المقالات

العصيان المدني مدخل إلى الديمقراطيَّة(عزّ العرب لحكيم بناني)_1_

مقدّمة:

تنبني الديمقراطيَّة على ركيزتين أساسيتين: الأولى مؤسَّسات سياسيَّة تُفوَّض لها مختلف السلطات وفق قوانين يُجمع المواطنون على عدالتها، أو، على الأقل، على شرعيتها، والثانية منظومة قانونيَّة تراقب النظام السياسي، وتمنع الانحراف باستعمال العنف في اتجاه يناقض مبدأ دولة القانون. ومن خلال هاتين الركيزتين، لا يحقُّ للسلطة السياسيَّة أن تحُلَّ محلَّ المنظومة القانونيَّة في ضمان مشروعيَّة المؤسَّسات الديمقراطيَّة، في حين يحقُّ للمواطن أن يعترض على قوانين يرى أنَّها غير عادلة من خلال اللجوء إلى القضاء الدستوري. ورغم توافر إمكانيَّة المراجعة الدستوريَّة (Judicial Review)، التي تبدو، بالنسبة إلى فقهاء وفلاسفة القانون، أمثال: دووركين، ورولز، وهارت، وكلسن، وراتز وغيرهم، ركناً أساسياً من أركان دولة القانون الحديثة، يظلُّ هناك اعتقاد قوي لدى العديد من المنظّرين السياسيين بأنَّ الديمقراطيَّة لا تستقرُّ داخل المجتمع إلا بإحداث توازن دقيق بين شرعيَّة القانون ومشروعيَّة السلطات الديمقراطيَّة المكتسبة عبر الانتخاب من جهة، والمقاومة السلميَّة للقوانين والقرارات السياسيَّة من خلال اللجوء إلى العصيان المدني من جهة أخرى؛ غير أنَّ هذا الموقف الأخير، الذي يعترف للعصيان المدني بالمشروعيَّة والجدوى، ليس الموقف السائد لدى فقهاء القانون؛ إذ يتعارض، في رأي أغلبيتهم، العصيان المدني مع وجوب احترام القوانين والإذعان لها. فلا أحد يتمتَّع بامتياز خرق القانون، سواء بحكم ما يتمتَّع به من نفوذ سياسي عندما يُنصِّب نفسه فوق القانون، أم نتيجة مواقفه السياسيَّة. ولا يتضمَّن وجوب احترام القانون استثناءً داخل الدول الديمقراطيَّة، سواء في الغرب الذي يبجّل القانون أكثر من تبجيل الكتاب المقدَّس نفسه، أم في بلدان المشرق التي تسود فيها القوانين الاستبداديَّة، والتي لا تحترم الحقوق الأخلاقيَّة للأفراد. ولذلك، سنتساءل: هل العصيان المدني حقٌّ أساسيّ؛ بمعنى أنَّه حقٌّ «يضمن لنا فرادى وجماعات مشروعيَّة انتهاك معايير المنع، بطريقة خالية من العنف لأسباب سياسيَّة أخلاقيَّة، إذا ما كان الاحتجاج موجَّهاً ضدَّ ظلم خطير»؟. ولأنَّ هذه المسألة خلافيَّة بين الفلاسفة وفقهاء القانون، فإنَّنا سنعمل في هذا المقال على إبراز الخلفيات الفكريَّة والفلسفيَّة والحجج القانونيَّة لكلٍّ من الطرفين؛ المناصر للعصيان المدني والرافض له، مع تأكيد من طرفنا على أهميَّة العصيان المدني في الديمقراطيَّة، ودوره في تطوير المؤسَّسات والتشريعات على نحو يجعلها أكثر استجابة للمطالب الأخلاقيَّة المشروعة للأفراد، وأكثر قدرة على إدماج الأصوات الاحتجاجيَّة. وللحجاج من أجل موقفنا هذا سنقوم بمناقشة جملة من النظريات حول العصيان المدني، وعلى نحو خاص نظريَّة رولز، التي دافع عنها في كتابه العمدة (نظرية في العدالة)، التي حدَّدت الحق في العصيان المدني في الديمقراطيَّة الليبراليَّة وفي مجتمع عادل، ضمن شروط نرى أنَّها ضيّقة أكثر من اللزوم. وسندافع في هذا المقال أيضاً، عن رأي يرى أنَّ العصيان المدني وسيلة فعَّالة في الدفاع عن الحقوق الأخلاقيَّة للأفراد والمجموعات، سواء في الغرب؛ أي في الدول التي تُعدُّ ديمقراطيَّة، أم في دول الشرق التي تُعرف بالشموليَّة والاستبداد.

يرى البعض أنَّ العصيان المدني ليس حقّاً أساسياً؛ ففورتاس (Fortas) يرى مثلاً أنَّه «لا يوجد مبرّر للعصيان المدني داخل مجتمعنا [المقصود: الأمريكي والغربي عامَّة]؛ لأنَّ المادة القانونيَّة التي تمَّ انتهاكها ليست هي موضوع المنازعات». كما يرى (Joseph Raz) أنَّ الدول الليبراليَّة ليست معنيَّة بصورة جوهريَّة بالعصيان المدني، ما دام يرتبط ارتباطاً مباشراً، بحسب رأيه، بالمشاركة السياسيَّة التي هي متاحة لجميع المواطنين في هذه الدول. فالدَّولة في الغرب تنبني على وجود مبادئ ليبراليَّة تفرض نفسها على المشرع الذي يصوغها في قوانين؛ فالحقوق تتدخل في سنّ القوانين، كما تساهم القوانين في تنظيم الحقوق، من خلال المشاركة السياسيَّة داخل المجتمعات الليبراليَّة. وعليه، «لا يحقُّ للدول الليبراليَّة أن تمارس العصيان المدني»، ويقتصر الحق في العصيان المدني، وفق هذا الرأي، على الدول غير الليبراليَّة؛ لأنَّ دفاع المواطن عن حقّه في هذه الدول «يتطلّب منه انتهاك القانون، وقد يؤدّي به هذا التصرُّف أحياناً إلى عواقب غير محمودة كان بالإمكان تجنُّبها لو كان تصرُّفاً وفق القانون». يظلُّ اعتراض فورتاس قائماً؛ لأنَّنا ننتهك مادَّةً قانونيَّة، ونحن نَعدّها صحيحة (valide)، بدعوى رفع مطالب أخرى لا تسمح بها، أو تتعارض معها. وإذا لم تكن هذه المادة نفسها هي موضوع النزاع، فلا يجوز بالتالي انتهاكها باسم العصيان المدني. صحيحٌ أنَّ المواطن داخل المجتمعات «العادلة»؛ أي التي تحكمها دول قانون، يملك حقَّ عدم التعاون مع السلطات، إذا ما أخلّت بالتزاماتها الأخلاقيَّة، و«ليس ملزماً، كما يقول (Vinit Haksar)، الامتثال للقانون في كلّ الظروف». لكنَّ الغاية، حتى ولو كانت نبيلة من وراء العصيان المدني، لا تبرّر الخروج عن القانون. ولهذا، لا تتضمَّن الدساتير بنداً صريحاً يضمن الحقَّ في العصيان المدني؛ لأنَّ نصَّ القانون سيمنحنا آنذاك حقَّ الخروج عن نصّ القانون، وهذا غير معقول. فما يسمح به القانون هو الاعتراض على مادة قانونيَّة بدعوى عدم دستوريتها، واللجوء إلى القضاء الدستوري للطعن فيها؛ إذ يمكن أن ينتهك المواطن معياراً قانونياً (موضوع نزاع قانوني) باسم معيار قانوني أسمى، مثلاً، بالرجوع إلى تعديلات الدستور الأمريكي (الأوَّل والخامس والرابع عشر: حريَّة الضمير وحريَّة التعبير وحريَّة المعتقد وعدم التمييز بين المواطنين)، أو الطعن في نص قانوني ما باسم قيمة أخلاقيَّة عليا. لكن في هذه الحالة إذا ما قمنا بانتهاك قانون كنَّا قد اعترضنا عليه أخلاقياً وأنصفتنا المحكمة الدستوريَّة، فلن نكون آنذاك قد انتهكنا قانوناً صحيحاً. وهذا ما يؤكّد كلام فورتاس الذي سقناه في البداية؛ إذ إنَّنا في هذه الحالة نكون قد اعترضنا على دستوريَّة القانون نفسه، ولم ننتهك قانوناً صحيحاً ساري المفعول لا يشكّ أحدٌ في دستوريته لغرض بلوغ أهداف أخرى.

ونجد في مسرحيَّة (أنتيغونا) لسوفكليس مثالاً رائعاً للعصيان المدني؛ فأنتيغونا (Antigone)، التي تحدَّت القانون الذي أصدره الملك (Creon)، بعدما منعها من دفن أخيها (Polynices)، قامت بدفنه دفاعاً عن الحقّ الطبيعي لكلّ إنسان في أن يُدفن بعد موته، وأن تحفظ كرامته، وألَّا يُترك جسده في الفلاة تنهشه الطيور والحيوانات، وقامت بذلك ضدَّاً للقانون. فمعنى العصيان هنا هو انتهاك قانون عَدَّته أنتيغونا باطلاً، باسم حقٍّ تراه أعلى شأناً منه، ويكتسي العصيان في هذه الحالة معنى العصيان الذي ينتهك قوانين صحيحة؛ أي نافذة أصدرتها سلطة لها حقّ سنّ القوانين، وذلك لأهداف أخرى أخلاقيَّة وسياسيَّة. لكنَّ الغموض يظلُّ قائماً بين انتهاك قانون صحيح وانتهاك قانون يخامرنا الشكُّ في مدى دستوريته؛ فالفرق بين الشرعيَّة والمشروعيَّة لا يزال يثير مشاكل عظمى بين الفقهاء. فقد نرى مثلاً أنَّ قانون الحريَّات العامَّة، الذي ينظّم الاحتجاج والمسيرة، لا يطرح مشكلة من حيث صحّته القانونيَّة، لكنَّه قد يتحوَّل إلى مبرّر لقمع ممارسة حريَّة التعبير، ويتحوَّل في ظروف معيَّنة إلى قانون ظالم. وعليه، يظلُّ، من وجهة نظر كلٍّ من فورتاس ورولز ودووركين، إمكان وجود قانون يتضمَّن دواعيَ للظلم، سواء من حيث صياغته أم من حيث النتائج التي تترتَّب على تفعيله وتنفيذه، مبرّراً العصيان، بينما لا يرى آخرون أنَّ هذا الشرط ضروريٌّ.

خصائص العصيان المدني في التصوُّر الليبرالي:

عُرف العصيان المدني في البداية باسم مقاومة السلطات، وعُرف مع أشهر رموزه: ثورو، وغاندي، ومارتن لوثر كينغ، حيث أطلق هنري دافيد ثورو (Henry David Thoreau) على شكل الاحتجاج السلمي على الحكومة مصطلح العصيان المدني (civil disobedience). وقد نظر كلٌّ من (Joseph Raz) و(Fortas) إلى العصيان المدني نظرة سلبيَّة؛ لأنَّه ارتبط لدى كثير من النشطاء السياسيين بالاحتجاجات التي تتحوَّل إلى استخدام للعنف ومواجهات مع قوات الأمن ومقاومة السلطات وروح التمرُّد، وحتى الدعوة إلى الثورة. في حين اتخذ جون رولز حياله موقفاً وسطاً، إذ رأى أنَّ العصيان المدني مشروع، ويساهم في تجديد المجتمع والنخب السياسيَّة، ولكنَّه يحتفظ بمميزات تتناسب مع المجتمعات الغربيَّة الليبراليَّة. فما هي خصائص العصيان المدني لدى رولز؟

يؤكّد رولز العناصر التالية: إنَّنا نملك «الحق» في عصيان قانون غير عادل في دولة عادلة تقريباً (near just)، إذا ما كان عصياننا مدنياً، وهو ما ذهب إليه فورتاس، حينما يتَّخذ العصيان صورة احتجاج سياسي غير عنيف يمتثل إلى وازع الضمير (conscentious)، وإذا ما قمنا به علانيةً، وخاطبنا حسّ العدالة لدى الأغلبيَّة، شريطة أن يتبين أنَّ الظلم (unjustice) واضح للعيان، ويمسُّ الجوهر، وبعد أن نكون قد استنفدنا كلَّ طرق الطعن القانونيَّة المعتادة، عن حسن نية، وأيضاً، شريطة ألَّا يؤدّي العصيان إلى سقوط هيبة القانون.

يقبل رولز العصيان المدني داخل المجتمع الليبرالي، لكنَّه يلزمه بشروط تقيّده في مواجهة قانون ظالم، مع تأكيد ضرورة تجنُّب العنف والتمرُّد والثورة. فإذا امتنع شخص عن أداء واجب دفع الضرائب، وإذا ما تمسّكت امرأة بارتداء الحجاب داخل المدارس الفرنسيَّة، كان «الرفض مبنياً على ضمير الشخص» (conscientious refusal)، ولا يُعدّ عصياناً مدنياً في نظر رولز؛ لأنَّ أداء الضرائب واجب شرعي، ولأنَّ رفض أداء الضريبة لا يخاطب حسَّ العدالة الموجود لدى الأغلبيَّة»، الذي هو حسٌّ ينبني على مبدأ التعاون الاجتماعي بين الناس الأحرار والمتساوين، ويحظى بالإجماع ويشكّل أسَّ النظام السياسي؛ لأنَّه «إذا ما التزمنا هذه الحدود فلن يشكّل العصيان المدنيُّ خطراً على المجتمع، ما دام المتمرّد على بنود قانونيَّة محدَّدة يقرّ بسلطة القانون، ويعترف بأنَّ الدولة عادلة»؛ فامتناع ثورو عن أداء الضريبة لا يُعدّ عصياناً مدنياً بالمعنى الذي يراه رولز؛ إذ إنَّ ما يبرّر مشروعيَّة العصيان المدني لدى رولز هو وجود بعض القوانين المحدودة التي تنتهك أحد المبادئ العليا للعدالة، التي نفترض أنَّ المجتمع العادل والجيّد التنظيم، وفق تعبير رولز، يتوافر عليها سلفاً. لكنَّ تصوّر رولز يحصر العصيان المدني داخل الدول الغربيَّة الديمقراطيَّة ما دام موضوع العصيان هو القانون الذي يراه البعض ظالماً، ولا ينسجم مع المبادئ العليا التي يحتكم إليها الناس عند تقييم مدى عدالة القوانين التي تحكم مؤسسات مجتمعهم. وفق هذا المعنى الذي يأخذه العصيان لا يُعدُّ حسّ العدالة موجوداً بالضرورة في سائر المجتمعات ما دام وجوده وتطوُّره لدى الأفراد يظلُّ مشروطاً، في نظر رولز، بوجود تصوُّر عمومي للعدالة قائم على مبادئ علنيَّة معروفة ومعلومة من الجميع يتفق أفراد المجموعة حولها، وتشتغل وفقها المؤسسات الكبرى للمجتمع. أمَّا في المجتمعات التي يغيب فيها مثل ذلك التصوُّر العمومي للعدالة، وتغيب معايير الحكم على القوانين وعدالتها، فيواجَه العصيان بالقمع، وينعدم حسُّ العدالة الذي تحدَّث عنه رولز.

وعلى الرغم من محاولة رولز وضع الإطار النظري للعصيان المدني في الديمقراطيات الليبراليَّة يظلُّ مع ذلك موضوع العصيان غامضاً، فهل الموضوع هو القانون، أم ما ينتج عن القانون؟ وهل العنف جائزٌ أم لا في حالات العصيان المدني؟ لقد استعمل (José Bové) العنف لتدمير محاصيل زراعيَّة خضعت لتعديل جيني في فرنسا، وأصبح مع ذلك نائباً يمثل فرنسا في البرلمان الأوربي. وقد انتهك بوفي مجموعةً من القوانين الصحيحة والنافذة المتعلقة بالأملاك الشخصَّية والملك العمومي دخل على إثرها السجن؛ غير أنّه لولا هذا العنف لما انتبه الفرنسيون إلى مشكلة الصوجا المعدّلة جينياً، وما قد تحمله من مخاطر صحيَّة وبيئيّة. ومع ذلك يصرّ (Stuart Brown) على أنَّه لا مسوّغ لاستعمال العنف في العصيان المدني إذا ما كانت الظروف التي تنجم عن استخدام العنف يمكن أن تكون أكثر مأساويَّة من الظروف العاديَّة. فمثلاً، لا يكون العنف مسوَّغاً إلا إذا كانت مقاومة النظام السياسيّ باللجوء إلى العنف أهون من شرّ النظام السياسي ذاته. غير أنَّنا «إذا ما عجزنا، كما يرى براون، عن تبرير مشروعيَّة التمرُّد المدني، فإنَّنا لا نستطيع تبرير استعمال القوَّة أو العنف». ولا يجيز براون استعمال العنف في الغرب، بالمقارنة مع دواعي التمرُّد والثورة في الدول غير الليبراليَّة، في حين يعترض عليه (John Morreall)، معتبراً أنَّه بإمكان العصيان المدني أن يلجأ إلى عنف محدود في الشرق وفي الغرب أيضاً، شريطة أن نوضح معنى العنف؛ إذ يشير إلى أنَّ الدولة تستعمل العنف طول الوقت، وإلى أنَّه يجوز لنا أن نستعمله نحن أيضاً للدفاع عن أنفسنا.

فضلاً عن ذلك، افترض رولز أنَّ المجتمع قد توافَق على نحو إجماعي على تصوُّر محدَّد للعدالة، وقلّص بذلك من احتمال أن تجدَّ ظروف لقيام العصيان. والحال أنَّ مفهوم المجتمع العادل تصوُّر مثالي لا يأخذ واقع المجتمعات في الاعتبار، كما يرى (Peter Singer)، ولاسيَّما المشاكل الواقعيَّة في الدول العربيَّة؛ كما أنَّ مفهوم المجتمع العادل يُفضي إلى إجماع لا يترك مجالاً للعصيان المدني بشأن مفهوم العدالة ذاته. وهكذا، يتعارض، في نظرنا، التوافق الإجماعي المزعوم مع الحقّ في القيام بالعصيان المدني، وقد كان افتراض وجود مثل ذلك الإجماع وراء منع المرأة والسود قروناً طويلة من المشاركة السياسيَّة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق