستحيون من الخالق، فكيف يستحيون من الخلق؟

لقد سعى الاسرائيلي بعد ايذاء الاله الى ايذاء الانسان الفلسطيني، بمسخ ذاكرته الأصلية، وطبيعته الفطرية الجبليّة، تلك الفطرة التي تحفظ القيم و المعاني المبثوثة في روح الانسان منذ خلقه، نازلة من الروح منزله الجوهر. ويتحقق له ذلك المسخ بجعل الفلسطيني يقبل باحتلال أرضه، واغتصابه مقدراته، و تهجيره و تدميره.

ويرى طه عبد الرحمان أن مسخ ذاكرة الفلسطيني تتحق من خلال مسالتين هما: ” قلب القيم” و ” سلب الفطرة”

يتجلى قلب القيم في فصل الانسان عن بعض القيم الفطرية، بل جعله يؤمن بأضدادها، فيرى الحق باطلا و الباطل حقا. ويتم ذلك من خلال افساد الذاكرة بفصل الفلسطيني عن تاريخه و دينه و أمته، و التنقيض من قيمة المسجد الأقصى بالحديث عن تحويل القبلة الى المسجد الحرام، أو الاشارة الى البعد السياسي التاريخي في تعظيم قبة الصخرة، و غير ذلك من الأباطيل.

 كما يتم هذا القلب للقيم من خلال افساد الثقة بالذات من خلال تشكيكه في جدوى المقاومة، ووصفها بالارهاب و العنف، و تضخيم صور اسرائيل في العالم، وقوتها العسكرية و الاستخبارية، ونفوذها الدولي، و تأثيرها على أصحاب القرار في الولايات المتحدة الأمريكية…

والى جانب افساد الذاكرة وافساد الثقة في النفس يسعى الاسرائيليون الى افساد التوجه، بجعل الفلسطيني يتأرجح بين الاندماج في المجتمع الاسرائيلي وبين حفظ خصوصيته، أو بين المقاومة وبين المصالحة… و هو ما يفسد علاقته بمستقبله. وعليه يحاول الاسرائليون، كما يؤكد طه عبد الرحمان، ارباك علاقة الفلسطيني بأبعاده الثلاث؛ الماضي والحاضر و المستقبل.

وكما يحاول الاسرائيلي ارباك علاقة الفلسطيني بالزمن، يحاول كذلك ارباك علاقته بالمكان. حيث أوهم نفسه والعالم بأن الأرض المباركة هي أرض أجداده الذين سكنوا فيها منذ ثلاثة آلاف سنة، وكأنه متعال، دون باقي البشر، عن حركة التاريخ.، كما يحاول ارباك علاقة الفلسطيني بالمكان، من خلال السرقة اليومية لارضهن وتمزيق خريطة سلطة الفلسطينية، والمنع المتقطع لدخوله الى مدينة القدس، أو منعه من الصلاة في المسجد الأقصى لمدد مختلفة…

أما سلب الفطرة فهو أدهي و أمر لأنه محاولة لاجتثاث الذاكرة الأصلية عند الانسان الفلسطيني والعربي و المسلم، من خلال مدخل التطبيع، مستغلا تخاذل العرب و تقاتلهم و عمالتهم. فالتطبيع كما يرى طه عبد الرحمان هو عبارة عن” تضييع ما لا يضيع من مزايا الذات الانسانية“.

 و من مظاهر هذا التضييع:

تضييع الطبيعة: اذ التطبيع من الطبيعة، وهي الجبلة والخلق الأصلي الذي يولد عليه الانسان، في حين أن أصل الكيان الاسرائيلي مغاير لطبيعة نشأة الدول والكيانات السياسية. فقد قام، كما هو معروف، على التواطؤ مع بريطانيا المحتلة لجزء من بلاد الشام، لسرقة أرض الفلسطينيين وتهجيرهم،  واعمال القتل فيهم.

تضييع الروح: اذ يُفقد التطبيع الروح كرامتها وحريتها وحقها في العدل والايمان. و عليه يكون المطبع كما يقول طه عبد الرحمان” قد آثر موت روحه على موت بدنه” و اذا ماتت الروح وقيمها الأصلية، ماتت كل القيم المتولدة عنها، بما فيها قيم الحكمة. وبذلك يكون المطبع قد مات موتتين شنيعتين هما: موت الفطرة وموت الحكمة.

تضييع القداسة: اذ يفقد المطبع احساسه بالعالم القدسي الفطري، فيفقد بالتدريج احساسه بمطلق القداسة، و ينخرط في عالم النسبية التي ينتفي فيها الارتكاز المبدئي. لهذا تجده يسرع الى تأويل النصوص الدينية، وحذف بعضها، واسقاط بعض أركان الدين، وتغليب المصالح السياسية على القيم الكبرى، فتسقط مع توالي الأيام الحواجز النفسية التي تمنعه من التطبيع، فيتوغل في الانبطاح الى أقصى حد، و يصير فيه سجية و ملكة راسخة.

تضييع الحياء: لقد فقدالمطبع حياءه، لأنه لم يعد يستشعر النظر الالهي في تصرفاته. و معلوم أن الحياء خلق رفيع يبعث على اجتناء المنكرات، و على رأسها الايذاء، بينما المطبع قد أنكر النظر الالهي، لأنه لم ينكر ما يؤذي الاله من تدنيس لبيوته، وتقتيل لخلقه. كما أنكر النظر البشري لأنه أقر للمعتدي بظلمه للبشر غيره، باعترافه بوجوده، وتبادل المصالح معه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق