المقالات

المرأة في سوسيولوجيا العوامل الفاعلة (ديرار عبد السلام) ج1

تـمـهـيـد:

     كانت الثورة البورجوازية في فرنسا و الأخرى في انجلترا بمثابة  ” إعلان عالمي ” على أرض الواقع بأن المجتمعات الإنسانية باتت منقسمة منذ الآن (أي منذ تاريخ الثورتين) الى واحدة حديثة و أخرى تقليدية، و البون شاسع بينهما إلى حد كبير و على كل المستويات : فالأولى اضحت أرضا”للدولة” الحديثة كنمط جديد للتنظيم السياسي الذي لم يكن معروفا من قبل، و المواطن كإنسان جديد بكل المقاييس، و للديمقراطية السياسية أو الحداثة السياسية القائمة على التعاقد و الحوار و الأخذ و الرد، و للفكر الحر…، ثم (و هذا ما يهمني أساسا هنا ضمن هذا العمل)، الاعتراف بالمرأة ككائن كامل العضوية، كمواطن فاعل في الحياة الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية و الثقافية، بل لا يمكن تصور ديناميكية فعلية للمجتمع دون إدماج المرأة في نسيج هذا المجتمع الحديث(1). أما المجتمعات الثانية، فهي التي استمرت في الاشتغال ضمن منطق يعيد إنتاج البنيات التقليدية على كل المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و التنظيمية و الثقافية… إنها قلاع للاستبداد و لأجهزة للحكم تقليدية و للإنسان البعيد كلية في مواصفاته عما يميز الإنسان – المواطن الحديث، ثم إنها (و هذا ما يهمني أيضا هنا) مجال لعدم الاعتراف بالمرأة ككائن كامل العضوية، و بإنتاجيتها و قدراتها و فعلها…، و بإنسانيتها عموما.

      و للإشارة منذ البدء، فنحن واعون بأن المجتمع الحديث ليس “جنة” على مختلف الأصعدة، لأن الديمقراطية – كما يقول جيل دولوز و فيلكس غاتاري- تتعايش مع قوى الأمن و الجيوش القوية، و كذا مع انحطاط و ابتذالية الحياة الملازمة للديمقراطيات. و “حقوق الانسان” هي مجرد معايير اصطلاحية ( Axiomes ) تتعايش مع معايير أخرى في السوق،

و خاصة تلك المتعلقة بضمان الملكية التي تتجاهل هذه المعايير أو تعلقها أكثر مما تتعارض معها. إن حقوق الانسان لا تقول أي شيء عن أنماط العيش المحايثة للإنسان المتمتع بالحقوق . و فيما يخص وضعية المرأة بهذا المجتمع الحديث فإذا كان من الغير الممكن إنكار التحولات العميقة و الجذرية التي شهدها شرطها في اتجاه التحرر و المساواة في الحقوق، فإن ذلك لا يلغي استمرار عديد من أنماط التمييز سواء في الشغل بصفة عامة أو في ولوج بعض المهن أو بعض الانشطة، و في اقتحام الحياة السياسية للمجتمع و ولوج مناصب المسؤولية….

  و الآن نتساءل ما هي وضعية المرأة الفعلية في كل من المجتمع الحديث و المجتمع التقليدي؟

I– المرأة في المجتمع الحديث: سيرورة عسيرة للتحرر:

     لا نفكر هنا في رصد جميع جوانب واقع المرأة في المجتمعات الحديثة، لأن هذه المهمة لا تخدم رهان عملنا أولا، ثم إنها تستدعي بحوثا تاريخية و سوسيولوجية كاملة تتجاوز بكثير حدود عملنا. أما ما نهدف هنا، فهو أساسا الوقوف على التحولات العميقة التي شهدها وضع النساء في هذه المجتمعات، و كذا على شروط هذه التحولات و العوامل المركزية الفاعلة فيها، و الفاعلين الأساسيين ضمنها، كل ذلك بغية الإمساك بعناصر للتحليل صلبة و إمكانيات للربط و المقارنة، تمكننا من قراءة واقع المرأة المغربية و شروط إعادة إنتاجها لهامشيتها ، و خصوصا موقع المرأة المغربية القروية ضمن عملية الإنتاج الذي لا يعترف لها بموقعها و ثقلها فيه رغم كونها تلعب دور المحرك الأساسي للاقتصاد القروي (كما سيتضح لنا في مراحل لاحقة من هذا العمل).

     أ- المحطات البارزة في سيرورة التخلص من ثقل الماضي:

        لن نتورط هنا في تلك النقاشات حول صحة وجود شكل من الجنة المفقودة بالنسبة للنساء في الماضي البعيد . و لن نعود إلى قانون حمو رابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد و الذي عبّر عن وضع عال للنساء، إذ تم الاعتراف لهنّ بالاستقلالية الاقتصادية بواسطة القانون . و نفس الشيء بالنسبة لمصر القديمة، حيث أقر القانون المساواة بين الرجال و النساء. إنها قضايا و إشكاليات تهم التاريخ و الأنتروبولوجيا بدرجة أكبر . أما ما يهمنا هنا، فهو تلك التحولات التي عرفتها وضعية المرأة و الملازمة للتحولات الكبرى الاقتصادية – الاجتماعية التي شهدتها المجتمعات الاوربية منذ بداية تخلصها من منطق القرون الوسطى، أي منذ بداية تفكك المجتمع الفيودالي و قيام المجتمع الرأسمالي أو البورجوازي . ذلك أنه إذا تصفحنا تاريخ الإنسانية إلى حدود الفصل بين المجتمع المدني و الدولة، هذا الفصل الذي تحقق عبر مراحل متتابعة، ابتداء من القرن الثامن عشر، فغن عبارة “المرأة و البيت” تبدو لنا و كأنها تحصيل حاصل خالص . ففي كل المجتمعات حيث الحياة الاجتماعية تمر عبر مختلف أشكال الجماعات، كانت العائلة دوما هي البيئة الوحيدة التي انتمت إليها النساء . فلم يعترف أبدا باستقلالهن، و لم يساهمن أبدا في اتخاذ القرارات في الهيئات الاجتماعي أو السياسية الأكثر اتساعا (باستثناء الملكات)، فمصالحهن كانت تمثل من طرف آبائهن و أزواجهن. لا يتعلق الامر هنا بالمرأة كانسان كامل العضوية في المجتمع بل بكائن تابع، مهمش و ينظر إليه في أشغال الفلاحة و الصناعة التقليدية، فإن ذلك لا يرجع إلى إقرار المساواة بين  الرجل و المرأة في الشغل و في المساهمة في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية، بل فقط في الحاجة اليهن . و قد استمر المجتمع الاوربي في إعادة إنتاج هذا الشرط الشاذ للمرأة – نصف المجتمع- إلى غاية مراحل جد قريبة، فقد كان نابولين يضع المرأة في خدمة الرجل و يؤكد رسميا اللامساواة بين الرجل و المرأة، و إلى غاية القرن التاسع عشر كان إفراغ الشمندر السكري بمصانع السكر يتم بواسطة النساء ليلا لأنهن يصبرن على تحمل الأوساخ و البرد !! (سنرى في محطات تحليلية – تفكيك للمفاهيم ضمن هذا العمل أن المجتمع الجديد بالغرب، أي المجتمع البورجوازي لم يقطع نهائيا مع كل أشكال البناء الاجتماعي للامساواة بين الرجل والمرأة و للتمييز ضد المرأة، بل إن لهذا المجتمع (الحديث) اقتصادا للخيرات الرمزية يكرس استعدادات غير منفصلة عن بنيات هي التي تنتج تلك الاستعدادات و تعيد إنتاجها، سواء عند الرجال أو عند النساء، مفعولها دونية و هامشية المرأة، و كذا (Dissymétrie ) مركزية بين ذات و موضوع، بين فاعل و أداة، بين رجل و امرأة على ساحة التبادلات الرمزية و علاقات إنتاج و إعادة إنتاج الرأسمال الرمزي). غلا أن ذلك لا يمس في شيء قيمة الخطوات الحاسمة التي خطتها المرأة بالمجتمع الحديث في اتجاه فرض نفسها كمواطن بكل ما يحمله هذا المفهوم من معاني الكرامة و الانسانية و الحضور الفاعل و المعترف به في البنية الاجتماعية العامة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق