المقالات

السيري والشعري في القصيدة النبوية المعاصرة (1)… أحمد زنيبر

لا تزال سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم تحظى بمكانة مرموقة في الكتابات الحديثة والمعاصرة، بالرغم من تباعد المسافة الزمنية بين العصر الراهن وزمن النبوة. وقد حاز الشعر قصب السبق في هذه العناية، حيث نظمت قصائد في مناسبات كثيرة تستحضر شخصية الرسول في تجلياتها المختلفة، من شمائل وفضائل ومواقف وغيرِها.

وانطلاقا من هذا المنزع الشعري الإنساني، حيث الاحتفاء بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، تروم المداخلة النبش في بعض الأسباب الذاتية والموضوعية التي تدفع بالشاعر المغربي المعاصر إلى الاستمرار في تمثل سيرة الرسول واتخاذها موضوعا شعريا رئيسا، من جهة، ورصد مختلف المكونات الجمالية والإيقاعية، التي تميز قصيدته، من جهة ثانية. وهو ما يفضي في النهاية إلى تبيان التداخل بين السيري والشعري في هذا النوع من المديح النبوي.

يمثل المدح عامة، أحد الأغراض الرئيسة في التراث الشعري العربي، منذ العصر الجاهلي إلى الآن. وهو غرض تداخلت فيه أغراض شعرية أخرى كالوصف والفخر وغيرها. ويعتبر المديح النبوي أحد أهم هذه الأغراض لما تراكم فيه من نصوص شعرية تمتح من السيرة النبوية وتركن إلى ما في أجوائها من أحداث ووقائع تتصل بشخصية الرسول (ص). فكيف عبر الشاعر المغربي عن ارتباطه الوثيق بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وكيف جسد هذه المحبة الإنسانية في إبداعه الشعري؟ وما العناصر التي تم التنبيه إليها خلال استعراض سيرته النبوية؟ وإلى أي حد كان قريبا من ذائقة شعراء المديح النبوي؟… 

تكاد لا تخلو قصيدة من القصائد النبوية، في الشعر المغربي، قديمه وحديثه، من دعوة إلى الرحمة واستدعاء للسلم والمحبة اقتداء بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، بما هي قيم أساس لتكوين شخصية الإنسان المسلم، ومن خلاله صلاح الأمة وبناء حضارتها. ولعل سبب هذا الاقتداء المباشر وغير المباشر، ما عرف عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام، من شمائل وخصال حميدة استطاع بها لفت الانتباه إليه وامتلاكَ قلوب من حوله وقلوب من آمن برسالته المحمدية. واعتبارا لهذا الحضور الديني في القصيدة المغربية، تباين الشعراء في طرائق التعبير واختلفوا في مستويات تطوير القصيدة النبوية، بناء ودلالة.  

ويعد الفقيه الأديب الطيب بن عبد الله ابن خضراء السلاوي، إلى جانب شعراء مغاربة آخرين ممن سبقوه أو عاصروه أو جاؤوا من بعده[1]، أحد رموز القصيدة المغربية (توفي 1950م) وأشهرِ من نظموا في مجال المديح النبوي. ترجم له أبو مروان عبد المالك البلغيتي بقوله: “هو الفقيه الأديب الكاتب الماهر والشاعر البارع، ولد بمدينة سلا ودرس على يد أجلة علمائها.. له أخلاق سامية تقلب في عدة وظائف وانتهى به المطاف إلى الكتابة في ديوان الحجابة الملكية في العهد اليوسفي.”[2]

وقصد الاقتراب من عوالم هذا الشاعر وبيان خصائصه الفنية في هذا اللون الشعري، نقترح دراسة تحليلية لإحدى قصائده المعروفة ب”همزية التنوير”، مطلعها[3]:  

لك من نورك الكريم ابتداء “””””” يا نبيا نوابه الأنبياء

تقع القصيدة في أربع مائة وثمانية وتسعين بيتا نظمها الشاعر على بحر الخفيف (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن). وضمنها كثيرا من المبادئ الإسلامية والقيم الإنسانية انطلاقا من تمثل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. سيرة بمعناها الاصطلاحي حيث الوقوف عند أبرز المحطات التاريخية والإنسانية التي ميزت مساره.

ولعل أول ملاحظة يمكن تسجيلها تتعلق بالنفس الطويل الذي تميز به الشاعر، من جهة، والإحاطة الشاملة بتاريخ السيرة النبوية من جهة ثانية. فطول القصيدة وتفصيلُها في عرض حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، جاء خدمة للرسالة الأخلاقية والتربوية اللتين آمن بهما الشاعر وتمثلهما في وجوده وسلوكياته. فقد سعى كغيره من الشعراء إلى “رسم صورة لذاك الإنسان النموذجي، المتوازن فكريا وأخلاقيا وعقائديا، وذلك بالرجوع إلى ماضيه الذهبي الإسلامي. إنها صورة فنية وحقيقية، في ذات الآن، تجسد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ومكانته المتألقة.”[4]

ولتيسير عرض هذه السيرة واستخلاص ما فيها من قيم نبيلة متعددة، اعتمد الشاعر الترتيب الزمني للأحداث وتعَقّبها وفق مقاطع مشهدية تفاوتت من حيث الطول والقصر وتباينت بتباين الموضوعات المطروقة. والواقع أن عنصر التاريخ كان حاضرا بقوة، من مطلع القصيدة إلى نهايتها. فثمة، نبش عميق في أهم اللحظات التاريخية وتفصيل دقيق لمختلف الأحداث التي عاشها الرسول منذ الولادة حتى الوفاة؛ بل وبعدها.

لقد ابتدأ الشاعر القصيدة بالحديث عن الإرهاصات الأولى لولادة النبي عليه السلام من خلال الإشارة إلى بعض الصفات التي كانت سببا في اختياره نبيا ورسولا. ولعل أهمها الحسن والجمال والمقام الرفيع والحسب الأصيل وغيرها كثير مما ميزه عن سائر البشر أجمعين. كما نوه الشاعر ببعض المظاهر المختلفة التي سبقت مولد الرسول، حيث انتشار النور والضياء وتبشير الأنبياء به ونصرتهم له، بعد أن كان الجو العام الذي يسود العالم محصورا في مظاهر الشر والظلم والجهل والفساد.  يقول الشاعر:[5]

كنت نورا في حضرة الله مولا “”””” ك من قبل الأنبيا استنباء

أخذ الله عهد كل نبي “”””” ك بالنصر حبذا النصراء

بك في الغيب قد تشرفت الأجـ “”””” ـداد والأمهات والآباء

وينتقل الشاعر، بعد هذا المدخل العام، إلى الإشادة بذكرى مولده (ص) وما ظهر فيها من علامات وخوارق اندهش لها القوم وسارت حديث كل لسان. فقد تدارك الله عباده وأنزل سكينته عليهم بإرسال من يخرجهم من الظلمات إلى النور، من ذلك الحديث عن إيوان كسرى وحالة الفرس وقصة الفيل وغيرها. يقول:[6]

يا له مولدا كريما به الإسلام “”””” يسمو تعمه السراء

كم بدت فيه من خوارق عادا “”””” ت رأتها الأبصار والبصراء

فبدا في إيوان كسرى انكسار “””””” واعترى أهله البلى والبلاء

وعرا الفرس في المياه جفاف “”””” وبنار المجوس حل انطفاء

ولقد رد الفيل عن حرم الله “”””” وبالطير ردت الأعداء

ولأن سيرة الرسول بمعناها الاصطلاحي العام ارتبطت بالحديث عن مساره التاريخي وامتداده في الزمان والمكان؛ فقد توقف الشاعر وقفة متأنية لبسط الدليل على نورانية هذا المخلوق البشري وما تسبب فيه من خير عمّ الكون ومن حوله بدءً بمرضعته حليمة السعدية التي سعدت بوجوده غاية السعادة، مرورا بميله للعزلة والاختلاء بغار حراء حيث تلقي أولى البشارات بالوحي الإلهي، ووصولا إلى نزول الوحي عليه والمؤازرة اللامشروطة التي تلقاها من زوجته خديجة بنت خويلد. وفي ذلك إشارة قوية إلى مساندة المرأة العربية للدعوة الإسلامية وبذلها كل الجهد لمناصرة الرسول عليه السلام. لذلك أشاد الشاعر في قصيدته بفضلها ودورها في حياة الرسول، حيث يقول:[7]

ولها من رب البرايا سلام “”””” جاءها إذ لها بطه اعتناء

فلكم خففت عن المصطفى عب “”””” ء عناء فزال عنه العناء

ويمضي الشاعر في تعقب مراحل الدعوة المحمدية وبيان الأهداف التي رامها الرسول من ورائها حيث العمل على نشر المحبة والرحمة بين الناس وتوحيدهم على كلمة سواء. واستنادا إلى نقاء الدعوة وصفائها كانت الإشارة إلى القرآن الكريم، ضرورة لتمثل مبادئ الدعوة الإسلامية وما فيها من معان جليلة وصلاح للأمة. لذلك رصد الشاعر تجليات هذه الفترة من حياة الرسول مستفيضا في الحديث عن أهمية هذا الكتاب وإعجازه، ودور الرسول في شرح آياته وبيان ما استشكل فيه، حين توزع الخلق بشأنه إلى فريقين: مصدق ومكذب. يقول الشاعر:[8]

كذّبوا أصدق الخلائق طرا “”””” وهمُ الكاذبون والأغبياء

وهو الصادق الأمين لدى الله “”””” تعالى ما مثلُه أمناء

جاء بالصدق فاستجاب فريق “”””” وفريق حق عليه الشقاء

وارتباطا بسيرة الرسول دائما، يستعرض الشاعر ما اتسمت به شخصيته من عفة وسماح وتقوى وصلاح وما عرف عنه من نبل وشهامة وإباء وما تحمله من إذاية قريش  ومنه يوم اجتمعوا على قتله ليلا فخيب الله سعيهم. يقول:[9]

وفداه فرد المعالي علي “”””” في فراش ونعم ذاك الفداء

ودعا إذ رام الخروج عليهم “”””” عمهم في خروجه إعماء

ومشى ناثرا عليهم ترابا “”””” حيث غشى تلك العيون غشاء

وبذكر هذه الواقعة ينتقل الشاعر إلى وصف لحظة تاريخية أخرى لها مكانتها في سيرة الرسول عليه السلام تتمثل في الهجرة من القرية إلى المدينة المنورة رفقة صديقه الأثير أبي بكر الصديق. وهنا سيفرد الشاعر حيزا شعريا مهما لإثارة عنصر أساس في شخصية الرسول تمثل في سلوكه وأخلاقه التي ضربت الآفاق، فما كان من أهل يترب إلا أن آمنوا به نصروه وحاربوا إلى جانبه لثقتهم فيه ودفاعا عن دينه. يقول:[10]

كم لهم في الجهاد من سطوات “”””” صُرعت في الوغى بها الأعداء

فتراهم فوق الخيول ليوثا “””””” ما لهم في صرع العدا إبطاء

قاتلو المشركين في الحرب صفا “””””” فكأن الصفوف منهم بناء

ما دعاهم خير البرية إلا “””””” أسرعوا طاعة إليه وجاءوا

ويستمر الحديث السّيري داخل القصيدة عبر توزيع الشاعر لمحطات الرسول التاريخية حيث استعراض الفتوحات والمعارك والغزوات ومنها: بدر وأحد وخيبر وحنين والطائف وتبوك والخندق المعروفة بغزوة الأحزاب وغيرها. ولأن لكل غزوة سياق تاريخي واستراتيجية حربية خاصة، فقد أُفرد لكل غزوة حربية ما تستحقه من الوصف الدقيق والإشارات النبيهة دون إغفال ما دار فيها من أحداث، من ذلك استشهاد عم الرسول صلى الله عليه وسلم حمزة بن عبد المطلب مثلا. وحرصا من الشاعر على تقريب الصورة النبوية السمحة وتجسيد دلالاتها الإنسانية الرفيعة، لم يخل مقطع من إدراج صفة من صفات النبي (ص). فثمة صفات كثيرة منها الجود والسخاء والحكمة والقوة والعفو والحلم والذكاء والخبرة وما إليها عمد الشاعر إلى ذكرها وربطها بما يناسبها في سياق المرحلة. يقول الشاعر في مقطع من فتح مكة:[11]

سألوا العفو من نبي حليم “”””” قد أمدّت من حلمه الحلماء

فعفا عنهم وفازوا بعتق “”””” ولهم قال أنتم الطلقاء

غض طرفا ولم يفه بعتاب “”””” وله عما قد مضى إغضاء

ردّ أموالهم إليهم سخاء “”””” هكذا هكذا يكون السخاء

والواضح من خلال هذا المقطع القصير أن الشاعر ذكر أكثر من صفة نبوية تشيد بشخصية الرسول (ص) وتعلي من شأنه موازاة مع بني قومه. ولم يكن ذكره للصفة النبوية بمعزل عن الممارسة الفعلية لها، ومن ثمة الحديث عن ارتباط القول بالفعل. وهكذا يمضي الشاعر في ما تبقى من أبيات القصيدة متنقلا بين لحظة وأخرى، متوقفا عند أهم الملامح الكبرى لسيرة الرسول (ص) وكيف نجح في تبليغ رسالة ربه بعد مسيرة طويلة من الجهاد النفسي، انتهت بدخول مكة وإلقاء خطبته الشهيرة عند فتح مكة إيذانا بوداع قريب. وهي المرحلة الأخيرة التي توقف عندها الشاعر، ليس بغاية التأريخ الفصل فقط؛ وإنما بغرض إظهار التفاعل الإنساني الذي حصل مع شخصية النبي (ص).…. يتبع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق