المقالات

المرأة في سوسيولوجيا العوامل الفاعلة (ديرار عبد السلام) ج3

ب– سيرورة تحرر المرأة بالمجتمع الحديث في تفاعل جدلي مع الشروط العامة لهذا المجتمع :     

تبين لنا فيما سبق أن التحولات التي شهدها شرط المرأة الحديثة، كان للمرأة فيها دور فاعل / المحارب و المناضل / المعتقل و المشنوق / المنفي و المحاصر. و حين كان الصمت

يفرض على نضال النساء، كانت المثقفات تنوب عن أخواتهن الثوريات، كل منهن تستنبط فلسفتها من التجربة الأليمة. كيف لا تكون التجربة أليمة و الجراح مبرحة و قد وجدت النساء أنفسهن في العديد من الحالات أمام تنكر لهن من قبل رفاقهن الرجال في الثورات أنفسهم، بل و من الاشتراكيين أيضا؟ !. إلا أن إصرارهن على المساهمة في بناء  مجتمع جديد يضمن لهن موقعا جديدا كان أكبر من العوائق و القيود التي تدبرها كل قوى المحافظة و الإصرار على تكريس الماضي و إعادة إنتاجه، و بالضبط، استدامة وضع المرأة ككائن هامشي و تابع لا كمواطنة فاعلة و حاضرة على مسرح الحياة.       و الملاحظ أن تلك الحركية التي طبعت الفعل النسائي بالمجتمعات الحديثة خلال القرنين الثامن عشر و التاسع عشر على الخصوص كانت مشروطة بشروط المجتمع الذي افرزها و بكل مكوناته و شروطه الاقتصادية – الاجتماعية و السياسية …، و في تفاعل جدلي مع هذه الشروط، كما كانت استجابة لسيرورة تطور هذه المكونات، لقد كانت تلك الديناميكية التي ميزت الفعل النسائي نتاجا لسيرورة طبيعية في التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع الاوربي . فمع قدوم المجتمع البورجوازي و التنمية الصناعية و التزايد السكاني، هذه العوامل المولدة لحاجات جديدة لم تعد منذ الآن مشبعة بالمتحد الأسري، بل بالمقاولة الرأسمالية، هنا سيكون تقسيم العمل موضوع إعادة تنظيم على أسس أكثر اتساعا. سيحدث هنا الانتقال من اقتصاد عائلي منفصل مرتبط بالمجتمعات الرعوية و الزراعية، إلى اقتصاد من نمط جماعي (Collectiviste) هو نمط المجتمع الصناعي الحضري. هنا ستصبح العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة منظور إليها كمنتجة للخيرات، تابعة للعلاقات التي تفرضها العلاقات داخل 

المقاولة الرأسمالية. فميلاد الرأسمالية الصناعية يميل إلى تذويب الأساس الذي تقوم عليه سلطة الأب على الأطفال أولا، و على الزوجة ثانيا داخل الأسر العمالية و الأسر البورجوازية أيضا لقد خلقت الصناعات القطنية الأولى بانجلترا حاجة ملحة إلى اليد العاملة الإضافية هي أيادي النساء و الأطفال أيضا. كما أن التنظيم الصناعي لكل الخدمات المنزلية التي كانت منوطة سابقا بالمرأة(إعداد الأطعمة، علاجات، إسعافات، تربية الأطفال…)،أدى إلى إدماج المرأة داخل الأنشطة خارج البيت . ثم إن متغيرا جديدا قد أثر بشكل ملحوظ على معدل نشاط المرأة خارج البيت، و يتعلق الأمر بعدد الأطفال الذي عرف تراجعا كبيرا. و تراجع متوسط عدد الأطفال بالنسبة لكل أسرة يمكنه وحده أن يشرح كون النساء المتزوجات تقضين وقتا أكبر بسوق الشغل. و ليست هذه هي الظاهرة المهمة بل إن ارتفاع معدل الأجور الفعلية، و المجهودات التي أفضت إلى تقدم واضح في إنتاج منتوجات مماثلة لتلك التي ينتجها العمل المنزلي و لكن في شكل بضاعة، كلها عوامل جعلت “عمل السوق” (travail marchand) نافعا للنساء، و بالتالي ساهمت في الرفع من حضورهن في الحياة النشيطة خارج البيت كما أن الرفع من إنتاجية العمل المنزلي (باستعمال الآلات المنزلية مثلا) سمح بالحصول على نفس كمية المنتوجات المنزلية و لكن في وقت إنتاج أقل.

     و قد كشف ماكس فيبر على شروط انعتاق المرأة (و كذا الأطفال) من السلطة التقليدية الأبوية و الزوجية، و ذلك ضمن تحليله الشمولي للسيرورة التي قامت عليها الرأسمالية، إذ يبين أن جزءا من هذه السيرورة يرتبط بنمطين تاريخيين للأسرة: النمط الأول هو الجماعة العائلية، تلك التي على كل فرد أن يأتي إليها بمساهمته حسب إمكانياته الخاصة و يأخذ إشباعه

حسب حاجياته في حدود الخيرات المتوفرة،و تفترض هذه الجماعة العائلية نموا كافيا لاستغلال الإمكانيات    الطبيعية، الفلاحية أساسا. و من جهة أخرى تفترض الاعتراف بسلطة الشخص الأكثر قوة. و بالإضافة إلى ذلك يلزم الجماعة أن تحيا التساكن و تمارس التضامن لتضمن حماية ذاتها. هذا النمط من التنظيم العائلي الذي وجد في بعض المجتمعات القديمة يتضمن بنية اقتصادية قادرة على ضمان الخيرات المادية و الخدمات الضرورية للجماعات، بالرغم من أن ذلك قد يستدعي ممارسة بعض أشكال التبادل مع العلم الخارجي.

    أما النمط الثاني التاريخي للعائلة، فيتأسس عند فيبر على الاقتصاد المالي و توزيع الخيرات بين أفراد الجماعة العائلية و الذي من نتائجه انعتاق المرأة و الأطفال من السلطة الزوجية و الأبوية. إذ مع نمو مجموع البنيات الاجتماعية و ارتفاع الانتاج، كان لهذه العوامل أثر تمزيق التضامن العائلي و الموروث، بعمق. فالإنتاج بات يميل إلى التطور خارج البيت، كما بات التنظيم العائلي يفقد طابعه الوظيفي شيئا فشيئا، مما أدى إلى ظهور النزعة الفردية، و بالتالي بداية تجسد الميل إلى تقييم الأداءات العائلية، و التي كانت- تقليديا- غير محسوبة، بل إن المنطق الذي كان سائدا هو منطق نفي مثل تلك الحسابات.

      يتضح من كل ما سبق أنه إذا كان من غير الممكن تجاهل كون المرأة بالمجتمعات الحديثة هي التي اخترقت منطق السلطة التقليدية و صنعت حاضرها كمواطنة فاعلة خارجة البيت على مستوى البنيات الانتاجية و السياسية و الثقافية، فإن هذا الفعل التحرري كان متطابقا مع سيرورة تطور البنيات و الهياكل الاقتصادية و الاجتماعية للمجتمع الغربي، كما كان مشروطا بالشروط الخاصة لهذا المجتمع في مرحلة من مراحل تطوره.

    و الآن نتساءل: إذا كان الأمر على هذا الشكل بالمجتمعات الحديثة، فماذا عن المرأة بالمجتمعات التقليدية؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق