المقالات

الكينونة السلفية: من أنطولوجيا الغاية إلى أنطولوجيا الانعكاس:(عبد العزيز بومسهولي)

يقترن الكون في لسان العرب، بالحدث: “الكون الحدث، وقد كان كونا وكينونة ( عن اللحياني) …، والكينونة في مصدر كان يكون أحسن…و الكائنة: الأمر الحادث، وكونه فتكون أحدثه فحدث…”[1] وهذا الاقتران، من حيث هو تلازم، ما بين الكون والحدث، في اللغة، إنما يعبر عن علاقة صميمة بين الكينونة والوجود، قوامها الحدث، ومعناه أن الكينونة، إذ تشارك الوجود في الحدث، تكون من حيث كينونة، حدوثا. وبهذا التحديد، تتميز الكينونة بما هي حدوث، عن الكون بما هو حدث. وهذا يمنحنا انطلاقا من اللسان، إمكانية تأويل أنطولوجي  للكون، بوصفه حدث الوجود الأصلي، كحدث أول وأخير، أي الحدث الذي ينبع منه كل وجود، باعتباره معطى أصليا، ومعناه أن كل موجود حدث، وكل ما يحدث يوجد، ولهذا ينتسب الكون للوجود؛ أما الكينونة، فهي لا تنتسب للوجود إلا عبر توسط الكائن، من حيث هو موجود يكون كينونته الخاصة، أي من حيث ليس هو مجرد حدث يوجد فقط، بل من حيث إمكانية الحدوث التي هي خاصيته الأنطولوجية، يكون أيضا. ولهذا فنحن لا نكون لأننا نوجد وحسب، بل نحن نوجد لأننا نكون، أي أن صيغة وجودنا إنما هي على نحو الكينونة، كمشروع يجلب الحدوث إلى مجالنا الخاص. ومعناه أن الكينونة هي مشروع الكائن الذي لا يكتفي بكونه موجودا وحسب، وإنما هو من يحمل في ذاته، إمكانية الحدوث، أي في أن يكون وفق كينونته الخاصة، كاقتدار على الوجود. وما يميز الكائن الإنساني، عموما، عن غيره من الكائنات، هو سعيه الدائم نحو جلب الكينونة إلى وجوده الخاص، بوصفها مطلب حدوث، أي بوصفها حدوثا غائيا، إذ أن الوجود معطى قبلا وسلفا، أما الكينونة، فهي حدوث بعدي، أي هي معطى غائي. وفي صلب الكينونة كحدوث وكمسعى غائي يظهر وعي  الكائن بالزمان. وبما أننا بصدد الحديث عن السلفية كنزعة نحو الكينونة، فإننا نستخلص أن الزمان السلفي، هو وليد هذا المسعى نحو نمط وجود تتعين فيه الكينونة السلفية. وأن وعي السلفي بالزمان، كمعطى سلفي، هو شرط إمكان الحدوث الذي يجلب الكينونة إلى الحاضر. غير أن الصعوبة التي تواجهنا، إنما تكمن في هذا السؤال: على أي نحو تتحدد الكينونة السلفية، وهذا السؤال ملازم لسؤال آخر: على أي نحو يفهم السلفي سلفية الكينونة، التي يستدعيها كمطلب غائي؟

تتحدد الكينونة السلفية عامة، كمشروع لاستعادة نمط الوجود السلفي المعطى سلفا في بنية الوحي، القرآن والسنة، و في نهج الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، أي في أفق زمان سلفي تعتبره كل المنظورات السلفية أفقا، لإعادة تأسيس الكينونة؛ ولهذا تتفق جميع التصورات السلفية للزمان، في تحديد علة  العجز عن الكينونة، و لذلك تحصر مدخلات فهم  الوضعية الإشكالية للحاضر، في انحراف الأمة عن نهج السلف الصالح، وبالضبط في انحرافها عن القرآن والسنة، ولكنها تتباين إلى حد التناقض في تصور مخرجاتها، أي في تصور التخلص من العجز، بوصفه مشروعا لتملك الأمة لكينونتها حاضرا ومستقبلا.  وبناء على ذلك يمكننا تحديد تحديد ثلاث مشاريع للكينونة، بوصفها قرارات تاريخية في أفق الزمان السلفي،  غير أن المعضلة لا تكمن في التصنيف، بل تكمن في كون كل صنف من هذه المشاريع الثلاث، يتضمن منظورين متباينتين، لفهم  كيفية استعادة نمط الوجود السلفي، وهكذا نجد تفاوتا داخل كل مشروع  على مستوى استلهام التجربة السلفية، إما بوصفها منطلقا وغاية، أي كتجربة تطابق تام مع معطى النموذج السلفي، أو بوصفها منطلقا لا غاية، أي كتجربة تستلهم التطابق مع المعطى، في بعد تغيرات الزمان، وصيرورات التاريخ، أي في أفق اجتهاد يستحضر الزمان، كأفق لا للتصالح مع الماضي فقط، بل من أجل التصالح مع الحاضر، والتفاعل مع التحولات التاريخية، التي تقتضي فهما مغايرا للتعايش مع الحداثة.

إذن يمكننا – منهجيا فقط – إجمال مشاريع الكينونة السلفية في ما يلي:

1-مشروع السلفية الإصلاحية؛

2-مشروع السلفية الجهادية؛

3-مشروع سلفية تعددية، في أفق الزمان والفضاء الديموقراطي؛

1-يستند مشروع السلفية الإصلاحية، إلى تأصيل مفهوم الإصلاح، انطلاقا من السلف ذاته، حتى وإن كان يستحضر البعض من السلفيين الإصلاحيين، مفهوم الإصلاح الديني، في تجارب النهضة الغربية، كما هو الشأن عند محمد عبده، ولهذا فإن مرجعية الحقل “الإبيستيمي” لهذا المفهوم، تنتسب للتراث الفقهي، أي أن  المفهوم يتأصل في الخطاب الفقهي القديم. ولهذا يتخذ مفهوم الإصلاح، بعدا انعكاسيا، لمعناه المطابق عند السلف عينه. ولهذا يعبر المفهوم عن القضية التالية التي تنتسب للإمام مالك: ” لا يصلح آخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها”.[2] تنعكس هذه القضية، في بعد الزمان السلفي، كخاصة ارتجاعية وحفاظية، ومعناه أن الزمن السلفي هو أفق كل إصلاح، ومعناه أن إصلاح الحاضر، رهين باستعادة الزمن الماضي، وهذا المنطلق لا تتفرد به السلفية الإصلاحية وحدها، بل إن السلفيات الموازية لها، تعتمد كذلك نفس القضية، إنما الفارق، يكمن في كيفيات تدبير استراتيجية الأولويات والغايات، وفق عوامل القوى المهيمنة، ووفق تحولات الزمان.

وبإيجاز يقتضيه مقام البحث، فإن الحركة السلفية الإصلاحية، اتخذت مسارين اقتضاهما سياق التاريخ، وظروف الجغرافيا، أما المسار الأول، فيقترن ظهوره، بالحركة الوهابية، باعتبارها حركة إصلاح  تعتمد منهج السلف في تقويم العقيدة أساسا، ولهذا كان توجهها منصبا على محاربة البدع، وكل أشكال التقليد العقدي الشعبي، الذي لحق بمنهج العقيدة في القرون المتأخرة، وقد انتهى الأمر بهذا الاتجاه إلى التحالف مع السلطة السياسية، فتقاسم معها أمور تدبير نمط الحياة في مجتمع نجد والحجاز، وقد شكلت سلطة هذه الحركة التي صارت مهيمنة، مصدرا مكن السلطة السياسية، من بسط نفوذها على الزمان الثقافي- الاجتماعي، ولذلك كانت الوهابية، أداة تطويع وإخضاع أكثر من كونها، أداة تحرر واجتهاد. أما المسار الثاني، فيقترن ظهوره، بحركات النهضة، باعتباره يملك إمكانية الجواب عن سؤال: كيف ننهض؟ و ما تعنيه السلفية، بالنسبة للسلفي النهضوي، ليس إلا إمكانية لنهضة الأمة، وفق  منظور سلفي للزمان، يستحضر تجربة السلف، بما تعنيه الكلمة من معنى مزدوج يدل على الزمن الماضي، وعلى نمط الوجود السلفي.  و معناه، فإن السلفي النهضوي،كما يرى الجابري: ” يفكر في النهضة داخل مجاله الخاص، داخل منظومة مغلقة هي التي يقدمها له النموذج الحضاري العربي الإسلامي في القرون الوسطى والتي تشكل إطاره المرجعي الوحيد… والسلفي عندما يفكر داخل هذا النموذج وبواسطته ويطالب باقتفاء أثره والسير على “هداه” يعتقد مخلصا، أنه يقترح الطريق “الأمثل” الذي يتلاءم مع “واقعنا” الذي يندمج في خطابه مع “معطيات” تاريخنا… مع اتجاه التاريخ…لا بل مع الإرادة الإلهية.”[3]

ما يميز السلفية النهضوية، عن نظيرتها الوهابية، هو كونها تفكر في أفق غائي للزمان، ولهذا فهي تعتمد منظورا إصلاحيا ينسجم مع متطلبات العصر، ومن ذلك حثها على الأخذ بأسباب العلم والتطور، هذا ما تفصح عنه على الأقل كتابات السلفيين النهضويين، أمثال محمد عبده ومحمد الطاهر بن عاشور،علال الفاسي. لقد حاول هؤلاء تصور مشروع  للكينونة نهضوية  سلفية، تستلهم الزمان السلفي، لكنها تفتح أفقا على الزمان التاريخي، ككل، بغاية  تملك نمط وجود، يتفاعل مع روح العصر، ومتطلبات الزمان. ومعناه أن الزمن السلفي، كما يتصوره السلفي النهضوي، هو زمان تاريخي، ينتظم، في أفق الزمان الأنطولوجي، من حيث هو فقط، منطلق لغاية بعث الكينونة، واستنهاضها في مجرى التاريخ العام للبشرية.

2-يقوم مشروع الكينونة لدى السلفية الجهادية على مفهوم “الجهاد؛ وهو مفهوم غامض بدلالة استعمالاته وتأويلاته، كما يحضر كذلك، في المنظور الإصلاحي، إما كمفهوم للتوحيد، كما هو الشأن في الحركة الوهابية، أو كمفهوم يدل على الجهاد الأكبر، أي على جهاد معنوي، يستهدف تقويم الذات، من حيث هو جهاد ضد انفعالات النفس، وجموحاتها، وإصلاح واقع الحال، من حيث هو جهاد ضد التخلف والجهل والأمية، كما هو الشأن لدى السلفية النهضوية. ومن ثمة فهو ليس غاية في حد ذاته، بقدر ما هو وسيلة للنهوض بالأمة من تخلفها الحضاري. كما يقترن مفهوم الجهاد لدى جل الحركات السياسية،  بما فيها الحركات غير السلفية، بكونه شكل مقاومة للاستعمار أو للاحتلال.

غير أن مفهوم الجهاد في ما يسمى بالسلفية الجهادية، اتخذ مسارا مغايرا، وصار من حيث دلالته، غاية في حد ذاته، كونه، ليس مجرد وسيلة، بل خاصية لمشروع كينونة جهادية، ولهذا استعيد مفهوم الجهاد، في السلفية الجهادية، كأولوية الأولويات، وكأفق غائي سلفي. ومعناه،أن قوام الكينونة السلفية، إنما يستند إلى منظور للزمان السلفي، كحركة جهادية، تنبع من الماضي، وتصب في إرجاع الحاضر والمستقبل إلى نمط ذلك الماضي، وليس ذلك ممكنا من غير استرجاع للفعل من حلال جهاد ضد كل الأنظمة التي تسمى في الخطاب الجهادي جاهلية السلف.  ولهذا تتجه حركة الزمان الجهادي صوب هذه الكيانات التي انحرفت عن الكينونة السلفية، من أجل استعادة ماهية الزمان والكينونة في الخاصية الجهادية. ووفق هذا المنظور، يكون مشروع الكينونة، في السلفية الجهادية، مطابقا لكينونة حاكمية، ويعني أن تكون المرجعية الوحيدة للتشريع للكينونة، هي الشريعة الإسلامية، وفق ما يقتضيه الكتاب والسنة، وفي أقصى الأحوال وفق ما يقتضيه الفقه الإسلامي في وحدة أصله وفروعه، وليس في تعدد اختلافاته، وتجلياته المتفاعلة والمنفعلة، بثقافات الشعوب. وتبعا لذلك يكون معيار منهج الكينونة الجهادية، هو الولاء والبراء، الولاء لأهل السلف، ولنمط الوجود السلفي، بوصفه حقا، والبراء من كل أنماط الوجود الأخرى، حتى ولو كانت مندمجة في المنظومة الإسلامية، وكانت منبع تعدد وتنوع إن  لم نقل منبع اختلاف، يمكن الغير من التعايش وفق غيريته مع نسق تلك المنظومة.

من وجهة نظر السلفية الجهادية، يكون الجهاد تحيينا زمانيا للكينونة السلفية الخالصة التي لا توافق أي مبدآ آخر خارج نسق الشريعة وشموليتها. بوصفها مشروعا كليانيا يستهدف تقويض كيانات مغتربة عن الشريعة، وتأسيس كينونة سلفية جهادية، لا تقف حدوده عند الفضاء الإسلامي، وإنما تصبح وفق هذا المنظور، مشروعا  جهاديا لأسلمة الكون.

3- السلفية في أفق الفضاء والزمان الديموقراطي: هنا علينا أن نطرح السؤال التالي: كيف تغدو سلفية ديموقراطية ممكنة؟ يحمل هذا السؤال، في طرحه مأزق لإشكالية النزعة السلفية عموما، و-ربما- يتضمن الجواب المحتمل مخرجا أصيلا لهذا المأزق التاريخي، الناتج بالطبع عن الكيفية اللاتاريخية، التي تتمثل بها  النزعة السلفية الزمان السلفي، بوصفه معطى زمانيا تاريخيا. غير أن معطيات التاريخ، وتحولات الزمان المتسارعة، تطرح بدورها إمكانيات للنزعة السلفية، لتصير بدورها نزعة إنسانية، زمانية وتاريخية، ولذلك فإن هذه التحولات فرضت على هذه النزعة اختبار إمكانية، فأجبرتها على التمرن على التجربة الديموقراطية، سواء في أفق شبه- ديموقراطي، كما هو الحال في كثير من الانظمة العربية، الحديثة العهد بالتجربة الديموقراطية، أو في أفق تجربة ديموقراطية أكثر كمالا، كما هو الشان بالنسبة لتجربة الإسلام السياسي -غير السلفي- في تركيةا. ويبدو ان هذه التجارب -بغض النظر- عن تفاوتاتها، قد غيرت من أفق تمثل  الكائن السلفي للزمان. وهكذا صارت السلفية في تمثل السلفي، جزءا من الفضاء المشترك للوجود، وأصاب هذا التغير منظورها الخالص للزمان السلفي، الذي صار بدوره جزءا من بنية الزمان الأنطولوجي للكينونة، ومن ثمة لم يعد الفضاء الديموقراطي، في فهم السلفي منافيا للشريعة، بل صارت الديموقراطية مطلبا للسلفية بغاية تصريف وجهة نظر سلفية بإمكانها أن تقدم أجوبة عن سؤال الحاضر والمستقبل. تمثل تجربة التمرن على الديموقراطية، فرصة تاريخية لدمقرطة المنظور السلفي، وليس العكس “أسلمة الديموقراطية”، وذلك لأن الديموقراطية ليست نسقا إيديولوجيا خالصا للعقيدة، بل هي وسيلة فقط، تجعل من كل المنظورات المذهبية مشاركة للوجود المشترك، أي تجعل منها أطرافا لا غنى عنه لتأسيس فضاء تعددي للكينونة، بوصفها فضاء حرا للزمان الأصيل، كعطاء أنطولوجي للوجود، لا يستثني أي عطاء يقدر عليه الموجود. إن الزمان السلفي لن يكون ممكنا كتجربة حدوث، إلا حينما يصبح نمطا من أنماط الزمان الأنطولوجي الحر، وبذلك لن يستعيد أصالته في تطابقه مع نمط وجود  سلفي يحاكيه، ويسير على هداه، بل في ما يمكن أن يسهم به في الفضاء الحر للإنسانية، من عطاء يمنح الكينونة أصالتها في نمط وجودها الخاص.


– ابن منظور، لسان العرب، كلمة كون، المجلد الخامس، ج 44، دار المعارف، القاهرة، ص 3359.                                                [1]

– أورده القاضي عياض، في كتاب: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القسم الثاني، الباب الرابع، دار الفكر، 2002، ص 448.                    [2]

– محمد ع الجابري،الخطاب العربي المعاصر، دار الطليعة، ط2. بيروت، 1985.ص27                                                                [3]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق