غير مصنف

الحداثة عند طه عبد الرحمن: من النقد المعرفي المزدوج إلى بناء المفهوم(ذة. سعيدة ملكاوي)

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

        فإن الحداثة الحقة هي ما كانت تجربة خاصة يتفاعل فيها الإنسان بإكراهات زمنه فيتغلب عليها ليخضعها لمبادئه ويملأها بروحه المتجددة، ولا تكون الحداثة حداثة وهي تنقل تجارب الاخرين كائنا ما كانوا، إذ شرطها الجوهري هو التخلص من كل أشكال التقليد، ومساءلة “المعرفة” في الراهن والتاريخ على حد سواء.. والإيمان بالتالي بأن الحداثة بما هي نتاج/ خطاب فلسفي لا يمكن أن تكون خطابا وحيدا، إذ لايمكن كما يقول آلان جرانفيل لأي خطاب أن يكون منفردا، مادام أن الخطاب يحمل دائما إجابة ما، بهذا المعنى، لا يوجد خطاب فلسفي واحد، بل توجد خطابات فلسفية عديدة.

        وهذا الموضوع ذو الطابع الفلسفي مما اشتغل عليه الأستاذ الفيلسوف طه عبد الرحمن واهتم بأسئلته محاولا مراجعة ما تقترحه التيارات العلمانية من إسقاطات فجة وتصورات مجتزأة عن الحداثة، ومعترضا على طروحاتها التي تنقصها الأصالة والانسجام، ومقترحا في ذات الوقت فهمه الخاص لماهية الحداثة كما يتصورها؛ مبدعة ومستقلة ومتحيزة للخصوصية الثقافية التي تعطيها معنى وتمنحها قيمة وتدفع بها في اتجاه النِّدية..

        وقد كنا في مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية نتصور وما نزال أن صياغة الجواب الحضاري الذي لا يفتأ يتجدد لتحدي الحداثة الضاغط بإحراجاته المعرفية لا يمكن أن يكون شاملا ومنسجما وحيا ما لم تتوفر له العناصر السالفة الذكر، خصوصا تلك التي لها تعلق بالشق الفلسفي، دون أن يعني الجواب “انغلاقا” أو “معطى جاهزا” يستغني عن الحاجة إلى المساءلة.

        إننا نشعر بالتفاؤل في مركز ابن غازي لتقديم عمل الباحثة سعيدة ملكاوي، الذي تتناول فيه بالتحليل الموقف النقدي للفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن لمفهوم الحداثة، مستعينة بالنصوص المؤسسة لهذا الموقف الفلسفي كاشفة عن السياقات والخلفيات المعرفية الثاوية خلف هذا الموقف الذي يتميز بقدر كبير من الجرأة والإبداعية.

        الدكتور طه عبد الرحمن من الذين قدموا إسهامات معتبرة فيما يخص الموقف من الحداثة نقدا، على غرار ألان تورين وقبله نيتشه وهوركهايمر وميشيل فوكو وفرويد ويرغن هابرماس ، وقد شق طه لنفسه خطا فلسفيا يناظر في قوته النقدية والبنائية الاستدلالية المشاريع الكبرى في الغرب، مع قدرة هائلة وتحيز واضح للذات الحضارية المساهمة في تجديد المعرفة الإسلامية العربية .

        في هذا الكتاب تسعى الباحثة لتقريب الموقف النقدي من القارئ، وذلك من خلال مجهود علمي رصين، ينم عن اطلاع واسع على أعمال الفيلسوف طه عبد الرحمن، وقراءة ذكية ومتصلة لنصوصه، استطاعت من خلالها الباحثة الانتهاء بنا إلى ما يسميه طه في حداثته البديلة بأسئلة النقد والرشد والشمول التي تحصن هذا البديل وتجعله بمنأى عن التداعي أمام واقع الصدام والمواجهة.

        اجتهد الفيلسوف طه على طريقة كبار الفلاسفة الألمان في مساءلة اليقينيات والمسلمات دون أن يستبعد “الدين” من دائرة النظر، بل جعل من المسألة الدينية قضية فلسفية وإبداعية راقية ومورد إلهام، عندها يرتفع التضاد المتوهم بين الدين والفلسفة، بل يسعيان معا لما يحقق السمو الإنساني على النحو الذي يذكرنا بما انتبه إليه الأنواريون وما عرف عن هيجل الذي اعتبر أن حركة الإصلاح الديني عامل حداثي بامتياز.

        وعلى خلاف كانط الذي حاول إخضاع الدين للعقل وفهمه في حدوده، فقد اتجه طه عاكسا هذا التفكير بأن جعل العقل في حدود الدين مبرزا تهافت دعوى كانط التي تقضي بتبعية الدين للأخلاق وذلك انطلاقا من أن الإنسان هو المشرع لذاته بواسطة العقل.

لقد سعت الباحثة إلى أن تبرز عبر ملاحقتها للخطو الفلسفي الطاهائي مسألة “المعنى” بما هو كائن يتصل في وجوده بالعديد من المفاهيم التي نحتها الفيلسوف طه وأبدع مقولاتها، مناهضا بذلك مظاهر التقليد ومدافعا عن التجديد والحداثة الحقة المرتكزة على تحرير العقل وترسيخ الإبداع وتمكيننا من التفلسف وفق شرطنا الوجودي الذي لا ينفصل عن”الحرية”، فالفيلسوف كما يقول طه عبد الرحمن لا يكون إلا حرا طليقا ولو وضعوا في عنقه الأغلال وعلى فمه الأقفال.

في هذه الرحلة الفكرية الشيقة تأخذنا الباحثة السعدية ملكاوي عبر تخوم الفكر الطهائي وشعابه، التي لا يفتر الحديث فيها عن الأبعاد الأخلاقية والإيمانية متى كان الحديث عن العقل ومنتجاته والحداثة وأدواتها، حتى يتمكن الكائن الإنساني من استشعار المسؤولية في قلب حركته وفعله، ولا ينتهي عمله إلى مجرد عمليات هدم مستمر للحضارة وللبناء.

والجواب الأخلاقي عن الحداثة الغربية يأخذ معناه من الآفات التي تحملها الحضارة الحديثة إلى الإنسان، مما جمعه طه عبد الرحمن في أعطاب “النقص” و”الظلم” و”التأزم” و”التسلط” بما يجعلها حضارة حداثة ناقصة ظالمة متأزمة متسلطة تؤذي الإنسان في صميم وجوده الأخلاقي.

في الختام نرجو الله تعالى أن يجزي الباحثة سعيدة  ملكاوي على جهدها المشكور والمتميز، وأن ينفع بعملها هذا عموم القراء والمهتمين، وأن يكون لهذا العمل ما بعده، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق